حالة من الدهشة وعدم التصديق تسود الأسواق السورية التي أصابها الشلل جراء الانخفاض الحاد والسريع في سعر الدولار مقابل الليرة السورية، التي كانت قد سجلت تدهورًا سريعًا غير مسبوق الشهر الماضي لتلامس عتبة 700 ليرة مقابل الدولار الواحد، وأدت إلى جمود في حركة البيع والشراء مع ارتفاع فوضوي في أسعار السلع والمواد الأساسية.
وفجأة وبعد نحو أسبوع من إعلان المصرف المركزي السوري تدخله لكبح تدهور قيمة الليرة، بدأ سعر الليرة يتحسن وانخفض سعر الدولار خلال أقل من أسبوع إلى ما يقارب 450 ليرة. وفي مفارقة غير مسبوقة حيرت التجار السوريين هي أن سعر الصرف الرسمي في المصرف المركزي ظل أعلى من سعر الصرف في السوق السوداء بفارق يعادل 100 ليرة، فبينما سعر الصرف في المركزي نحو 515 ليرة للدولار الواحد، هبط في السوق السوداء إلى نحو 400 ليرة في بعض المناطق.
ولا يجزم اقتصاديون متابعون أن يكون هذا التحسن المفاجئ هو فقط نتيجة لحزمة الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي لإنقاذ الليرة السورية، بل يردون أسبابها إلى أمور أخرى غير معلومة بعد. ويؤكد رجل أعمال سوري مقيم في دمشق أن وراء «الصعود الحاد والهبوط القسري لعبة مالية كبيرة وطويلة الأمد، هدفها إيجاد مصدر دخل بديل بعد خسارة الموارد الأخرى للنفط وانعدام التصدير». وتوقع رجل الأعمال ألا يثبت سعر الدولار عند حد معين طويلاً، «بل سيعود للارتفاع مجددًا ثم الهبوط وهكذا».
وفي كل مرة يرتفع فيها سعر الصرف يصرح المسؤولون عن السياسات المالية في النظام السوري، بأنه «ارتفاع غير منطقي سببه المضاربات على العملة المحلية»، بينما يتهم اقتصاديون معارضون، النظام، بالتلاعب بسعر الصرف بهدف نهب ما تبقى من مدخرات لدى السوريين. وكتب رجل الأعمال الشاب (ع. ط) المعارض على صفحته بموقع «فيسبوك»: «في اقتصاد دولة يعاني نسبة كبيرة من مواطنيها من الفقر، يكون قسم كبير من المغتربين ملتزمين بإرسال مساعدات دورية لأهلهم كي يبقوا على قيد الحياة، وتزداد هذه المساعدات في شهر رمضان المبارك خصوصًا من يخرج الزكاة. وعندما تكون هذه الدولة محكومة من عصابة مافيا، يهبط الدولار إلى أدنى مستوياته كي تقل الفائدة، وبنفس الوقت لا تهبط الأسعار.. مافيا بمقعد رسمي بالأمم المتحدة»!
وكان المصرف المركزي السوري اتخذ حزمة إجراءات إسعافية، منها أنه فرض على الصيارفة شراء كميات كبيرة من الدولار بسعر محدد مقابل التهديد بالإغلاق. كما قرر زيادة المعروض من القطع الأجنبي، بحيث يؤدي القرار إلى إعادة المصدّرين لبيع قطع التصدير في السوق، أو استخدامه لتمويل احتياجاتهم من المواد الأولية المستوردة اللازمة للتصنيع، مما يعني ضخ مئات الملايين من الدولارات في السوق واتجاه سعر الصرف نحو مزيد من الانخفاض. كما سمح المركزي للمصارف بإيداع قيمة الحوالات الشخصية الواردة بالقطع الأجنبي حصرًا، في حال رغبة مستلم الحوالة، في حساب خاص، بحيث يمكن لصاحب الحوالة السحب منه متى شاء كليًا أو جزئيًا بالليرات السورية، وبسعر صرف الحوالات المحدّد من قبل «المركزي» بتاريخ السحب، من قِبل صاحب الحوالة، مع تأكيد إمكانية تنفيذ الحوالة مباشرة بالليرات السورية وفقًا لرغبة صاحب الحوالة.
إلا أن التحدي الأهم بحسب تاجر أقمشة دمشقي، ليس في تحسن سريع لسعر الليرة، بل في تثبيت سعرها، وقال إنه عندما ارتفع سعر الدولار بشكل مفاجئ، لم يعد قادرًا على البيع وفضل إغلاق محله عدة أيام على أمل أن يستقر السعر، لكنه واصل الارتفاع، فاضطر للعودة إلى السوق واشترى بضاعة بسعر مرتفع، وعندما هبط سعر الدولار أغلق محله مجددًا، فهو غير قادر على بيع بضاعته بالخسارة. واتهم التاجر الدمشقي حكومة النظام بالتآمر على صغار التجار في البلد لسلب ما تبقى لديهم من أموال، مشيرًا إلى أنها مؤامرة يدفع ثمنها الشعب السوري الذي بات بغالبيته العظمى من «أفقر شعوب العالم».
