بعد بريطانيا.. 7 دول أوروبية قد تطالب بالانفصال

صعود اليمين المتطرف المناهض للاتحاد الأوروبي أبرز العوامل

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)
TT

بعد بريطانيا.. 7 دول أوروبية قد تطالب بالانفصال

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)

في وقت توافد فيه الناخبون البريطانيون على صناديق الاقتراع، يستعد قادة الاتحاد الأوروبي لسيناريو محتمل لم يكن ليخطر على بال أحدهم قبل عدة شهور، ألا وهو: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ولم تخلُ الأسابيع الماضية من خطب مصيرية؛ إذ حذر رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يشكل تهديدا خطيرا على «الحضارة السياسية الغربية». ومع ذلك، فإن المخاوف المتعلقة بتفكك الاتحاد الأوروبي هي مخاوف بعيدة الاحتمال. في حين أن هنالك بالطبع بلدان أخرى من الممكن أن تكتسب فيها استفتاءات مشابهة زخما.
* السويد
تنظر السويد إلى نفسها باعتبارها معادلا اسكندنافيا لبريطانيا؛ حيث ترفض اعتماد العملة الأوروبية الموحدة اليورو، وفيما يتعلق بسياسات الاتحاد الأوروبي، توافق كلا من بريطانيا والسويد على 90 في المائة من جميع القضايا.
ومن ثم، فسوف يثير استفتاء بريطانيا على الاتحاد الأوروبي مخاوف استثنائية في السويد، فمن ناحية، قبلت الدولة مئات الآلاف من اللاجئين العام الماضي، لكنها سعت جاهدة إلى دمج بعض منهم. ونتيجة لذلك، اكتسب اليمين المتطرف في السويد زخما وسط مستجدات ذكرت البعض بصعود حزب الاستقلال المملكة المتحدة، المؤيد لانسحاب بريطانيا من الاتحاد البريطاني.
وعلى الرغم من أن معظم السويديين لا يزال لديهم انطباع إيجابي تجاه الاتحاد الأوروبي، فذلك من المحتمل أن يتغير حال تصويت بريطانيا على عضويتها في الاتحاد البريطاني. وفي هذه الحالة، فإن أحد الأسئلة المحورية تتعلق بما إذا كان قادة الاتحاد الأوروبي سيحاولون تعزيز التماسك من خلال تعميق أواصر التعاون والتركيز على الأعضاء الأساسيين، أو ما إذا كانوا سيوسعون الاتحاد من أجل السماح للحكومات الوطنية أن تكون لها الكلمة العليا.
ومن المرجح أن تبدأ الشكوك في التسلل إلى السويديين حول ما إذا كان صوت دولة في صغر حجم بلدهم ولا تعتمد العملة الأوروبية الموحدة سيسمع في بروكسل، في حال مواصلة الاتحاد الأوروبي لعملية اندماجه.
* الدنمارك
عقدت الدنمارك استفتاء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وإن كان ذا تأثير محدود للغاية؛ إذ صوت فيه الدنماركيون ضد تسليم المزيد من الصلاحيات للاتحاد الأوروبي.
إلا أن هذا وحده لا يكفي للتنبؤ بما إذا كان الدنماركيون حقا يريدون التصويت لصالح «الخروج» من الاتحاد الأوروبي. ففي حقيقة الأمر، يعتقد معظم السكان في البلدان الأعضاء بالاتحاد الأوروبي أن بروكسل لا ينبغي أن تكون أكثر قوة مما هي عليه، وفقا لدراسة حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث.
وكما هو الحال بالنسبة إلى السويديين، ثمة عاملان سيؤثران بشكل خاص في سلوك الناخبين؛ يتمثل الأول في أن معظم الدنماركيين يخوضون من زيادة معدلات الهجرة وتدفق اللاجئين الذي من الممكن أن يهدد نظام الرفاه في تلك الدولة الصغيرة. أما العامل الثاني، فيتمثل في أن الدنماركيين لطالما اعتمدوا حتى الآن على بريطانيا حليفا قويا في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، حيث إن كلا البلدان يتبنيان مواقف سياسية مماثلة.
من جانبها، قالت أستاذة العلوم السياسية مارلين ويند من جامعة «كوبنهاجن» في تصريحات لوكالة «بلومبيرغ»: «من دون بريطانيا، لن يكون للدنمارك القدرة على جر قاطرة مصالح الدنمارك».
* اليونان
اختفت أزمة ديون الحكومة اليونانية في الغالب من النقاش العام والعناوين الرئيسية، وإن كانت ستعود عاجلا أم آجلا.
وتخشى صحيفة «كاثيميرني» اليونانية من أن مخاوف الأزمة المستمرة جنبا إلى جنب مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من الممكن أن تصبح في نهاية المطاف تهديدا لوضع عضوية اليونان في الاتحاد الأوروبي.
وتشير الجريدة إلى أن «مصدر القلق الرئيسي في أثينا أن الخروج من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يُضعف عزيمة منطقة اليورو لتعزيز موقف اليونان ضمن العملة الموحدة، التي قد تتطلب المزيد من الأدوات إضافة إلى مستوى أعلى من التكامل عما عليه الحال اليوم».
