غذاء الإنسان.. من أعماق البحر

مليار شخص يعتمدون على الأسماك في وجباتهم

غذاء الإنسان.. من أعماق البحر
TT

غذاء الإنسان.. من أعماق البحر

غذاء الإنسان.. من أعماق البحر

يعد الصيد البحري من أهم النشاطات الاقتصادية الإنسانية في العالم، وهو بقِدَم نشوء الإنسان نفسه. وتشير حفريات مختلفة إلى أن الأسماك والمخلوقات البحرية كانت جزءا مهما من غذاء الإنسان قبل 40 ألف سنة. واليوم يعتمد مليار إنسان في العالم على الصيد البحري في الغذاء اليومي.
وفي حين تمثل الأسماك أهم الأغذية البحرية التي يعتمد عليها الإنسان الحديث في غذائه، إلا أن الأغذية البحرية تشمل أيضا الكثير من المخلوقات والحيوانات البحرية والنباتات. وهناك أنواع متعددة من المخلوقات البحرية القشرية، مثل الروبيان وسرطان البحر، والرخويات مثل بلح البحر والقواقع والمحار والحبار. من الحيوانات البحرية هناك الحوت، كما تمثل أعشاب البحر مصدرا غذائيا لبعض الشعوب.
وهناك نحو 32 ألف نوع من الأسماك التي يستهلكها الإنسان في طعامه اليومي، أهمها السلمون والسردين والرنجة والبلطي والتونة. وتمثل الأسماك نسبة تصل إلى 16 في المائة من البروتين الحيواني المستهلك على نطاق العالم. وتعتبر أيسلندا واليابان والبرتغال من أكبر الدول المستهلكة للأغذية البحرية في العالم.
المعايير الغذائية الصحية تعترف بأهمية الأغذية البحرية في الحفاظ على صحة الإنسان، وتوصي بأن يستهلك الفرد نوعين من المأكولات البحرية أسبوعيا، حيث إنها غنية بالزيوت غير المشبعة والبروتين ومادة «أوميغا 3» المفيدة التي توجد في كل خلية في جسم الإنسان، وهي حيوية في الكثير من الوظائف، منها وظائف المخ. وتحتوي الأسماك بصفة عامة على نسبة منخفضة من الدهون، ومن حيث الفائدة الغذائية تساعد الأسماك أيضا في حماية الشرايين والمساعدة في تكوين وحماية العظام والأسنان.
وتنقسم مصادر الأسماك بين الصيد البحري ومزارع الأسماك، ويتوجه القسم الأكبر من نشاط صيد الأسماك إلى توفير الغذاء للإنسان، بينما تتوجه نسبة إلى علف الحيوان وغذاء للأسماك في مزارع السمك. كما تستخدم منتجات الصيد أحيانا في السماد، أي أن الصيد البحري يساهم بطريقة أو بأخرى في سد حاجات الإنسان إلى الطعام، أو لإنتاج المزيد من الطعام من مصادر أخرى.
وهناك رسومات للكثير من الأسماك توجد على جدران كهوف سكنها الإنسان في جنوب أفريقيا، ويعود تاريخها إلى 165 سنة قبل الميلاد، لكن أول إثبات أن الأسماك كانت جزءا من الغذاء الإنساني جاء باختبارات ايزوتوبية لهياكل عظمية يعود تاريخها إلى 40 ألف سنة، وهي تثبت أن الإنسان الأول «هومو سابيان» عرف الصيد البحري واعتمد عليه في غذائه. وكان البحر المتوسط من أشهر المناطق التاريخية للصيد البحري.
وخلال هذه الحقبة التاريخية كان معظم البشر يعيشون على الصيد، وعلى جمع الثمار قبل معرفة الزراعة، وكانوا يتنقلون بين مواقع مختلفة سعيا وراء مصادر الطعام، كما ظهرت تجمعات بشرية على السواحل تعيش على صيد الأسماك.
وفي مصر القديمة كان نهر النيل يعج بمختلف الأسماك، وكان المصريون القدماء يعتمدون على الصيد ويجففون الأسماك أو يحفظونها في الملح، أو يأكلونها طازجة ضمن طعامهم اليومي. وتظهر الرسومات المحفوظة في المقابر أنواع الأسماك وطرق صيدها. وبعض الرسومات على أوراق البردي كانت تظهر صيد الأسماك بصفته أحد الأنشطة الترفيهية.
ولكن قدامى الإغريق لم يظهروا نشاط صيد الأسماك في آثارهم؛ لأنهم اعتقدوا في دونية نشاط صيد الأسماك، ولكن ذلك لم يمنع المؤلف الإغريقي أوبيان كرويكوس من تأليف كتاب عن الصيد البحري، وهو أقدم موسوعة عن الصيد في العالم اليوم.
وكانت الأسماك البحرية، مثل السردين والأحياء البحرية مثل الحبار والأخطبوط من الأغذية اليومية التي عرفها سكان الجزر اليونانية والسواحل. وكانت الأسماك تستهلك طازجة أو تملح. وكان بعضها يصدر إلى المدن اليونانية البعيدة عن السواحل.
ومن العصر الروماني تحفظ حتى الآن مشاهد صيد الأسماك وأنواع المخلوقات البحرية على لوحات من الموزايك، وكانت بعض أنواع الأسماك تؤكل حية على المائدة بعد وضعها في الشوربة الخاصة بها. وكان الرومان يفضلون أكل الأسماك طازجة.
وفي العصور الوسطى تراجعت أهمية الأسماك بصفته مصدرا غذائيا بالمقارنة مع البروتين الحيواني الذي كان متاحا بوفرة، ويعبر عن الثروة. وكانت الأسماك تستهلك بديلا عن اللحوم فقط أثناء فترات الصوم، وتحول بحر الشمال إلى أكبر مصدر للأسماك لمنطقة شمال غربي أوروبا وتعدادها المتزايد.
