ميلان كونديرا وأنطولوجيا «الجهل»

معه نقرأ التاريخ ببؤسه وطغيانه وحروبه ودماره وما أحدثه من ألم وجروح لا تندمل

غلاف رواية "الجهل"
غلاف رواية "الجهل"
TT

ميلان كونديرا وأنطولوجيا «الجهل»

غلاف رواية "الجهل"
غلاف رواية "الجهل"

ينطوي عمل كل روائي على رؤية مضمرة لتاريخ الرواية، وعلى فكرة ماهية الرواية، إذ من خلالها يتم تنوير الوجود الإنساني وحمايته ضد كل أشكال النسيان. إنها مرآة عاكسة لتعقد الوجود. فحين تجالس «ميلان كونديرا»، أكان ذلك على مقعد في أحد المقاهي، أو تمشيا بصحبته في أحد الأحياء، أو السفر بصحبته حتى اليونان والتيه معه في أساطيرها التي لا تنتهي، أو جالست أبطال رواياته، ستجد في داخل كل هذا «كونديرا» فعلا. فالوطن، كفكرة متعالية مجردة، سيكون حاضرا حتى النخاع. إنه حب، بل عشق، حتى وإن كان من طرف واحد، يتجسد في شخوص كل رواية من رواياته. فهم (أي الشخوص) يطبعهم الخوف من العودة لأنها ستكون عودة مؤلمة غير مرحب بها، ولأنه وطن لا يفهم منطق الحب «الكونديري»، حيث نلمس هذا في ردود فعل متمردة. إن «كونديرا»، المتمرد العابث، سيدافع عن وجوده من خلال تلك الآليات لأنها الملاذ من أجل الاستمرار، وفي تحمل حب بهذا الحجم، أمام عدم القدرة على فعل شيء، أو تغيير شيء، أو تحقيق شيء. فعلى حد تعبيره «كلما كان الزمان الذي تركناه خلفنا رحبا، كان الصوت الذي يدعونا إلى العودة» أشد طغيانا. فهي عودة «أنطولوجية» ليس هناك مجال لمقاومتها. وعلى الرغم من الحياة المريحة في الغربة، فإن هناك اختيارا دائما للعودة، مع أنها عودة إلى مجهول غير مضمون العواقب، لا تتوقع ما ستكون ردة فعله، فالعودة كمغامرة ترفض دائما الانتهاء. ولأن العودة هي «مصالحة مع نهاية الحياة»، سنقرأ مع كونديرا التاريخ بلا هوادة، بكل بؤسه، وطغيانه، وحروبه، ودماره، وما أحدثه من ألم وجروح لا تندمل أبدا عند من خاضها أو عاشها. فأينما حلوا وارتحلوا، يحملون هما مثقلا، وبؤسا لعينا، وعيا شقيا لا يتوقف، بمعنى تحمل حياة ليست بالحياة. إنها قوة كامنة لا تتوفر للكل. فحتى أحلامهم باتت تتكرر بالصيغة نفسها، والأسلوب نفسه، وكذلك الألم. وفي خضم كل هذا، يرفضون الموت. إنها إرادة الحياة التي تنتصر على الرغم من القهر. هل نقول إنهم زومبي ZOMBIE؟ ولم لا؟! فهو الآخر يرفض الموت النهائي تحت وطأة شظايا مشاهد لا تنتهي، نابعة من أحضان الماضي. فـ«إرينا» مثلا، بطلة رواية «الجهل»، ستجسد بشكل عميق ما طرحته سابقا. ففي حديثه عن لقاء بين «إرينا» وأمها، بعد قطيعة دامت 17 سنة، نلاحظ أن اللقاء جاء فاترا باردا وصاعقا. فالأم جاءت من براغ إلى باريس، ولم تهتم لما يمكن أن تكون عليه «إرينا»، التي تحاول بدورها جاهدة لرسم صورة جميلة عن وجودها في باريس، صورة لا تكترث لها الأم بتاتا. إنه تعميق لمفهوم «الغربة» بكل معانيه عند «إرينا». فحتى العيش في وهم الحياة السعيدة لم تمنحها إياه الأم. بل كان حضورها تعميق للإحساس بالدونية والعجز، وبارتباط واه ما زال يجمعها بكل شيء. إنه الشعور بألا يكون المرء هو نفسه. إذن ففكرة الانفصال عن أي شيء، وعن أي شخص، لم تنجح بعد موت شخوص «كونديرا». إنه رجوع إلى الخلف، شعور بالضعف وبالشفقة