ومن جانبه قال ولفانجو بيكولي، مدير الأبحاث لشركة استشارات المخاطر السياسية «تينيو إنتيليجنز»، في تصريحات له للجريدة إنه «في جميع الأحوال تعتمد اليونان بقدر أكبر على تقاسم العبء الأكبر في منطقة يورو أكثر تكاملا. إلا أن ذلك لن يكون محتملا في الغالب بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وبالتالي، فإن جل ما تخشاه اليونان، لا يتمثل في استفتاء مناهض للاتحاد الأوروبي تحت تأثير الأحزاب اليمينية، بقدر ما تخشاه من دفع الاتحاد الأوروبي لليونان للخروج منه من أجل إنقاذ التلاحم بين بقية الأعضاء.
* هولندا
أوصلت الصحيفة الهولندية «ألمغين دغبلاد» رسالة بالغة الوضوح للبريطانيين قبيل استفتاء أمس؛ إذ تصدرت صفحتها الأولى مقالة بعنوان «لا تتركني بهذه الطريقة». وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الرسالة قد لا تعبر عن وجهة نظر معظم الهولنديين حول الاتحاد الأوروبي.
من جانبه، دعم جيرت ويلدرز، رئيس الحزب الشعبوي اليميني، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعقد الآمال على إجراء استفتاء مماثل في هولندا؛ إذ قال ويلدرز لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في مقابلة أجريت معه مؤخرا: «إن أردنا أن نحيا كأمة، فعلينا أن نوقف الهجرة ونوقف الأسلمة». وأضاف ويلدرز الذي يتصدر حاليا استطلاعات الرأي في بلاده: «ولن نتمكن من تحقيق ذلك داخل الاتحاد الأوروبي».
* المجر
لا يُعرف عن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان أنه صديق مخلص للاتحاد الأوروبي، فقد اكتسب الرجل في واقع الأمر سمعة مناقضة لذلك. وفي شهر مايو (أيار) الماضي، استقبله رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أوروبان قائلا له: «مرحبا، أيها الديكتاتور»، بينما كانت كاميرات التلفزيون تسجل ذلك الحادث المحرج.
وعلى الرغم من الخلافات، فقد حث أوروبان بريطانيا مؤخرا على البقاء في الاتحاد الأوروبي، ولكنه قام بذلك على الأرجح؛ لأن بريطانيا المشككة في الاتحاد الأوروبي تُعد شريكا مهما للحكومة في بودابست.
ويخطط أوروبان لإجراء استفتاء في المجر قد يفضي إلى نتائج تضر بتماسك الاتحاد الأوروبي، فبعد تدفق اللاجئين على الدولة، سيُطلب من المجريين تقرير ما إذا كان سيتم السماح للاتحاد الأوروبي لإعادة توطين اللاجئين على الرغم من عدم موافقة البرلمانات الوطنية التي تتأثر بالقرار. وجدير بالذكر أن المجر لن تُجري استفتاء صريحا على القطع بـ«البقاء أو الخروج» من عضوية الاتحاد الأوروبي، بل إن الاستفتاء قد تم تصميمه بصورة غير مباشرة لمسألة السلطة التي تتمتع بها بروكسل.
* فرنسا
فرنسا هي إحدى كبرى الدول المتحفظة على البقاء في الاتحاد الأوروبي، بواقع 61 في المائة ممن لديهم نظرة سلبية للاتحاد (مقارنة بالمجر التي تقدر فيها نسبة من يحملون وجهة النظر نفسها بنسبة 37 في المائة).
وإلى جانب ألمانيا، فإن فرنسا هي قوة دافعة في القارة الأوروبية، وإن كانت أيضًا تعاني كثيرا من المشكلات بما في ذلك، ضعف الاقتصاد وزيادة التهديدات الإرهابية. وأُلقي باللوم بشأن بعض هذه المشكلات على الاتحاد الأوروبي أو على الظروف التي خلقتها الدول الأعضاء. ومعروف عن المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل على سبيل المثال، دعمها الكبير لإجراءات التقشف التي تبنتها عقب فترة الكساد الأخيرة. وعلى النقيض من ألمانيا، فإن فرنسا لم تستطع بعد التغلب على ارتفاع معدلات البطالة وضعف النمو الاقتصادي. وينظر كثير من الفرنسيين بحالة من عدم التصديق حيال ما قامت به ميركيل من فتح حدود ألمانيا أمام اللاجئين السوريين عام 2015. وقد يصب هذا في صالح حزب الجناح اليميني بالجبهة الوطنية، التي من المتوقع أن تستحوذ على المزيد من السلطة السياسية في الانتخابات القادمة. وقد دعم زعيمة الحزب مارين لوبين خروج بريطانيا من منظمة الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى المصير المشابه الذي ينتظر فرنسا حال قاد حزبها البلاد.
* اسكوتلندا كحالة خاصة
أجرت بريطانيا استفتاءين شعبيين مهمين خلال العاميين الماضيين، لكن في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فستحتاج بريطانيا إلى استفتاء ثالث، وقد يكون الاستفتاء الوحيد في أوروبا المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة، وقد صوتت اسكوتلندا للبقاء كجزء من المملكة المتحدة عام 2014، لكن أغلبية الدولة مؤيدة للاتحاد الأوروبي.
إن التفكير في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا يتخطى مرحلة التجريب حاليا، إلا أن ذلك يجري على المستوى الشعبي وبشكل تفصيلي ومدهش. وقال رئيس الوزراء الاسكتلندي نيكولا استورجين، وهي عضو في الجبهة الوطنية الاسكتلندية، إن الانفصال يجب أن يناقش في حال خروج بريطانيا، وقد تنضم اسكوتلندا أيضا إلى منطقة اليورو نتيجة لذلك.

*خدمة صحيفة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».