الصادق المهدي: نعمل من أجل انتفاضة مخططة تجنب البلاد الدماء والفوضى

رئيس الوزراء السوداني الأسبق زعيم حزب الأمة قال لـ«الشرق الأوسط» إن مهامه في الخارج اكتملت.. وأجرى مشاورات للعودة إلى البلاد

الصادق المهدي: نعمل من أجل انتفاضة مخططة تجنب البلاد الدماء والفوضى
TT

الصادق المهدي: نعمل من أجل انتفاضة مخططة تجنب البلاد الدماء والفوضى

الصادق المهدي: نعمل من أجل انتفاضة مخططة تجنب البلاد الدماء والفوضى

قطع المعارض السياسي البارز زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي، بأن احتمال حدوث انتفاضة شعبية تطيح بنظام الحكم في السودان أصبح واردًا بأكثر مما يتوقع الكثيرون، بيد أنه قال إن توصيات مؤتمر الحوار الوطني الذي يجري في داخل البلاد، وجدت تجاوبًا مع كثير من بنود الأجندة الوطنية، فإذا قبلتها الحكومة يمكن تحقيق مطالب الشعب المشروعة في التغيير عن طريق الحوار.
وسخر المهدي ممن سماهم «المهرجين»، الذين يرون في حديثه عن إيجابيات خريطة الطريق الأفريقية انضمامًا لها، مشيرًا إلى أن مواقفه تستند على رؤية الإيجابيات التي تجعل الحوار الوطني يجدي في إقامة نظام جديد. ورأى المهدي أن التغيير في السودان يتطلب هذه المرة انتفاضة «مخططًا لها» وليست انتفاضة عفوية، لقطع الطريق أمام قمعها بثمن كبير من الدماء، وللحيلولة دون تحول الأوضاع في البلاد إلى فوضى. واستنكر المهدي محاولات التخويف من انهيار الدولة حال قيام انتفاضة شعبية، وقال إن استمرار نظام الحكم وسياساته، هو أقصر طريق لانهيار الدولة، وإن الجماهير ستخرج مهما كانت المحاذير، وتتحول إلى كتلة حرجة من الغضب والإقدام. وشن المهدي هجومًا عنيفًا على ابن عمه والقيادي السابق بحزبه مبارك الفاضل، وقال إنه يمارس هذيانًا سياسيًا، وإن مشروعه الحالي عبارة عن «مخلب قط» للمؤتمر الوطني. وأكد المهدي الموجود في منفاه الاختياري بالقاهرة، أن مهامه في الخارج اكتملت، وأنه أجرى مشاورات للعودة للبلاد في القريب العاجل.

* التقيت أخيرًا ثامبو أمبيكي في بلد «الكوديسا»، هل كان اللقاء مبشرًا بالسير في اتجاه «الكوديسا»؟
- لا يمكن لحدث لاحق أن يكون استنساخًا لحدث سابق، ولكن هنالك مناهج يمكن أن تتكرر. أهم ما يمكن أن يحدث لتحقيق حوار وطني سوداني على نهج «الكوديسا» هو: حوار بين طرفين على طرفي نقيض بموجب أجندة متفق عليها، الأجندة تتناول بنودًا مهمة تتمثل في إنهاء حالة الحرب بين الطرفين، كفالة الحريات العامة والمساواة بين المواطنين والاحتكام للآلية الديمقراطية أساسًا لولاية الحكم. الاتفاق على آلية للعدالة الانتقالية بشأن أحداث الماضي والمظالم. أن يشمل الحوار ممثلين لكل أطراف النزاع. وأن يجري الحوار في مناخ حر وتحت إدارة رئاسة محايدة بين أطراف النزاع.
الاختلاف الذي نشأ بين قوى إعلان باريس والآلية الأفريقية أدى لعدم التوقيع على خريطة الطريق المقترحة، وأعقب ذلك فترة شهرين من الجمود في حركة الآلية الأفريقية، ثم جاءت دعوتي بصفتي رئيسًا لحزب الأمة لمقابلة رئيس الآلية، واتفقنا على أن رفضنا التوقيع على خريطة الطريق، لا يعني عدم اعترافنا بما فيها من إيجابيات ومعالجة ما فيها من سلبيات، عن طريق لقاء بين الآلية الأفريقية وبيننا، ثم تدعو الآلية الأفريقية للاجتماع التمهيدي للحوار الوطني المنشود.
