بريطانيا تغرق اقتصادها في «عقد المجهول»

تنتظرها أعوام شاقة من المفاوضات.. وتواجه حالة ضبابية تقوض من آفاق النمو وجاذبية الاستثمار

موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)
موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تغرق اقتصادها في «عقد المجهول»

موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)
موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)

دخلت بريطانيا أمس «منطقة مجهولة» بعد الاستفتاء التاريخي بقرار يحطم استقرار مشروع القارة الموحدة الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية على أمل وضع الصراعات المستقبلية في خانة «المستحيل»، مما يثير احتمالات بمرور أعوام من المفاوضات حول التجارة والأعمال والعلاقات السياسية، ليصبح التصويت تدشينا لعصر جديد وكتلة جديدة من 27 دولة أو ربما أقل - مجرد بداية وليست نهاية - في عملية قد تستغرق عقودا «لتستقر».
ووضع تصويت البريطانيين، أول من أمس، لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي خامس أكبر اقتصاد في العالم في مواجهة حالة من الضبابية الشديدة التي تقوض من آفاق النمو وجاذبية الاستثمار، وأصبح من المؤكد الانعكاسات التي قد تضر باقتصادات أخرى في أوروبا وغيرها في أنحاء العالم.
ومن المتوقع أن يكون لهذا التصويت أثر سلبي على النمو في بريطانيا في المدى القصير، الأمر الذي من شأنه أن يدفع البلاد نحو الركود، مع خفض المركزي لأسعار الفائدة إلى الصفر واختبار قياسي لمدى استعداد الدائنين للاستمرار في تمويل عجز الموازنة البريطانية، فيما ستعتمد تداعيات التصويت على نوع العلاقات التجارية التي قد تدخل فيها بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي الذي يساهم بنحو نصف صادرات البلاد.
وأشارت مجموعة من التوقعات التي نشرتها الحكومة البريطانية والبنك المركزي وعدة مؤسسات بحثية ومنظمات دولية ومئات من الأكاديميين قبل الاستفتاء، إلى أن نمو اقتصاد بريطانيا سيشهد تباطؤا أكبر، إذا خرجت من الاتحاد الأوروبي مقارنة بما ستشهده بقية دول الاتحاد.

النمو الاقتصادي
وفي ردة فعل سريعة خفضت وكالة «موديز» توقعات التصنيف الائتماني في بريطانيا من مستقر إلى سلبي، وقالت الوكالة في بيانها، أمس، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واستقالة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون سينذران بفترة طويلة من عدم اليقين للمملكة المتحدة تصاحبها تداعيات سلبية على توقعات النمو للبلاد على المدى المتوسط.
وأكدت «موديز» أن التداعيات الاقتصادية والمالية لنتائج الاستفتاء غير مؤكدة بشكل كبير، حيث إنها تعتمد بشكل حاسم على نتيجة المفاوضات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى شركاء تجاريين آخرين.
وأوردت «موديز» أن طول فترة المفاوضات التجارية خصوصا مع المؤشرات التي تنبئ بقيود كبيرة على وصول بريطانيا للسوق الموحدة، إضافة إلى التقدم الضئيل في تقليص عجز الموازنة، وتعرض العملة لضغوط أكبر وسط تدفقات كبيرة ومستمرة لرؤوس الأموال يمكن أن تؤدي إلى تراجع التصنيف الائتماني.
وحذر وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن، من تفاقم الركود في الوقت الذي قال فيه بنك إنجلترا المركزي إن «تباطؤا ملموسا» قد ينتج عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقال محافظ المركزي مارك كارني إن الاقتصاد البريطاني قد يدخل في انكماش يستمر على مدار الربعين المقبلين من العام الحالي.
في حين، قالت وكالات التصنيف الائتماني العالمية إن تباطؤ معدلات النمو عقب التصويت له أثر سلبي على التصنيف الائتماني للبلاد، مما قد يؤثر على المناخ السياسي والاقتصادي معا.
وحذرت وكالة «ستاندر آند بورز» من خسارة بريطانيا لتصنيفها الائتماني الأعلى (إيه إيه إيه)، الذي لم تتخل عنه بريطانيا منذ نصف قرن.
ولا يوجد حاليا أي أنباء عن مستقبل وزير الخزانة، جورج أوزبورن، بينما توجد احتمالات لإجراء استفتاء آخر على استقلال اسكوتلندا التي صوتت بقوة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