على الذات، وبكل الأحاسيس السلبية غير المرغوب فيها. قد يبدو المرء أكثر وضوحا مع «إرينا» أثناء اقتنائها فستان الفرح في لحظة أجبرت عليه، وجلب عليها الكوابيس. فروحها قد أنشطرت بين رغبتين متناقضتين: رغبتها في العودة من جهة، ومقتها لعالمها السابق من جهة أخرى. تناقض عجيب يحمل بين طياته كل معاني الحنين الدفين والعميق للمكان. إنها المعاناة في شتى تجلياتها، إنها الحاجة إلى البوح والبكاء، والرغبة في الانعتاق من دون جدوى.
ويحدث أن تتحقق فكرة العودة. لكن عن أي عودة سوف نتحدث مع كونديرا؟ هل هو رجوع لذات مفرغة من أي تاريخ؟ أم لذات ما زال كل التاريخ يحبس أنفاسها؟ أم ذات أنشأت لنفسها تاريخا جديدا مضافا إلى ما سبق؟ أم ذات متشظية بين كل التواريخ؟
إن عودة «إرينا» إلى «براغ»، واللقاء بينها وبين صديقاتها القديمات في ليلة ساهرة ماجنة، لم يوصلاها إلا إلى هوة سحيقة في داخلها. إذ إنه السقوط في اللاشيء واللامعنى. فلم يحرك أي شيء شيئا. الكل ساكن غريب مهما بلغ عمقه (ضحكات تافهة، كلام مقزز، موسيقى مملة). إذن، هل الانتشاء ما زال حاضرا في موسيقى العودة؟ أم أن ضريبة العودة ما زالت تدفع بشكل أو بآخر؟
إنه الخوف المبهم من كل شيء. خوف يتجسد في وحدة عميقة للذات، وحدة ضد كل شعارات البلد الجديدة «إخوة لجميع الأعراق، امتزاج جميع الثقافات، وحدة الكون، وحدة البشر...». إنها الصور الدعائية الجوفاء التي يتم تسويقها بعيدا عن ذوات منهكة منشرخة منهزمة تريد الاعتراف بالخضوع. إنها ذوات «مريضة تعاني من نقص في الحنين»، ومن «تشوه مازوشي في الذاكرة». فالذكريات ننسجها ونحكيها حين نقطن البلد، وليس حين نبتعد عنه. فتاريخ الذاكرة يتم تشويهه في هذا الانقسام بين زمانين ومكانين مختلفين تماما. إنه الحاضر المهزوم الآسر المنتزع للماضي. ستنتقل الأحداث بين «إرينا» و«جوزيه». لكن الحال يبقى هو نفسه. إنها الغربة العميقة التي تنخر كل كيان على الرغم من مزاعم العودة. إن من يقرأ لكونديرا سيلمس عبثا ووهما يجر وراءه كل معنى وكل حقيقة وكل إيمان. إنها متاهة اللاشيء التي نغلفها بكثير من القيم الواهمة. فاللاشيء يجرنا إلى عبثية المعاني، ويعبر ربما عن وعكة روحية، أو طاقة مكبوتة، أو شاعر متمرس في وصف حقيقة وجودنا. إنه الجهل بكل شيء. إنه معرفة ناقصة بالذات، برغباتها ومتاهاتها، وبالآخر أيضًا في كل أبعاده، وبالكون وامتداداته. إننا نتخبط مع «كونديرا» في مياه وسطح وقعر، بلا هوادة ومن دون توقف. لا نحن ننجو ولا نغرق. عذاب بلا توقف – متعب هذا المآل. لكن ما يثير الانتباه في كتابات كونديرا هو أن القارئ يجد نفسه أمام ذات عارية لضربات سوط تلو سوط، لا تتوقف عن إحداث الألم والقلق والضجر والخيبات والانتكاسات، وطابوهات فارغة، وآيديولوجيات جوفاء، وقيود أسرة. لكن الذات لا تتوقف في البحث عن الحرية والانعتاق، عن لحظات من الانتشاء اللامنطقية. فالذاكرة الإنسانية لا تمسك من الماضي سوى بأجزاء صغيرة بائسة من دون أخرى، من دون أن تكون لدينا إمكانية معرفة لماذا هذا اللغز؟ لماذا هذا الاختيار؟ إنها الحياة الإنسانية باختصار. فليست لدينا الذاكرة نفسها حتى لو عشنا المواقف عينها. لكل منا ما يخصه: لا تشابه، لا تقاطع، لا مقارنة. لكن الشيء الأكيد هو أننا عشناها معا. لكن ليس بالطريقة نفسها حين نحاول تكرارها. إنها الألغاز الإنسانية في أبعادها كافة. فـ«إرينا»، وهي حالمة تمشي بين شوارع براغ كحقيقة، وبين شوارع «باريس» كصورة، ينتابها إحساس بالسعادة في «باريس» عنها في «براغ». غير أن رباطا سحريا جماليا لا يربطها سوى بـ«براغ». تفهم فجأة لماذا تحب هذه المدينة، وكم كان رحيلها عنها إلى الأبد مؤلما – وداعات مزيفة وغير ضرورية وثلجية بينما تقول لنفسها: «من خسر هذه الوداعات لا يمكن أن ينتظر شيئا ذا شأن من هذه اللقاءات». لكن لكل مدينة سحرها الذي لا يعرفه إلا من ذاب فيها: «ماشا شاعر الزمان، نيرودا قصاص الشعب التشيكي، أغاني فوسكوفيك وفيريتش في الثلاثينات، هرابال وسكفوريسكي»، إنهما رمزان للحرية، حران على نحو بهيج بفكاهتهما الوقحة. هذا هو عطر هذا البلد الذي لا يمكن الوصول إلى جوهره اللامادي الذي حملته معها إلى «فرنسا». إنه اليوم الأخير لتحقيق الوداعات، وداع للمدينة التي تحب بين جميع المدن، لكنها مستعدة في الوقت عينه لفقدانها دون أسف، لتكون جديرة بحياتها. وما ترغب فيه الآن هو الحب من دون أي امتنان، لأن الامتنان هو مجرد اسم آخر للضعف، للتبعية. وما يثير الانتباه عند «كونديرا» هو دقته في وصف المحيط، وما يصاحب ذلك من تأويلات وتشبيهات كثيرة. وفي الغالب لا يكون الأبطال عند كونديرا أحرارا في مصيرهم، وفي أخذ قراراتهم. لكن عندما تكون الظروف مواتية لأخذ القرار، يصبح الأمر صعبا. فأبطاله يتحنطون في متاهات من القرارات والأفكار والانفعالات إلى درجة تصبح فيها عملية الحسم صعبة. فالبطل يصبح معه كائنا زلقا يمكن أن تتوقع منه أي شيء وفي أية لحظة. إنها أزمة كائن ومتاهة لا تنتهي. أو بشكل مختصر، إنه في أبعاده الوجودية القلقة المؤرقة كلها، ربما ما يعمق هذا تلك العودة وأية عودة. عودة انقطع فيها جسر التواصل بين الكل، فلا أحد يهتم لأحد. فأنت تنسى كأنك لم تكن حتى من الأكثر قربا، فلا أحد يكترث لما صرت عليه. مفارقة نحاول جاهدين تقريب منطقها من دون جدوى. يجب أن تتعود على أن تعبر الحياة دون اهتمام أو إصغاء أو انتظار للرحمة من أحد. ولعل لقاء «إرينا» و«جوزيه» أكد ذلك حقا. فقد كان لقاء ظنناه للوهلة الأولى لقاء حبيبين. صرنا نتنفس الصعداء مع «كونديرا» لأن اللقاء كان بعد فراق طويل جدا مع ما صاحبه من حميمية. لكننا نصدم حين يقرر «جوزيه» الذهاب لحاله بكل بساطة، دون اكتراث لـ«إرينا» التي ما زالت تحتفظ بتذكار عن الأيام الخوالي. فحتى اسمها لم يعد يذكره – إنها المهزلة الكونديرية في قمتها. فقد أصبح اللقاء بلا معنى، بلا قيمة، بلا ذكرى. فكل شيء إلى مزبلة النسيان. لذا فإن الوطن والعودة «الكونديرية» ليستا كمثيلاتهما عند عبد الرحمن منيف، أو غسان كنفاني، أو الطيب صالح مثلا. إنها عودة اللاعودة. إنها رغبة اللارغبة. إن كل القيم في سلة المهملات. إننا أمام الكائن المتأزم، السارح في الملكوت ينتظر هلاكه. وهو في ذلك متسلح بالنسيان، بالعبث، باللامبالاة من أجل الاستمرار، ولكي لا تخنقه كل هذه الأعاصير من القلق والتيه والعبث.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».