حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات

السجالات الفكرية والأدبية.. لماذا انحسرت في ثقافتنا المعاصرة؟

حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات
TT

حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات

حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات

في الأربعينات والخمسينات والستينات، اشتعلت المزيد من المساجلات الأدبية التي كانت تنشب بسبب اختلاف الآراء، وعرفت ساحات الأدب فرسانًا لهذه المساجلات مثل سجالات عباس العقاد مع طه حسين، والرافعي وأحمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي، وسجالات محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، وغير ذلك من معارك أثرت الفكر العربي الأدبي والنقدي، والتي كان من أواخرها السجالات الطاحنة بين أنصار المتحيزين لشعر العمودي والتفعيلة، وبين الذين أصروا على إطلاق عبارة «قصيدة» على النثر.
لماذا انحسرت مثل هذه السجالات في حياتنا الثقافية المعاصرة؟ هنا مداخلات حول هذا الموضوع من كتاب وباحثين ومثقفين من مختلف البلدان العربية:

حين كانت الحروب بأسلحة من كلمات، كانت الفائدة عظيمة على العقل العربي. لكن الإنسان العربي استبدل اليوم هذه الكلمات بشتى أنواع الفتك. قد يكون المدخل إلى موضوع أدبي مؤلمًا بهذه الطريقة، ولكن نريد القول: ليتنا بقينا على المعارك الأدبية كتلك التي كانت تشتعل بين الأدباء والنقاد والمفكرين ويسيل لأجلها الحبر حتى يغوص به القراء للركب.
في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، اشتعلت المزيد من المساجلات الأدبية التي كانت تنشب بسبب اختلاف الآراء، وعرفت ساحات الأدب فرسانًا لهذه المساجلات مثل سجالات عباس العقاد مع طه حسين والرافعي وأحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي، وسجالات محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، وغير ذلك من معارك أثرت الفكر العربي الأدبي والنقدي والتي كان من أواخرها السجالات الطاحنة بين أنصار المتحيزين للشعر العمودي والتفعيلة، وبين الذين أصروا على إطلاق عبارة «قصيدة» على النثر.
لكن الذي حصل اليوم، أن هذه السجالات بمفهومها «الثوري» انحسرت إلى حد كبير، بحيث لم تعد تشكل مادة تصلح لأن تظهر في كتب كتلك الكتب التي ظهرت مفعمة بالزخم عن المعارك الأدبية السابقة، أي تكاد تكون المساجلات اليوم محصورة في ساحة مواقع التواصل الاجتماعي بالتغريدات والبوستات والتعليقات على أبعد تقدير.
الإجابة على الأسباب التي أدت إلى هذا الانحسار، لا يمكن أن تكون إجابة فردية، لذلك كان لا بد من سبر غور آراء كثير من الأكاديميين في مجال الأدب والأدباء ليدلوا بدلوهم في هذه المسألة الحيوية.
السرقات الأدبية.. فحسب
الأكاديمية السورية الدكتورة علياء الداية، بقسم اللغة العربية جامعة حلب، ترى أن السجالات والحوارات الثقافية تحتاج إلى أرضية من الاستقرار، وتقول: لعلّ هذا ما تفتقده أيامنا المعاصرة إلى حد كبير، وعلى صعد متعددة. وتضيف: كما يؤدي العامل الاجتماعي دورًا مهمًا، فمن الملحوظ حاليًا ارتفاع نسبة الشباب في البلاد العربية، وهذا ما يجعل اتجاهاتهم الثقافية وتفضيلاتهم المعيشية تلقي بظلالها على المشهد الفكري العام. كان الغالب في سجالات العقود السابقة هو الرغبة في تجاوز المنتج الثقافي، من خلال نقده أو الرغبة في تطويره أو تحسينه، أو إيجاد بدائل فكرية للنظريات المطروحة. أما الآن فيقتصر الأمر على الرغبة في العرض والمناقشة، وفي بعض الأحيان إثارة موضوع السرقات الأدبية. وتفسر الدكتورة علياء الداية ذلك بقولها: يتميز عصرنا بتعدد