تباين الرؤى الاقتصادية
وعلى الجانب الآخر، يرى خبراء اقتصاديون مؤيدون الخروج البريطاني، أن نتيجة الاستفتاء ستعزز من النمو في السنوات المقبلة، وإن كانوا أجمعوا على أن ترى المعدلات تباطؤا طفيفا في البداية، مؤكدين أن هبوط الإسترليني سيدعم الصادرات، رغم أن معدلات الطلب العالمية ما زالت عند أدنى مستوياتها في بلدان العالم.
وعلى صعيد ذي صلة، قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيضر باقي الدول الأعضاء في الاتحاد وخارجه على حد السواء.
وذكرت المنظمة أن بخروج بريطانيا سيقل معدل الإنتاج في الاتحاد بنحو واحد في المائة بحلول عام 2020 باستثناء بريطانيا، التي ستحقق معدلات أقل عما كان سيتحقق إذا بقيت، وأكدت أن توقعات المنظمة لا تشمل تقويض الثقة في الاتحاد بسبب الخروج البريطاني، مؤكدة ضرورة استعداد باقي دول الاتحاد لصدمة الخروج.
وقالت جانيت يلين رئيسة الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي)، إن نتيجة الاستفتاء قد تكون لها تداعيات على الاقتصاد العالمي وأسواق المال، وهو الأمر الذي يعني تأجيل الزيادة التالية في أسعار الفائدة.
وعلى الصعيد الأوروبي أكد ماريو دراغي، رئيس المركزي الأوروبي، في تصريحات سابقة، أن البنك على استعداد تام لتقبل جميع النتائج وتأثيراتها على الأسواق.
وأكد وزراء مالية مجموعة دول السبع الكبرى أن التقلبات المفرطة والتحركات غير المنتظمة في أسعار الصرف، يمكن أن يكون لها آثار سلبية على الاستقرار الاقتصادي والمالي، وقالت مجموعة السبع، في بيان لها أول من أمس، إنها أخذت خطوات جادة لضمان السيولة الكافية لدعم أداء الأسواق، مع الاستمرار في التشاور عن كثب بشأن تطورات وتحركات الأسواق والاستقرار المالي للحافظ على تضامن المجموعة.
في حين أشارت توقعات خبراء اقتصاديين في مؤسسة بيرتلسمان الألمانية، أمس، إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيتسبب في خسائر اقتصادية خطيرة لأوروبا كلها، نصيب الأسد فيها لبريطانيا.
وقال إندرياس إيسر مدير القطاع الاقتصادي في المؤسسة، إن الانفصال قد يكلف بريطانيا ما يقرب من 300 مليار يورو بحلول عام 2030.

السياسة المالية
وجاء رد فعل محافظ البنك البريطاني مارك كارني سريعا بعد الاستفتاء، إذ أبدى استعداد المركزي لضخ أموال إضافية لدعم الأسواق في محاولة لطمأنة الأسواق، وأضاف البنك أنه سيدرس اتخاذ خطوات إضافية فيما يتعلق بسياسته خلال الأسابيع المقبلة، وقبل التصويت قال كارني إنه من السهل التكهن بأن البنك سيخفض أسعار الفائدة من مستواها المتدني بالفعل البالغ 0.5 في المائة من أجل دعم الاقتصاد، في حين يتعين على البنك أن يقيم تباطؤ معدلات النمو في ضوء ارتفاع معدل التضخم الناتج عن انخفاض قيمة الإسترليني.
ويؤكد كريستان بيشوب المحلل الاقتصادي بمؤسسة أل جي لإدارة الأصول، أنه لن يتم اتخاذ أي قرار لتغير أسعار الفائدة لعدة أسابيع مقبلة، وربما ليس قبل أغسطس (آب) المقبل، حين ينشر البنك المركزي أحدث تقديراته التفصيلية حول الوضع الاقتصادي.

عجز تاريخي
سجلت بريطانيا أكبر عجز في ميزان المعاملات الجارية على الإطلاق العام الماضي بنحو 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وعكس هذا العجز زيادة تدفقات الأرباح والعوائد المتغيرة ومدفوعات الدين إلى المستثمرين الأجانب مقابل التدفقات الاستثمارية التي اتسعت الفجوة في عجز الميزان التجاري بين بريطانيا مع دول الاتحاد الأوروبي في الأشهر الثلاثة الأولى من 2016 ليبلغ 23.9 مليار إسترليني (32.7 مليار دولار)، وقال كارني في وقت سابق إن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي قد يختبر «كرم الأجانب» الذين يمولون العجز في ميزان المدفوعات.
وقال أوزبورن، خلال الحملة قبل الاستفتاء، إن وزارته قد تضطر لزيادة الضرائب وتخفيض الأنفاق، إذا صوتت بريطانيا لصالح الخروج، لكي يحول دون مزيد من الإضرار لمعدلات النمو التي تشهد تباطؤا فعليا، إضافة إلى سعيه لتخفيض عجز الموازنة، ولم يتضح بعد بقاء أوزبورن في منصبه والالتزام بخطة الخفض بعد إعلان استقالة رئيس الوزراء.
وسجلت عائدات السندات البريطانية انخفاضا قياسيا حيث لامس العائد على السندات لآجل 10 سنوات 1.018 في المائة، فيما يري بيشوب في تعليقه لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يهبط أكثر من ذلك ليصل إلى ما دون الواحد في المائة.