وبحسب مصادر في دمشق تسبب هبوط الدولار وما جره من خسائر فادحة بحالة من الضيق لدى صغار التجار وأصيب عدد منهم بالجلطة. وبينما عبر الموالون للنظام عن شماتتهم بالتجار، إذ يعتبرونهم سبب ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية، كتب رئيس مجلس إدارة اتحاد غرف الصناعة في سوريا فارس الشهابي على حسابه بموقع «فيسبوك»: «إذا كنا نستطيع فعل ما لم تستطع أي دولة في العالم عبر التاريخ فعله في تخفيض أسعار الصرف بهذه السرعة الضوئية، لماذا لم نفعل ذلك من قبل لكي لا يتمكن بعض التجار من رفع أسعارهم أصلاً؟ هل اكتشفنا معادلة اقتصادية نقدية جديدة لم تكن موجودة سابقًا تؤهلنا للفوز بجائزة نوبل للاقتصاد؟ هذه الهزات النقدية الكبرى صعودًا وهبوطًا تدمر الطبقات الوسطى والفقيرة». وسبق منشوره بآخر اختصر فيه المشهد بحسب رؤيته: «سمحنا للمواطن بادخار الدولار والمرابحة به.. ثم قررنا فجأة معاقبته وإفلاسه.. الدولار يجب أن يذهب لدعم الإنتاج فقط».
وكعادة السوريين مع كل حدث يمس حياتهم المعيشية الصعبة ولا يعرفون خلفياته، يطلقون موجة من السخرية، فإذا كانت من المعارضة فهي تضمر الشك بالسياسات المالية لحكومة النظام، وإذا كانت من الموالين فتهدف لترويج فكرة قدرة اقتصاد النظام على الصمود، كأن ينشروا صورًا لساندويتش أو عرنوس ذرة مسلوق ملفوفين بورق نقدي من فئة المائة دولار، وصورًا للرئيس الأميركي باراك أوباما يطلب عبر الهاتف من مساعديه سحب الكميات المتوفرة من الليرة السورية من السوق، ذلك عدا ترويج قصص وفيديوهات لمواطنين يريدون التخلص من مدخراتهم من الدولار بأي طريقة قبل أن يهبط سعره أكثر فأكثر.
أما المعارضون الذين يعتبرون ما يجري لعبة مكررة، فيعيدون للأذهان أنه سبق وحصل الأمر ذاته عام 2013 وفي نفس التوقيت على أبواب شهر رمضان الكريم، حيث ارتفع سعر الدولار فجأة ليتجاوز عتبة 350 ليرة، بعد أن كان سعره يتأرجح عند حدود 180 أو 200 ليرة، وخلال أقل من أسبوع تمت إعادة السعر إلى حدود 200 ليرة، ليستقر فترة قبل أن يعاود الصعود، دون أن يؤثر ذلك على أسعار السلع التي ترتفع بشكل عشوائي لتقضي على القدرة الشرائية لدى الغالبية العظمى من السوريين.
ويسخر هادي عرفة العامل بمحل لبيع الأدوات المنزلية مما يجري، بالقول: «أطالب بعقد جلسة عاجلة للبنك المركزي الأميركي للتدخل ووقف (شرشحة الدولار في سوريا)». ويضيف: «إذا استمر الأمر على هذا النحو سينهار الاقتصاد العالمي ولن يبقى سوى الاقتصاد السوري ليهيمن على العالم». أما تميم. ر، فلا يبدو مهتمًا كثيرًا بأسعار الصرف والاقتصاد، وما يعنيه شيء واحد فقط أنه «استيقظ صباح أمس الأربعاء، ووجد غالبية المحلات مغلقة في حيه الدمشقي كأن هناك حالة إضراب عام»، وهو يريد أن يشتري شيئًا ليأكله وعلبة تبغ قبل أن يذهب إلى عمله، ويقول: «مللنا من كل شيء، لا أريد التفكير بأي شيء، أريد أن آكل وأدخن، فقط».
9:59 دقيقه
تجار يصابون بالجلطة وآخرون يغلقون محالهم بانتظار تثبيت سعر الليرة
https://aawsat.com/home/article/656076/%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1-%D9%8A%D8%B5%D8%A7%D8%A8%D9%88%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D9%88%D8%A2%D8%AE%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%BA%D9%84%D9%82%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D8%B1-%D8%AA%D8%AB%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%B1%D8%A9
تجار يصابون بالجلطة وآخرون يغلقون محالهم بانتظار تثبيت سعر الليرة
صعود حاد غير مسبوق يتبعه انخفاض سريع في سعر الليرة مقابل الدولار
صراف عملات أجنبية داخل محله في القسم الشرقي من حلب منتصف الشهر الماضي (رويترز)
تجار يصابون بالجلطة وآخرون يغلقون محالهم بانتظار تثبيت سعر الليرة
صراف عملات أجنبية داخل محله في القسم الشرقي من حلب منتصف الشهر الماضي (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة











