ما الذي يدفع مهندسا معماريا وكاتبا سياسيا مثل كنعان مكية لأن يكتب نصا روائيا؟ هل أن بريق الرواية قد أغراه لخوض هذه التجربة الأدبية التي تحتاج إلى خبرات فنية واسعة، ومؤهلات إبداعية قد لا يتوافر عليها كاتب النص الذي تسلل من دهاليز السياسة ومؤامراتها إلى فضاءات الأدب النقية، أم أن هناك أسبابا أخرى حرّضته على كتابة هذه الرواية التي صدرت بطبعتها الإنجليزية عن «دار بانثيون» تحت عنوان The Rope، أما ترجمتها العربية التي صدرت عن «منشورات الجمل» فقد ظهرت بعنوان «الفتنة»، لكنها خلت من اسم المترجم الأمر الذي يوحي لنا بأن الكاتب قد ترجمها بنفسه وارتكب الكثير من الأخطاء اللغوية والإملائية التي تقع خارج اهتمام هذه الدراسة النقدية.
لكي نتقصّى دوافع كتابة هذا النص الروائي لا بد لنا من التفتيش بين ثنايا الرواية نفسها وإشارات الكاتب التي قد تزودنا ببعض المفاتيح. يقول راوي النص الذي كان يحمل دفتر ملاحظاته في حقيبة قديمة: «أحملُ تلك الدفاتر معي حيثما ذهبت لأنني أقسمتُ أمام الله ونبيّه أن أسجِّل الحقيقة التي بدأتُ برؤيتها منذ ذلك اليوم، منذ تدلّى جسد الطاغية مُعلّقًا في حبل طوله مائة وعشرون سنتمترا» (ص14). يبدو أن الراوي مسكون بهاجس «التسجيل» الذي يوثِّق بواسطته الوقائع والأحداث وكأنه يتهيأ لكتابة نص توثيقي يعتمد على الحقائق والأرقام. وعلى الرغم من أهمية بعض هذه الأدلة الدامغة فإنها لا تنفع في كتابة نص روائي يجمع بين الحقيقة والخيال، ويحتاج إلى بناء معماري متقن، وشخصيات حيوية متفاعلة، ونهاية تنويرية تعْلق في ذاكرة القرّاء. وفي موضع آخر يعترف الراوي بحقيقة صادمة حينما يقول: «اخترت لأكتب قصة السيد مجيد. أمي وأبي أرادا ذلك. لأجلهما كتبتها. يشهد الله كم عانيت في كتابتها» (ص307). إذن، لم ينْوِ المؤلف مكيّة، الذي يختبئ خلف قناع الراوي، كتابة هذه الرواية لولا رغبة والديه التي حشرتْه في هذا المناخ التراجيدي المفجع الذي سبب له الكثير من الآلام والمعاناة. لعل القارئ يتحرّق شوقًا لمعرفة ثيمة الرواية، وأحداثها المؤسية، وشخصياتها الرئيسة والثانوية، والمصير الذي آلت إليه كل شخصية على انفراد.
إن من يقرأ رواية «الفتنة» يعتقد أنها تتمحور على مقتل السيد مجيد الخوئي في النجف يوم سقوط الطاغية؛ لأن قسمًا كبيرًا من الأحداث تدور حول البحث عن هوية القاتل: هل هو السيد، قائد جيش الإمام المُنتظر، أم أن هناك أعداءً آخرين له، خصوصًا أولئك الذين وصفوه بـ«العميل الأميركي» وقتلوه بذريعة التعامل مع القوات المحتلة؟ لعل هناك مَنْ يعتقد أن الرواية تدور حول الساعات الثلاث وبضع دقائق التي تمّ فيها تسليم الطاغية إلى الحكومة العراقية التي اقتادته إلى الشعبة الخامسة في الكاظمية، وأعدمته في اليوم الأول من عيد الأضحى لإثارة الفتنة، واستفزاز المكون السُني. وكما قال الراوي: «لقد كان أمرًا مُحرجًا من بدايته إلى نهايته. ما حدث كان عارًا ولم يبدُ أبدا عملية إعدام وفق القانون» (ص28) كما يلعب الطاغية دورًا مهمًا في الكشف عن الشخص الذي أوشى بوالد الراوي وغدر به، ولا غرابة في أن تكون النهاية صادمة عندما نعلم بأن الواشي هو عمّ الراوي نفسه، ولولا اللقاء الخيالي الذي جمع الراوي بالطاغية في تلك الغرفة الكئيبة لارتبكت النهاية وفقدت الرواية عنصرين من عناصرها الأساسية وهما المفاجأة والبناء المعماري الرصين.