الوسائل الإعلامية، مما يجعلها تتداخل كثيرًا مع الوسائل المعرفية وتتماهى معها، ومن ذلك ما يدفع أعدادًا متنامية من القراء باتجاه كتب رائجة، لاقتنائها إلكترونيًا أو ورقيًا وتبادل النقاشات حولها وتداول الاقتباسات والعناوين، من دون أن يعني ذلك حراكًا فكريًا عميقًا بالضرورة. وفي مثال آني للدور الإعلامي المعرفي الثقافي - تقول الدكتورة علياء الداية - نجد المسلسلات المأخوذة عن روايات عربية والتي حافظت على عنوان الرواية نفسه، مثل «ساق البامبو»، و«سمرقند»، و«أفراح القبّة»، وما تحظى به من متابعة واسعة، ونقاشات بين مشاهديها، ومقارنتهم بينها من حيث الجودة، وبين المسلسل المنتج والرواية المأخوذ عنها، الكثير يتجهون إلى قراءة الرواية أو إعادة قراءتها من جديد ليكونوا على أهبة المشاركة فيما يستجد من حلقات على الشاشة، ومن حوارات مع المجال الاجتماعي من حولهم ووسائل التواصل.
ولا تتجاهل الدكتورة الداية في هذا الموضوع حقيقة أن «الثقافة العربية المعاصرة تكتسب سمة العابرة للأماكن، بفعل مكوناتها من نصوص ومبدعين ومتلقين ما زالوا متواصلين وملتصقين بثقافاتهم الأصلية، ولكن الهجرة طافت بهم عبر العالم، وقد تثير الأماكن الجديدة أو الطارئة حوارات فكرية أو ثقافية ما تزال قيد التشكل لعقود قادمة».
الكاتبة الكويتية إستبرق أحمد تعتقد أن العالم يخضع لتغييرات متسارعة: «بحيث حتى بعض المواضيع التي تسترعي الانتباه تخفت وقد تختفي، كل خبر يدفع خبرا آخر للظل، كل اختراع يلغي أو يقلل من أهمية اختراع آخر»، لذا - حسبما تقول إستبرق أحمد - كانت السجالات والمناقشات غالبا تحتاج لصحيفة، أو إصدار كتاب للحفاظ على الحدث، أما الآن فالزمن في لهاث نكاد نسمع شهيقه وزفيره، بوسائل أصبحت أكثر وفرة وحيوية تتمثل بالسيد الوحش المدعو «الشبكة العنكبوتية» فإن الوسائط أو الطرق متاحة بتنوعها، مما جعلنا نرى حوارات كثيرة في مواقع الإنترنت تستقطب كثيرًا من المواضيع الثقافية، وتضيف: قد يجد أصحابها أهمية لوضعها في كتاب لكن غالبا تفتر المناقشة ويأتي ما هو أكثر أهمية منها فلا تصل إلى أرشفتها، أقول ذلك الرأي دون أن يكون السبب الوحيد الظاهر، فهناك عدة أسباب منها أن جرأة النقد في خفوت، والحياة محقونة بكثير من المعارك اليومية فلا تخلو من بلدان تقتلع وحدود تنفجر وصراعات طائفية طاغية تجعلنا لا نحتاج للانقسام إلى فريق ضد فريق إزاء قضية ثقافية، لأننا أصلا متشظون، فالانقسامات أكثر بكثير من استغراقنا أو اصطفافنا وراء اسم ضد اسم في معركة ثقافية، وتستدرك إستبرق أحمد بقولها: لكن الظاهر أيضا هو تزايد المعارك بين تيار يتشبث بالتنوير وتيار آخر ظلامي يتنامى بلا انحسار، سواء في إطار التلفزة أو مواقع التواصل أو الانفجار بكتب وكتيبات مناوئة أغلبها يكتب على عجل، فالهدف منها تدبيج الرأي أكثر من تأمل الأفكار، وهكذا تأتي المشاحنات دون إنصات بل بتربص واضح فيسطحها وهو ما يجعلها معارك ليست بثراء المعارك الثقافية السابقة التي تقوم على «احترام» جهد وثقافة الطرف الآخر وإن اختلف تماما معه، علما بأننا لا ننفي وجود هذه المعارك لكننا ندعي كما ورد بالتحقيق الصحافي أنها تراجعت كثيرا نتيجة لتراجع الأدوات السابقة وطغيان متواصل للتشبث بفكرة «الحقيقة المطلقة».