وهناك تقسيم دولي تعتمده هيئة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) للأحياء البحرية يعرف الأسماك بأنها مخلوقات بحرية فقرية لا أطراف لها، ذات خياشيم تتنفس بها، ولها رؤوس محمية بعظام قوية، وينتج العالم سنويا من هذه الأسماك نحو 106 ملايين طن.
أما الرخويات، مثل المحار والحبار، فيصل الإنتاج العالمي منها نحو 20 مليون طن سنويا، وهناك أيضا القشريات التي ينتج منها العالم سنويا نحو 12 مليون طن، وهي تشمل الجمبري (الروبيان) وسرطان البحر (الكابوريا) واللوبستر.
أما بقية الأحياء البحرية التي تشمل الحيتان، فإن الإنتاج العالمي منها يزيد على 149 مليون طن، ويصل الإنتاج العالمي من أعشاب البحر ونباتاته إلى 19 مليون طن سنويا، بحيث يصل إجمالي ما ينتجه العالم من البحار سنويا إلى نحو 307 ملايين طن سنويا.
وتشير أبحاث بيئية إلى خطورة استمرار معدلات الصيد البحري الحالية أو زيادتها، حيث من المرجح أن يؤدي ذلك إلى انهيار البيئة البحرية في عام 2048 نتيجة للصيد المكثف والتلوث البحري. وأشارت دراسة نشرت في عام 2006 في المجلة العلمية «ساينس» إلى أن ثلث المخزون السمكي في العالم قد انهار بالفعل إلى مستويات تصل إلى 10 في المائة من حجمه الطبيعي، وأنه إذا استمرت معدلات الصيد الحالية فإن المخزون العالمي من الأسماك سينهار في غضون 50 عاما. وفي تحديث للبحث نشر في عام 2009، قال المؤلف بوريس ورم، إن الإدارة الحسنة للصيد ومزارع الأسماك يمكنها أن تعيد مخزون الأسماك العالمي إلى سابق عهده من الازدهار.
وتعد الأسماك من المصادر الغذائية التي تفسد بسرعة، ويتم تصدير الأسماك الطازجة أحيانا في أحواض مائية بتكلفة عالية؛ للحفاظ عليها حتى وصولها إلى المطاعم التي تفضل إعداد الأسماك وتقديمها فورا بعد خروجها من الماء. وتلجأ بعض المطاعم، خصوصا في أنحاء آسيا، إلى عرض الأسماك حية في أحواض زجاجية خاصة يختار منها الزبون وجبته المفضلة.
ويصل حجم تجارة الأسماك الحية في هونغ كونغ وحدها إلى 15 ألف طن سنويا، كما تصل قيمة هذه التجارة على المستوى العالمي إلى 400 مليون دولار سنويا.
ونظرا لسرعة فساد الأسماك بسبب سوء حفظها والضرر الكبير للتسمم الغذائي الذي يمكن أن تسببه، تشترط هيئات الإشراف الصحي الأميركية أن تحتوي أكياس السمك المحفوظ بالبرودة على مؤشر زمني للحرارة، وهو أداة تقيس درجة الحرارة التي حفظت فيها الأطعمة (أو الأدوية) عبر فترة زمنية معينة للتأكد من صلاحيتها.
وتعرض الأسماك الطازجة في العادة على ألواح من الثلج المجروش للإبقاء عليها صالحة للاستخدام لأطول فترة ممكنة. وكانت الأسماك الطازجة تستهلك فقط في المدن الساحلية والنهرية، حتى تم ابتكار وسائل النقل المبردة التي يمكنها نقل الأسماك إلى مواقع بعيدة عن السواحل.
* فوائد صحية لتناول الأسماك
تعددت الأبحاث الطبية التي أثبتت أن للأسماك فوائد صحية جمة للإنسان، خصوصا في حماية القلب والحفاظ على صحة المخ. وتم إثبات العلاقة بين تناول الأسماك وصحة القلب بملاحظة انخفاض أمراض القلب بين الشعوب التي تعتمد على الأسماك غذاء لها، مثل اليابان والاسكيمو. وتقترح دراسة طبية تناول الأسماك مرة واحدة في الأسبوع على الأقل لخفض مخاطر السكتات القلبية بنسبة النصف.
وتحتوي الأسماك على مادة «أوميغا 3» المضادة للأكسدة والموفرة لحماية أغشية الخلايا. وتحافظ الأسماك على نشاط المخ لدى كبار السن، كما تساهم دهون الأسماك في الحماية من الأم الروماتيزم. وتحتوي الأسماك أيضا على عناصر الزنك والايودين والسلينيوم، وهي تساهم في الحفاظ على سلامة الجسم وتنظيم عملية التمثيل الغذائي وإفراز الإنزيمات. وهي أيضا تحوي فيتامين «أ» الذي يحافظ على صحة الجلد والعينين، وفيتامين «د» الذي يساعد الجسم على امتصاص الكالسيوم لتقوية العظام والأسنان.
أما المخاطر المحيطة بتناول الأسماك، فهي تشمل الحساسية ضد القشريات، والتي قد تكون أضرارها فورية وملحوظة وتحتاج إلى العلاج السريع، والتسمم الغذائي من تناول أسماك نافقة؛ نظرا لأنها سريعة التلف. وأخيرا المعاناة من نسبة الزئبق المركزة في أجسام بعض الأسماك، خصوصا تلك التي تربى في مزارع مكثفة. ويمكن تجنب هذه الأسماك بتناول الأسماك الحرة التي تكون في العادة أصغر حجما وأقل دهونا.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».