* لماذا دعاكم أمبيكي لزيارته دون شركائكم في «نداء السودان» المشتركين في الحوار؟
- لا أجزم بماهية الأسباب، فهو الذي يجيب عن هذا السؤال، ولكن أعتقد أن الأسباب الآتية واردة، أولاً: لأن خطاب طلب مقابلته الذي أرسلناه له نحن «نداء السودان» من باريس في أبريل (نيسان) الماضي كان بتوقيعي ممثلاً للآخرين. ثانيًا: لأننا في «حزب الأمة» لم نعتبر تصرفات السيد أمبيكي سببًا في نزع الثقة عنه، كما فعل بعضنا، بل حصرنا النقد في مسائل إجرائية، مما أبقى على «شعرة معاوية». ثالثًا: على أي حال كثيرون في الأوساط الدولية يعتبرونني أحمل شرعية رئيس الوزراء المنتخب، الذي نُحّي بوسائل غير شرعية. ما يعني أن الانقلاب أفقدني السلطة ولم يفقدني الشرعية. رابعًا: لأنني مهما التقيت ثنائيًا أجعل ذلك تمهيدًا لما بعده من لقاء شامل.
* قلتَ إن الوسيط وافق على بحث تحفظاتكم، ثم تبرعتم بإرسال مسودة لشركائكم في الحوار، لماذا لم يرسلها أمبيكي نفسه؟
- السيد أمبيكي كان مكتفيًا بما دار بيننا، واعتبار إفادتي له كافية، ولكنني لتوسيع المشاركة اقترحت أن تصل إليه منا إفادة يوقع عليها الآخرون، وقد يكون من بينهم من تتحول مواقفه من الحوار الوطني بإعلان قبول الحوار عندما يلاقي ممثلي الأسرة الدولية، وإعلان رفض الحوار عندما يخاطب الجماهير، فالخطاب المشترك وسيلة لبيان الموقف الإيجابي من الحوار بإشراف الآلية الأفريقية أو عدمه.
* البعض رأى في ذهابكم إلى جوهانسبورغ خطوة تمهيدية لتوقيعكم على خريطة الطريق؟
- كل إناء بما فيه ينضح، نهجي السياسي يقوم على الشفافية، وقد قلت إن الأحوال قد تجاوزت طلب التوقيع على الخريطة. ولكن قلت أيضًا إن الخريطة نصت على إيجابيات، ولكن بها عيوب محددة يُرجى علاجها، وفي أكثر من نص أوضحنا هذه العيوب؟ وربما لولا استعجال الوسطاء لأمكن علاجها في مارس (آذار) الماضي. وقلت وأكرر بأن الامتناع عن التوقيع لا يعني التحفظ على أهداف الخريطة، وهي عقد لقاء جامع لأطراف النزاع السوداني، تنفيذًا لقرار مجلس السلم والأمن الأفريقي رقم 539. فإن حدث ذلك سوف يلبي الدعوة لهذا الاجتماع من يوافقون على الحوار الوطني باستحقاقاته، لا سيما بعد تأكيد أن هذا الحوار ليس امتدادًا لحوار الداخل. وأن الحوار سوف تسبقه إجراءات بناء الثقة، وهي محددة، وأن الحوار في كل مراحله سوف يكون برئاسة محايدة. إن تحققت هذه الأسس فلا حاجة لأن يضغط أحد على أحد، بل من يدرك أن الحوار الوطني هو وسيلة نضالية لتحقيق مطالب الشعب المشروعة، سوف يستجيب، والذين يرون أن الحوار من حيث هو مرفوض سوف يمتنعون.