الشاعر والمؤلف الكويتي سالم الرميضي له رأي قد يبدو غريبًا في خاتمته لكثير من المتابعين لهذه الإشكالية، فهو يرى أن هذه المساجلات انتقلت اليوم من ساحة الأدب الفصيح إلى ساحة الأدب الشعبي، ولكنه قبل ذلك يسترجع التاريخ أولاً فيقول: فعلاً كانت المساجلات والمطارحات الأدبية قديمة قدم التاريخ العربي وتنوعت عنواناتها ومواضيعها بداية من المفاخرة والمهاجاة في سوق عكاظ بالجاهلية ثم بالمدح والذم بين شعراء المسلمين والمشركين في صدر الإسلام وبعد ذلك النقائض بين جرير والفرزدق في عصر بني أمية، وهكذا حتى تاريخنا الحديث وكما ورد بالسؤال حتى الأدباء من غير الشعراء كانت بينهم رسائل ومحاججات ومطارحات من مثل كتاب العقاد «على السفود» وردود الشيخ محمود شاكر وحرب المقالات بين رواد الأدب الكلاسيكي والحديث في النصف من القرن المنصرم.
ويضيف الشاعر سالم الرميضي: أما الآن فأظن أن المساجلات والمطارحات موجودة فعلاً ولكن المتلقي فقد الاهتمام بالأدب بعد أن تم اختطافه وتشويهه بشكل متعمد عن المتلقي العام الذي كان يتلقى تلك المساجلات في السابق بالاهتمام والنشر والحديث حولها، فالأدب اليوم شأن خاص لكل من يرتدي معطفًا رماديا بالشتاء ويشرب نصف كوب من القهوة ويتصفح جريدة قبل أسبوع! ولكن هذه المساجلات - حسب اعتقاد الرميضي - ما تزال ماثلة بقوة في الساحة الشعبية عند شعراء (القلطة) أو ما يعرف بالمحاورة القائمة على الارتجال وكذلك ما يسمى بالرديات وهي تماما كالنقائض الفصيحة؛ إذ يرسل الشاعر قصيدة ويرد عليه الشاعر الآخر بنفس الوزن والقافية ويجيب تساؤلاته أو يقلب معناه أو يجاريه.
أما الأكاديمية السورية الدكتورة بتول دراو، المتخصصة في مبادئ النقد ونظرية الأدب، فتقول: حين نفهم الوسط الذي احتضن صراعات العقاد وطه حسين نستطيع أن نفهم سبب تراجع مثل تلك السجالات في الوسط اليوم، ففي تلك المرحلة وبسبب طبيعة الوسط آنذاك الذي كان متسمًا بالانفتاح على الثقافات الواسعة؛ ظهرت تلك الصراعات التي كانت صادمة نظرًا لجدتها وعمق الموضوعات التي تحدثت عنها؛ فضلاً عن حساسيتها، وجرأتها الكبيرة في بسط آرائها والدفاع عنها.
أما اليوم -تضيف الدكتورة بتول دراو- فلعلنا أصبحنا أمام ما يمكن أن نسميه بالحرب الباردة، فالسجالات ما تزال مستمرة ولكنها فقدت مصداقيتها؛ أو لعل الأصح القول فيها إنها كانت حوارًا ثقافيًا حول رسالة الغفران على سبيل المثال عند العقاد وحسين، وتحولت لاحقًا إلى صراعات متأثرة بهيمنة نمط فكري ما عائد إلى تأثره بفكر آيديولوجي معين، ونحن لا ننفي عن السجالات الأولى تأثرها بما هو فكري؛ ولكن الفكري فيها يتراجع على حساب ما هو ثقافي بخلاف ما قد نجده اليوم، حيث إن الفكري يغدو مقدمًا على ما هو ثقافي، كأن يتم ترشيح عمل أدبي ما إلى جائزة ما نظرًا لأن صاحبه ينتمي إلى هذا البلد أو ذاك، أو لأن صاحبه يمتلك منظومة فكرية أو غير ذلك مما يدور في الفلك نفسه مما يناسب القائمين على الترشيح للأعمال الإبداعية، وهنا نجد أنفسنا أمام وسط يؤثر سلبًا في الإبداع بخلاف ما كان عليه سابقًا، حيث لم نكن نجد هذا الاهتمام الواسع بتقويم الإبداع من خلال المسابقات أو الجوائز، وهذا ما يجعلنا نرى أن السجال الثقافي تحول إلى صراع آيديولوجي مما أوهمنا بغيابه، وهو في الواقع لم يغب؛ وإنما تحول عن الحقل الثقافي الذي وُجد فيه.
وتفسر الدكتورة بتول دراو ذلك بقولها: أي أن ما نريد قوله إن سجالات الأوائل اتسمت بالصدق أكثر من صراعات اللاحقين، وإن الصدام الذي أثارته السجالات الأولى فقدناه اليوم، وجُلّ ما نجده الآن هو صدى لآراء تلك السجالات؛ أما أن يتم اقتحام حقول أخرى غير ما خاضها الأوائل فهو أمر لا نجده مطروحًا في سجالات اللاحقين، بل إن كثيرا من السجالات لم تعد تتسم بالجرأة والإفصاح أو النقد الجاد.
ولكنها تختتم رأيها بأنه: «مع ذلك ما تزال مدارس العقاد وحسين أو طرابيشي والجابري مستمرة بصراعاتها إلى اليوم، وبالشكل الذي وجدت فيه أساسا».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.