القتل والإحساس بالسعادة عند ارتكابه أصبح عاديا في سوريا

أحد المقاتلين لـ {الشرق الأوسط} : تتبلد مشاعرك بعد إطلاق النار لأول مرة

أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)
أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)
TT

القتل والإحساس بالسعادة عند ارتكابه أصبح عاديا في سوريا

أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)
أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)

لم يتمثل الأمر المثير للقلق في الكلام الذي قاله نبيل، أحد الثوار السوريين، ولكن في مظهره، حيث نجد شخصا يبلغ من العمر 21 سنة ذا وجه طفولي ترتسم عليه الابتسامة، ولا يكاد يبدو عليه أنه لديه القدرة لارتكاب القتل بسهولة ومن دون أي تأنيب للضمير. بيد أنه ارتكب ذلك قبل أيام معدودة.
وقال نبيل «بعد أن انتقلنا إلى المبنى السكني، قمنا بالبحث في المكان، ووصلنا إلى الشقة الأخيرة بالمبنى إلا أننا لم نجد شيئا، ولكننا لاحظنا بعد ذلك أن باب المرحاض مغلق من الداخل. ولذلك فتحنا الباب من الخارج ودخلنا، حيث وجدنا بالداخل أحد جنود النظام وهو يحتضر». وواصل نبيل قوله إنه أخذ هاتف الجندي الذي كان في سكرات الموت. وبعد ذلك بساعتين، رنّ جرس الهاتف. وتابع حديثه قائلا: «كانت المتصلة هي صديقته وسألت: (أين علي؟ لأنني أود أن أتحدث معه). وقلت لها: (أتودين الحديث معه؟ لقد مات علي)».
ويروي لنا نبيل هذه القصة بهدوء من دون أي شعور بالألم كما لو كانت تلك القصة واحدة من الحكايات التي تروى يوميا. وربما يكون عدم اكتراثه علامة من العلامات التي توضح لنا كيف أن القتل - والإحساس بالسعادة عند ارتكاب القتل – أصبح أمرا يحدث يوميا في سوريا. وأشار قائلا: «حينما تكون في الداخل فلن تشعر بأي شيء، حيث تكون جميع الأمور عادية. فبعد إطلاق النار لأول مرة، ستتبلد مشاعرك في ما بعد».
وبعد مرور يومين على هذا الحادث، كان نبيل واحدا من بين الأشخاص الذين تأثروا بذلك العنف، حيث كان مع مجموعة من المتمردين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوات النظام. وتعرض نبيل للإصابة في ذراعه ورقبته جراء إطلاق شظايا قنبلة. وبينما يخضع نبيل للعلاج في أحد المنازل في مدينة يايلاداغي الواقعة على الحدود التركية، يمكنه أن يسمع أصوات القتال المستمر في سوريا مما يثير حماسه للرجوع مرة أخرى إلى هناك. ويقول نبيل «سأعود إلى القتال بعد غد»، حتى على الرغم من أن ذراعه اليسرى ما زالت في الجبيرة. وأضاف أن «حلمي الوحيد يتمثل في العودة إلى منزلي في مدينة اللاذقية. وحينما أصل إلى هناك سأقبّل تراب ذلك المكان. ولم أتخيل على الإطلاق أن العودة مجددا للنوم في منزلي ستكون حلما بالنسبة لي».
وبدأ الهجوم الذي كان نبيل يقاتل خلاله في الساعات الأولى من يوم الجمعة الموافق 21 مارس (آذار) في مدينة كسب بمحافظة اللاذقية. وسرعان ما تمكن ائتلاف الوحدات العسكرية للثوار من طرد قوات النظام خارج المدينة والاستيلاء على المعبر الواقع على حدود تركيا، قبل أن يتقدم الثوار نحو الجبال مع التمكن من السيطرة على البرج 45 - القاعدة التابعة للنظام والتي تعد ذات أهمية خاصة بسبب موقعها المطل على الوادي والسهل والذي يمتد نحو الساحل ومدينة اللاذقية. وقال جميع الثوار - الذين تحدثنا معهم في يايلاداغي - إن هذا الهجوم هو الأهم حتى هذه اللحظة على مدار الحرب الأهلية السورية الدائرة رحاها منذ فترة طويلة. وتعد اللاذقية معقل الرئيس بشار الأسد وموطن طائفة العلويين المنتمي إليها ومنطقة عائلات العديد من كبار المسؤولين الذين يعملون معه والمكان الذي يخطط فيه – حسبما يعتقد الكثيرون – لتأسيس منطقة ذات استقلال ذاتي للعلويين، حيث خرجت بقية المناطق عن نطاق سيطرته.