* في آخر بياناتكم قلتم إن توصيات حوار الداخل، تفي بمعظم متطلبات المعارضة، هل هذا يعني اقترابكم من حوار الوثبة مجددًا؟
- السيد أمين عام الحوار الداخلي تكرم مشكورًا بإرسال نسخة من توصيات هذا الحوار، التي حتى ذلك الحين لم نطلع عليها، وكان موقفنا الذي ذكرناه تكرارًا ومرارًا نحن غير معنيين بحوار العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2015م، ولكننا معنيون بنتائجه، فإن كانت تلك النتائج مجرد مسح طلاء وردي على نظام الحكم فسوف ندينها، وإن كانت غير ذلك فسوف نقول الحقيقة. القضية الوطنية ليست مكايدات ومزايدات. تقديري أن المطلب الوطني المشروع هو إقامة سلام عادل وشامل وتحول ديمقراطي كامل، وهذه هي الأجندة الوطنية التي نعمل من أجل تحقيقها، والتي صنعنا بمفرداتها رأيًا عامًا في البلاد. أدهشني دهشة سارة أن وجدت في التوصيات المذكورة تجاوبًا مع كثير من بنود الأجندة الوطنية، مثلما وجدنا هذا التجاوب في مذكرة الـ52 مواطنًا مؤهلاً. هذه التطورات، كما قلتُ، إن قبلَتْها الحكومة تسهل مهمتنا في الحوار الوطني، فإن التقانا النظام متبنيًا لتلك التوصيات، فإن هذا سوف يسهل مهمتنا في إيجاد حل يحقق مطالب الشعب السوداني المشروعة. المهرجون يعتقدون أننا إذا تحدثنا عن إيجابيات في خريطة الطريق أو في توصيات حوار الوثبة فهذا معناه الانضمام إليهما، ولكننا نزن الأمور بموضوعية، ونعطي كل ذي حق حقه. الاعتراف بالإيجابيات لا يلغي ما نطالب به، مما يجعل الحوار الوطني مجديًا في إقامة نظام جديد يحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل والعدالة الانتقالية المنصفة.
* بسبب التدهور والارتفاع المريع في أسعار السلع والخدمات وتزايد أزمة الاقتصاد الهيكلية، يواجه نظام الحكم رفضًا شعبيًا متصاعدًا سميتموه «سخونة التطلعات الشعبية»، فلماذا تلقون له بطوق نجاة عن طريق الحوار إذن؟
- نحن أكثر الناس تعبيرًا عن سوء حالة البلاد على يد هذا النظام من حيث تشويه الإسلام، والتدهور الاقتصادي، والأمني، والتخبط المذل في العلاقات الخارجية، وبالتالي نعتقد أن الانتفاضة واردة بأكثر ما يتوقع الكثيرون، ولذلك عبّأنا حملة «ارحل» ضمن تحالف قوى «نداء السودان»، وابتدرنا حملة «هنا الشعب»، ونعمل على توسيع التعبئة من أجل الانتفاضة، وأنت تعلم أن دورنا في انتفاضتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 كان كبيرًا. البلاد الآن بها أكثر من 50 تكوينًا مسلحًا، بعضها مع الحكومة، وبعضها ضد الحكومة، والانتفاضة بطبعها تفتح المجال لكل أن يحاول فرض أجندته، لذلك حرصنا على أن نقيم هيكلاً لقوى بناء الوطن، ويُلتزم بميثاق وطني لهذا البناء. النظام الحالي يتطلب انتفاضة مخططًا لها لا عفوية، لأنه مستعد لقمعها بثمن كبير في الدماء. إذن خيار الانتفاضة يتطلب أمرين: الأول مخطط محكم. والثاني: وجود إدارة بديلة بميثاقها. وهذا ما نعمل من أجله أي الانتفاضة التي لا يجهضها سفك الدماء، والتي إن نجحت فلا تؤدي للفوضى. ولكن في أثناء هذا العمل الجاد، إذا استجاب النظام للأجندة الوطنية عبر حوار وطني باستحقاقاته الموضوعية فإن ذلك يحقق نتائج الانتفاضة بوسيلة ناعمة. على طول القرن العشرين، الحوار الوطني أدى لإقامة نظام جديد: في إسبانيا، في بولندا، في شيلي، وفي جنوب أفريقيا وهلم جرا.
