الخوف من كارثة محدقة في خضم القتال بالفلوجة

توقعات بمعركة طويلة تمتد لأشهر.. ومنظمات الإغاثة في سباق مع الزمن لتفادي حمام دم

الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
TT

الخوف من كارثة محدقة في خضم القتال بالفلوجة

الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)

على طول خط المعركة في شمال الفلوجة، تمطر وحدات صغيرة من المقاتلين الشيعة المدينة، وقاطنيها من مقاتلي «داعش»، بكثير من قذائف الهاون والصواريخ.
وتنتشر الكتابات الجدارية ذات الطلاء الأحمر البارز عبر شبكة ممتدة من الحوائط المنخفضة التي تهدمت بفعل الرصاص والقنابل، في حين تنطلق صفارات سيارات الإسعاف التي تلهث في سباق محموم لنقل الجرحى والمصابين لتلقي العلاج في المواقع الخلفية البعيدة عن الجبهة الأمامية.
صارت معركة الفلوجة من المعارك القوية والشرسة داخل المدينة كما هي الحال في خارجها؛ حيث أحاطت القوات العراقية بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم في الوقت الذي تلقى فيه هجمة مرتدة شرسة من قبل مقاتلي «داعش». ولقد تمكن بعض المدنيين من الفرار من الأتون المشتعل في داخل المدينة مع اشتداد أوار المعارك هناك، ولكن مصير عشرات الألوف من المدنيين المحاصرين في المدينة بات من التساؤلات الملحة التي ظلت من دون إجابة شافية حتى هذه اللحظة.
تتناثر أشجار النخيل المثمرة ومساحات من المراعي الخضراء على طول بعض من أجزاء المعركة المستعرة، وهي من المشاهد المألوفة لكل من يتابع المشاهد التلفزيونية لجنود المارينز الأميركيين الذين كانوا يقاتلون على الأرض نفسها منذ قرابة عشر سنوات. ولكن في غالب الأمر، صارت الأراضي بنية اللون وشديدة الجفاف؛ حيث تضررت للغاية إثر القتال المستمر منذ سنوات. وهناك دبابة متفحمة ومجزأة إلى قسمين تستقر عند مفترق أحد الطرق بالمدينة، في حين تتصاعد أعمدة الدخان الأسود على مسافة الرؤية الواضحة بسبب إحدى الغارات الجوية، أو قذيفة من قذائف الهاون، أو سيارة من السيارات المفخخة.
ومما يزيد من كآبة المشهد، تلك السلسلة المعقدة من الأنفاق، التي تعرض بعض منها للقصف الشديد من الغارات الجوية الأميركية خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تمكن تنظيم داعش من حفرها أثناء سيطرته على المنطقة لما يربو على العامين.
وللاقتراب من الجبهة، تقابل فريق المراسلين التابعين لصحيفة «نيويورك تايمز» مع مسؤولين من «منظمة بدر»، وهي من الميليشيات الشيعية الشهيرة التي تتلقى دعما مباشرا من إيران، وذلك عند ناصية أحد الشوارع في بغداد خارج أحد مطاعم الوجبات الشعبية في صباح يوم الأحد الماضي. وقد انضمت سياراتنا مع سياراتهم حتى كونت قافلة صغيرة، وعبر المرور على مختلف نقاط التفتيش المتناثرة عبر الطرق المزدحمة هناك، وصلنا في نهاية المطاف إلى إحدى القواعد الواقعة في شرق الفلوجة، في رحلة استغرقت نحو الساعة أو يزيد.
وفي داخل تلك القاعدة، كانت قوات الأمن العراقية المتنوعة تسيطر على مختلف المناطق؛ فهناك الميليشيات المدعومة من إيران في أحد الأماكن، وهناك قوات النخبة العراقية المتخصصة في مهام مكافحة الإرهاب، التي تعمل عن كثب مع الولايات المتحدة، في مكان آخر، وهناك أيضا قوات الشرطة السنية من الفلوجة، وهم المكلفون بحماية أمن الفلوجة بمجرد استردادها من التنظيم الإرهابي، ويوجدون في مكان آخر بالقاعدة، وبعض الرجال يتضاحكون أعلى إحدى الدبابات الرابضة أثناء تصليح بعض العربات العسكرية المتضررة.
وعلى مقربة من الجبهة الأمامية، تحدث أحد مقاتلي «منظمة بدر» الشيعية، عن التقدم الذي أحرزته القوات العراقية في المناطق النائية من الفلوجة، حيث قال: «إنني مندهش من التقدم الذي أحرزوه حتى الآن، لقد توقعنا أن تكون معركة طويلة وشرسة. ومع ذلك، فإن القتال الحقيقي (يعني السيطرة على المدينة بأسلوب قتال الشوارع) لم يبدأ بعد»، وقال إنهم قد يعمدون إلى الإبطاء من وتيرة القتال الرئيسي حتى يسمحوا للمدنيين بالمغادرة في أمان.
وأضاف قائلا: «لدينا قلق وخوف كبير على حياة المدنيين داخل الفلوجة، وقد يكون هناك تأخير في بدء أعمال القتال الرئيسية حتى نسمح للمدنيين بالمغادرة»، وهو يضع في اعتباره التوترات الطائفية التي ارتفعت وتيرتها بشدة مع بدء القتال، ولا سيما مع اقتراب القوات الشيعية الكبيرة من المدينة السنية.