تبدو الرواية من جهة ثالثة وكأنها بحث ودراسة في شخصيتين أساسيتين، هما الراوي وصديقه حيدر اللذان التحقا بجيش الإمام المُنتظر، وقاتلا المحتل الأميركي قبل أن يحوِّل «عصابة الثلاثة عشر» أو ما يُطلق عليهم خطأ بـ«البيت الشيعي» كراهيتهم نحو الداخل بهدف إثارة الفتنة. كل هذه القراءات صحيحة وممكنة، لكنها منسوجة نسجًا بوليسيًا فظًا ومضطربًا لا أثر فيه للبراعة أو الحِرفة الروائية.
تتناول الرواية موضوعات شتّى أضرّت بالنسق العام لها. فالكاتب كنعان مكيّة ليس روائيًا وقد جمع معلومات كثيرة بعضها ملفق، مثل حادث تفجير ضريح الإمامين العسكريين بسامراء الذي ينسبه الكاتب إلى منظمة متطرفة، بينما قطع القائد الأميركي جورج كيسي الشك باليقين حينما أعلن عن تورط إيران في تدبير هذا العمل الإرهابي، وبعضها الثاني يمجد الخرافة وما تنسجه الذاكرة الشعبية البسيطة حول رموز وهمية، وبعضها الثالث ينطوي على مبالغة صريحة في رسم صورة الديكتاتور الذي أذلّ سجانيه الجُدد وظل صامدًا حتى اللحظات الأخيرة قبل أن يتدلى جسده من حبل المشنقة.
إن سرد أسماء الميليشيات الشيعية والسنية لم يخدم النص الروائي؛ لأن القارئ يعرف هذه الميليشيات جيدًا وقد عانى القسم الأكبر من العراقيين من جرائمها ووحشية قادتها الذين فقدوا إنسانيتهم، وكان على الكاتب أن يكتفي بذكر المجموع الكلي لها للإشارة إلى الفوضى التي أعقبت سقوط الطاغية ودور إيران في تغذية النَفَس الطائفي من خلال الميليشيات التي كانت تغتال ضباط القوة الجوية أو القادة البعثيين، سواء أكانوا سنة أم شيعة.
لا شك في أن هذه الرواية تنطوي على جرأة واضحة وشجاعة كبيرة.. لكنها جاءت متأخرة جدًا في تعرية الأحزاب الدينية الطائفية التي تمسك بزمام السلطة في العراق.
لا يُقدِّم الكاتب كنعان مكيّة للقارئ السبب الذي أفضى إلى قتل السيد مجيد الخوئي، لكنه يطرح ثلاثة أسئلة تبدو جميعها منطقية ومُحتملة، وهي: «هل كان القتل نتيجة لصراع على الأموال؟ أم بسبب المشاجرة التافهة حول منْ باع نفسه للطاغية؟ أم نتيجة الحقد الدفين بين العرب والإيرانيين؟» (ص305).
إن ركاكة البناء المعماري قد امتدت إلى الشخصيات، ولا غرابة في أن يتوحش شخص مثل حيدر الذي غاب والده، لكنه عاد من إيران محملاً بالأحقاد الدفينة والرغبة في الانتقام، بينما غاب والد الراوي في سجن الرضوانية تاركًا لابنه رسالة مليئة بالدعوة إلى التسامح على الرغم من منهج العنف الذي هيمن في الحقبة الديكتاتورية السوداء، لكن هذا العنف الممنهج قد تضاعف في زمن الأحزاب الدينية. وقد أشار الكاتب غير مرة إلى ميليشيات حزب الدعوة التي تدير السجون وتمارس التعذيب لتعيد العراقيين إلى لعبة الجلاد والضحية من جديد وكأن شيئا لم يكن. لذلك قال مكية: «أعتذر أولاً من الشعب العراقي، وثانيًا من الطائفة الشيعية، لأنني لعبت دورًا قبل حرب 2003 لإضفاء الشرعية الدولية والعالمية على أولئك الذين كنا نسميهم طيلة التسعينيات «المعارضة العراقية»، وهم الذين حكموا العراق بعد 2003. هؤلاء لا يستحقون وصفهم بمعارضين لنظام البعث، ولا يستحقون أن يحكموا أحدًا. التاريخ سيسجل أنه ليس هناك تجربة سياسية فاشلة بحجم فشلهم، خصوصا المتشيعين منهم، فشل ستُضرب به الأمثال لأجيال. فشل لا مثيل له لا في القرن العشرين ولا هذا الذي نعيش مآسيه الآن، ولا حتى في أي بقعة من القارات الآسيوية والأفريقية والجنوب أميركية» (ص363).
رواية «الفتنة».. نص وثائقي ببناء معماري ركيك
كنعان مكية يعتذر فيها من الشعب العراقي والطائفة الشيعية
جنديان يفككان تمثال صدام حسين بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 الذي دعمه كنعان مكية.. وفي الإطار غلاف الرواية
رواية «الفتنة».. نص وثائقي ببناء معماري ركيك
جنديان يفككان تمثال صدام حسين بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 الذي دعمه كنعان مكية.. وفي الإطار غلاف الرواية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