ويتقدم الثوار الآن نحو المدينة – حيث من المستبعد احتمالية سيطرتهم عليها – ويعتقد الكثيرون داخل المعارضة أنه من المرجح هروب الرئيس خارج البلاد في حال تمكنهم من الوصول إلى مدينة اللاذقية. ويقول الشيخ عمر، وهو سوري من محافظة اللاذقية يعمل في مؤسسة الإغاثة الإنسانية وقضى معظم وقته في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة: «تعد دمشق منطقة مهمة لأنها هي العاصمة، بينما تعد حلب هي العاصمة الاقتصادية. بيد أن الساحل يعد منطقة العلويين، كما أننا نعرف أن هذا الأمر سيتسبب في وجود ضغوط على النظام».
وتبعد منطقة كسب مسافة كيلومترين عن يايلاداغي، وتعرضت تلك المنطقة - منذ بدء القتال – لقصف متواصل بالمدفعية وقذائف الهاون، فضلا عن شن الغارات الجوية من قبل قوات الأسد. ويمكن للشخص أن يرى ويسمع بوضوح صدى دوي أصوات قذائف الهاون في كل مكان على الجانب التركي من المنطقة الحدودية، مع تصاعد ألسنة وسحابات الدخان من الغابات التي أحرقها النظام في محاولته لوقف تقدم الثوار. وفي اليوم الثاني من الهجوم، جرى استهداف مستشفى ميداني بالقرب من خط المواجهة في منطقة سلمى عن طريق مهاجمته باستخدام طائرات «ميغ». ويقول الطبيب رامي حبيب إن «هجمات النظام تزداد سوءا، وقد أرسلنا سيارتي إسعاف يوم الخميس إلى إحدى القرى التي قتل فيها عشرة أشخاص على أقل تقدير».
وفي نفس السياق، يدرك الثوار أن القتال لن يكون سهلا، ولكنهم مقتنعون بإمكانية مواصلتهم للتحرك نحو الجنوب باتجاه مدينة اللاذقية ولو حتى في مواجهة قوات الأسد التي تتفوق عليهم بامتلاك الأسلحة الثقيلة. وصرحت مصادر من الثوار بأن هذا الهجوم يأتي نتيجة تخطيط وتعاون منذ شهور بين العديد من فصائل المعارضة، حيث تقاتل جماعات أنصار الشام وأحرار الشام وجبهة النصرة بجانب الكثير من الجماعات الصغيرة التابعة للجيش السوري الحر.
وفي حديثه عبر الهاتف من خط المواجهة في ريف اللاذقية الخميس الماضي، صرح لنا أحد المقاتلين – الذي يدعى سامر – قائلا إن الثوار يسيطرون الآن على جميع مناطق الريف الواقعة حول كسب. بيد أنه أشار أيضا إلى وجود حملة انتقامية ضد الجماعات السنية في مناطق اللاذقية الباقية تحت سيطرة النظام. وأردف سامر أن «الشبيحة بدأوا في الأيام القليلة الأخيرة إطلاق النيران على منازل المدنيين، بالإضافة إلى اعتقال أقارب المقاتلين الثوار في ريف اللاذقية». وعلاوة على ذلك، ثمة أنباء جرى تداولها في مدينة اللاذقية تشير إلى هجوم الشبيحة على مناطق السنيين المجاورة. وفي حديثه عبر «سكاي بي» يوم الجمعة، قال لنا شاب يدعى كريم إن حالات التوتر في المدينة قد زادت بشكل كبير منذ بدء الهجوم في كسب. وأضاف أن «الشبيحة أقاموا نقاط تفتيش جديدة في كل جانب وميدان. ونريد أن يستمر الثوار في قتالهم لأنهم يحاربون منذ سنوات حتى الآن، بيد أننا نخضع للحصار، كما يتعرض الأشخاص للاعتقال والخطف كل يوم».
والجدير بالذكر أن تقديرات مصادر المنظمات غير الحكومية تشير إلى نزوح 1700 مدني منذ بدء الهجوم - بما في ذلك 500 شخص من المسيحيين الأرمن - عن منطقة كسب. ومن المعتقد أن بعض هؤلاء الأشخاص قد فروا إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام في مدينة حلب، بينما لجأ آخرون إلى الاحتماء في إحدى الكنائس الأرمينية في مدينة اللاذقية. وهناك بعض المخاوف من إمكانية تحول الصراع في هذه المنطقة ليأخذ منعطفا طائفيا خطيرا، ولا سيما في حال تقدم الثوار نحو قرى العلويين بالقرب من اللاذقية.
ويقول نبيل، الذي أخذ هاتف الجندي التابع للنظام الذي لقي حتفه في كسب: «لا نعرف ماذا سيحدث حينما نصل إلى اللاذقية. وليس من السهل نسيان جميع الأمور التي حدثت، فلا يمكن أن تعود الأمور مثل ما كانت عليه من قبل».
بيد أن الثوار الآخرين الذين تحدثنا معهم يصرون على أنهم لا يشنون حربا دينية. ويقول مراد – الثائر التركماني الذي تعافى من الإصابة التي لحقت به في كاحل قدمه أثناء القتال: «لا يعد هذا النزاع طائفيا أو إثنيا، بيد أن النظام يخطط لجعله كذلك منذ البداية. وارتكبت قوات النظام مجزرة ضد السنيين وجعلت المسيحيين في عداء معنا، بيد أن الأسد مستعد أن يترك جميع العلويين يموتون من أجل بقائه كرئيس للبلاد».



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.