هذه هي المعادلة الوطنية: انتفاضة مخططة تجنب البلاد أنهار الدماء والفوضى، أو حوار باستحقاقاته، وهما وسيلتان لإقامة نظام جديد يحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل. الحوار كالإضراب أداة نضالية وليس أداة لإعطاء النظام طوق نجاة. أي طوق نجاة هذا والنظام الآن ومن داخل صفوفه يواجه نقدًا عنيفًا ومطالبة بنظام جديد؟
* نظمت اللجنة الشعبية التي يقودها مبارك الفاضل المهدي حشدًا لإعادة توحيد حزب الأمة القومي، ودعت فيه لإعادة توحيد الحزب ما رأيكم في هذه الدعوة؟
- السيد مبارك يمارس هذيانًا سياسيًا. غادر حزب الأمة عام 2002، لأنه كوّن حزبًا ضرارًا، واشترك في النظام الشمولي، واتبع أجندة ذاتية فأعفوه، ثم التحق بالحركة الشعبية حتى صار جزءًا منها، ولممارساته الذاتية أبعدوه، ثم لحق بالجبهة الثورية ووقّع معها على ميثاق يبيح إطاحة النظام بالقوة وتقرير المصير لأجزاء أخرى من السودان، وهام في خارج البلاد إلى أن عاد إلى أحضان النظام الحاكم. مشروعه الحالي هو مخلب قط للمؤتمر الوطني لا غير. وكيف يمكن أن تدعو للم الشمل في حزب الأمة وأنت تجهر بخط الانتماء للنظام الشمولي، وحزب الأمة القومي يقود خطًا واضح المعالم بأجندة وطنية التفت حولها كل قوى السودان الوطنية؟ أولى له أن يعمل على جمع شمل «حزيبات» الأمة، التي هي في الأصل رفقاؤه الذين خرجوا معه من الحزب للانضمام للنظام في عام 2002، أي يجمع شمل الذين التحقوا بالنظام، أما بالنسبة لحزب الأمة القومي، فإنه متماسك حول مبادئه ودستوره ومؤسساته، والذين اختلفوا تنظيميًا سوف يستأنفون دورهم في حزبهم، ولمّ الشمل هذا لا يشمل الذين انخرطوا في النظام. أما السيد مبارك نفسه فالعلاقة معه عائلية واجتماعية، أما سياسيًا فإذا أراد أن يخاطب حزب الأمة ليعود إلى رحابه فعليه أن ينبذ حضن المؤتمر الوطني، وأن يعترف بأخطائه الجسيمة، وأن يعتذر عنها، وأن يلتزم بألا يكررها. أما هيئتهم الشعبية المزعومة فهي هيئة شعبية بعض مؤامرات المؤتمر الوطني وأجهزة أمنه لتعويق الكيانات الوطنية في السودان.
* نقلت صحف الخرطوم أن عودة مبارك الفاضل للحزب تستلزم تقديمه لاعتذار، عن أي شيء سيعتذر؟
- يعتذر عن أنه في فبراير (شباط) 2001 شارك في قرار حزب الأمة عدم المشاركة في النظام إلا بموجب حكم ديمقراطي جديد أو انتخابات عامة حرة. ومع ذلك كسر صف الحزب وكوّن حزبًا ضرارًا، واشترك في الحكومة الشمولية. ويعتذر عن أنه بعد أن اتفق مع حزب الأمة على موقف موحد في عام 2010، واتفق على توحيد الترشح في انتخابات أبريل 2010، كسر الصف وقبل إعانات من جهات أخرى ويرشح نفسه، ليقسم صف حزب الأمة، ليفوز مرشحها، وكان يضلل الجماهير في حملته بوسائل شتى لتأكيد أنه مرشح الحزب الوحيد. ويعتذر عن أن سجله كله حافل بمواقف التعدي على رأي الجماعة المؤسسي الديمقراطي.
* سبق أن قلت لـ«الشرق الأوسط» إن الرجل تم فصله من مؤسسات الحزب، هل راجعتم هذا الموقف أم ماذا؟
- دستور حزب الأمة ينص على أن أي عضو ينضم إلى حزب آخر يفقد عضويته في حزب الأمة، هذا ما أفقده العضوية. وازداد بعدًا الآن بأنه صار بوقًا لنظام يريد حزب الأمة رحيله لنظام جديد.