البطالة
في الوقت ذاته، ستشهد معدلات البطالة ارتفاعا من أدنى مستوياتها في عشر سنوات حاليا عند 5 في المائة، رغم نجاح بريطانيا في تجنب خسارة الوظائف بعد الأزمة المالية العالمية مقارنة بأقرانها من الدول الأوروبية، وتوقع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الاقتصادية أن تنخفض أجور المستهلكين الحقيقية من 2.2 في المائة إلى 7 في المائة بحلول عام 2030 في حال الخروج، مقارنة بمستوياتها في حال البقاء.
ورغم أن الأجور أول المتضررين من تحمل وطأة الأزمات الكبرى، فإن مؤيدي الخروج يعتقدون أن سوق العمل ستصبح أكثر ديناميكية عبر إلغاء قوانين الاتحاد الأوروبي والتخلص من بعض الرسوم العالية المفروضة على الغذاء، من خلال تعزيز الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة، لكن في حقيقة الأمر إن رسوم الواردات قد تعرض بعض القطاعات الاقتصادية لمنافسة شرسة.
وفي الوقت ذاته، خاض أنصار الخروج حملة ضد ارتفاع معدلات الهجرة من دول أوروبا الشرقية، برغم مساهمة المهاجرين في تعزيز معدلات النمو في السنوات الأخيرة.
ويدرس صندوق النقد الدولي سيناريو سلبيا للاقتصاد البريطاني مع توقعات بالانكماش العام المقبل، مما سيؤدي إلى ارتفاع البطالة من 5 في المائة إلى 6.5 في المائة في غضون عامين.

التجارة
واعتبر قادة مجموعة الدول السبع الكبرى أن الخروج يعد «صدمة» لمكانة بريطانيا بصفتها شريكا تجاريا قويا، وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن بريطانيا ستأتي في «مؤخرة الصف»، فيما يتعلق بإجراء مباحثات مع الولايات المتحدة.
وقال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إن الخروج البريطاني يضع دخولها السوق الموحدة «على المحك»، ويطالب مؤيدي الخروج بخفض رسوم الواردات إذا لم يكن هناك اتفاق وشيك مع الاتحاد الأوروبي، معتبرين تحذيرات قادة مجموعة السبع بترويج شائعات مقلقة.

ماذا بعد «البريكست»
وحذرت الحكومة البريطانية من أن المفاوضات التي ستخوضها بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، ستتضمن شروط الخروج وإبرام اتفاقيات جديدة مع دول الاتحاد ومعاهدات تجارية مع دول خارج الاتحاد المرتبطة مع الاتحاد بشكل مسبق، قد تستغرق ما لا يقل عن عقد من الزمن، الأمر الذي يجعل لندن تتوقع «فترة طويلة من الغموض» تتزامن مع عواقب غير محسوبة المدى على الشركات العاملة بالسوق البريطانية وحركة التجارة ومدى جاذبيتها للاستثمار.
وتوقعت منظمة التجارة العالمية أن يترتب على الخروج أن يدفع المصدران البريطانيان ما يقرب من 5.6 مليار إسترليني (7.6 مليار دولار) سنويا حقوقا جمركية مستحقة. وحذر مدير مركز الأبحاث في الاقتصاد والأعمال سكوت كورف، من أن كثيرا من الشركات تستخدم بريطانيا بوابة دخول إلى أوروبا وحذر عدد منها بنقل مركزها الأوروبي في حال خروج بريطانيا من الاتحاد، متوقعا تراجع الاستثمارات الصينية والأميركية في بريطانيا. وتعزز سيناريوهات الوضع الاقتصادي بعد الاستفتاء من جفاف العائدات الضريبية، في حين يتوقع معهد الدراسات المالية أن يفقد الاقتصاد البريطاني أرباحا هائلة بين 20 إلى 40 مليار إسترليني سنويا حتى عام 2020. آخذا في الاعتبار وقف المساهمة البريطانية في ميزانية بروكسل العاصمة الإدارية للاتحاد الأوروبي التي تقدر بنحو 33.3 مليار إسترليني (45.55 مليار دولار).



عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».