* جرت في الدوحة أخيرًا مباحثات بين مجموعة وثيقة سلام الدوحة وحركتي تحرير السودان والعدالة والمساواة، في نظركم كيف تسهم مثل هذه اللقاءات في تحقيق التغيير؟
- اتفقت في عام 8 أبريل 2014 مع الوزير القطري آل محمود على أن «وثيقة الدوحة» خطوة إلى الأمام، ولكنها لم تحقق السلام المنشود في دارفور، لذلك ينبغي تجاوزها لما يأخذ في الحسبان العوامل التي تحقق السلام المنشود. كذلك وثيقة الدوحة تتناول الأمر من زاوية دارفور، والحقيقة أن السلام ونظام الحكم في السودان ينبغي تناوله من زاوية قومية. وفي هذا الصدد فإن الأشقاء في قطر مؤهلون للقيام بالوساطة لحل الأزمات السودانية وهذا يتطلب أن يراجعوا موقفهم على أساس أن وثيقة الدوحة الحالية خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها ليست الخطوة النهائية. وعلى أساس أن مشكلة دارفور هي مشكلة السودان في دارفور، ولا تعالج إلا في إطار السلام والحكم والدستور للسودان كله.
* يتردد كثيرًا أن هنالك اتصالات بينكم وقيادات في الحكومة والحزب الحاكم، منذ خروجكم من السودان، هل لا تزال هذه الاتصالات مستمرة أم توقفت، وماذا طُلب منكم خلالها إذا صح إجراؤها؟
- نعم، النظام على اتصال مستمر مع بعض قوى «نداء السودان» ومعنا، وتركزت في دعوتنا للمشاركة في حوار العاشر من أكتوبر الماضي. كذلك تمت اتصالات على هامش اللقاء التشاوري الذي دعا إليه السيد أمبيكي في مارس الماضي، ولكن تلك الاتصالات لم تصل لأي نتيجة.
* ظللتم تحذرون على الدوام من انهيار الدولة، وهو خط دعائي حكومي تستخدمه الحكومة في تخويف الجماهير من الثورة، هل ما زال هذا الخطر حقيقيًا؟
- الحقيقة أن استمرار هذا النظام وهذه السياسات هو أقصر طريق لانهيار الدولة نتيجة مباشرة لسياسات النظام. الجماهير سوف تخرج للشارع وتثابر مهما كانت المحاذير. عندما يبلغ الأمر كتلة حرجة من الغضب والإقدام.
ودعوتنا للإسراع بنظام جديد هي لكيلا يستمر تدهور الأحوال وتمزق الوطن. صحيح أن النظام يحذر من الفوضى إذا انهار، ولكننا نقول إن الفوضى آتية إذا استمر هذا النظام بسياساته الخاطئة في كل المجالات.
* تطرحون خيار الانتفاضة الشعبية كبديل، حال فشل الحوار، هل تعتقدون أن شروطها الموضوعية قد اكتملت؟ وهل الحركة الجماهيرية مستعدة لذلك؟
- اتضح الآن أن كل القوى الوطنية تنادي بنظام جديد، هذه خلاصة حوار الوثبة، وهي خلاصة مذكرة الـ52 مواطنًا، وهي خلاصة «نداء السودان»، وخلاصة قوى المستقبل للتغيير، وقال لي عدد كبير من الذين شاركوا في مؤامرة 30 يونيو (حزيران) 1989م، إن الذين شاركوا لو طُرِح عليهم استفتاء لقالت الأغلبية إنها كانت جريمة سياسية كبيرة، ولعبروا عن الندم. هذا كله معناه أن مقومات الانتفاضة متوافرة، وإذا فشل الحوار فسيكون الفشل نفسه قداحة تشعل الانتفاضة.
أما استعداد الحركة الجماهيرية، فمن حيث الغضب، والتأهب، فالاستعداد كبير، ولكن ينقص الأمر التخطيط المحكم ورسم معالم البديل، وهذا ما نعكف عليه الآن لتحقيقه عبر الانتفاضة أو عبر حوار وطني حقيقي.
* حال قيام انتفاضة شعبية مفاجئة، بسبب الأزمات، هل تعتقدون أن الفوضى ستعم البلاد، أم أن القوى السياسية المعارضة مستعدة لاحتوائها؟
- في كل الانتفاضات في التاريخ، لا سيما في السودان، فإن الانتفاضة الناجحة سوف تشل الحكومة وتسقطها، أما الذي سوف يحتوي الأمر فهو القوات المسلحة إذا انحازت للشعب، كما في أكتوبر 1964، وفي أبريل 1985. إن للقوى السياسية دورًا مهمًا ولكن يكمله دور قوات مسلحة قومية.
* متى ستعود للسودان؟
- مهامي في الخارج اكتملت، وعودتي محل تشاور لتصير جزءًا من مطالب الأجندة الوطنية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.