ومن شأن ذلك أن يعيد إلى الأذهان ذكريات معركة الفلوجة الأولى التي كانت في شهر أبريل (نيسان) من عام 2004، عندما شرعت القوات الأميركية في شن هجومها على المدينة، ثم عمدت إلى التراجع بسبب ازدياد المخاوف على أرواح المدنيين الذين لقوا مصرعهم آنذاك. وبعد ذلك، صارت الفلوجة مرادفا وثيق الصلة بالفشل الأميركي في إخماد التمرد المندلع هناك، ولم يتمكن أي من جنود المارينز من دخول شوارع المدينة وتطهيرها إلا بعد مرور سبعة أشهر كاملة، وتحديدا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، في معركة حصدت أرواح ما يقرب من مائة جندي أميركي.
ومعركة الفلوجة الثانية التي حان موعدها، تقاتل فيها مجموعة من القوات الحكومية العراقية، والميليشيات الشيعية ومقاتلي العشائر السنية. وهم يضيقون الخناق الآن على المدينة من طرفيها الشمالي والجنوبي، غير أنهم لم يبدأوا حتى الآن في القتال وصولا لمركز المدينة.
ولا يزال هناك ما يقرب من 50 ألف مدني يقطنون الفلوجة، ولقد انقطعت عنهم منذ فترة طويلة إمدادات الغذاء والدواء بسبب الحصار الحكومي، ويعيشون الآن تحت قصف وحدات المدفعية مع إحكام خطوط القتال الأمامية حول المدينة.
حذر المجلس النرويجي للاجئين يوم الثلاثاء الماضي من «الكارثة التي بدأت تتكشف في الفلوجة»، حيث قال المجلس إن الأوضاع الإنسانية في المدينة باتت تتدهور بوتيرة مخيفة مع اقتراب واشتداد القتال حولها. كما حذرت الأمم المتحدة يوم الثلاثاء أيضا، استنادا إلى معلومات مراسليها في المدينة، من تعرض المدنيين للقتل بسبب القصف الذي تشنه القوات الموالية للحكومة العراقية على المدينة، بما في ذلك سبعة من أفراد عائلة واحدة لقوا مصرعهم قبل بضعة أيام.
وقالت لايز غراندي، المسؤولة عن الملف الإنساني للأمم المتحدة في العراق، عبر مقابلة شخصية أجريت معها: «إنني أشعر بقلق شديد حول ما يجري للمدنيين في الفلوجة الآن».
وأضافت السيدة غراندي قائلة إن المراسلين داخل المدينة قد أخبروا الأمم المتحدة أن مقاتلي «داعش» كانوا ينقلون العائلات إلى مركز المدينة ليتخذوا منهم دروعا بشرية أثناء القتال. وقالت بعض العائلات التي تمكنت من مغادرة المدينة إن هناك مخاوف من تفشي وباء الكوليرا بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية والمياه النظيفة.
وأفادت الأمم المتحدة أن هناك ما يقرب من 3700 مواطنا، وأغلبهم من المناطق النائية المحيطة بالفلوجة، قد تمكنوا من الوصول إلى المناطق الآمنة خلال الأسبوع الماضي. وهناك 500 رجل وصبي فوق سن الـ15 عاما قد تمكنوا من الوصول إلى الخطوط الحكومية، ولكنهم قيد احتجاز السلطات العراقية لاستجوابهم حول أي صلات محتملة مع تنظيم داعش الإرهابي.
وعُزلت مدينة الفلوجة عن العالم منذ سيطرة تنظيم داعش عليها قبل عامين ماضيين، وكانت تعتبر في أدبيات التنظيم موطئ قدم راسخة لمزيد من الفتوحات في شمال وغرب العراق. وبرزت إلى النور لمحة من لمحات الظلام الذي ظل يكتنف مختلف أرجاء المدينة في وقت مبكر من يوم الثلاثاء الماضي، عندما تمكنت امرأتان من الأقلية الإيزيدية الدينية من الوصول إلى المناطق الآمنة عن طريق عبور نهر الفرات في أحد القوارب، وكان السلطات تعتقد بإلقاء التنظيم الإرهابي القبض عليهما في شمال العراق، واعتقلا في الفلوجة ربما سبايا لدى مقاتلي التنظيم.
وقد انتقلت فيان دخيل، وهي من أعضاء البرلمان العراقي عن الطائفة الإيزيدية، إلى العاصمة بغداد يوم الثلاثاء لمقابلة المرأتين، وقالت إنها تعتقد أن هناك مزيدا من النساء الإيزيديات المعتقلات داخل المدينة. وصرحت في مقابلة شخصية تقول: «لا علم لدي بالرقم الحقيقي، ولكنني متأكدة من أنهن كثيرات للغاية».
وقال العقيد صادق خليل، من الشرطة الاتحادية العراقية، يوم الأحد الماضي حيث كان يقف في أحد بساتين النخيل، إن تنظيم داعش أطلق العنان لكامل ترسانته من الأسلحة لرجاله: من حيث القناصة، والمنازل المفخخة، والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق.
وأكد العقيد خليل على أن رجاله، وكانوا عبارة عن فريق لقذائف الهاون مجتمع حوله، وسط صناديق متعددة مفتوحة تحمل قذائف الهاون، كانوا يتقدمون تقدما حثيثا من أجل حماية المدنيين. وقال العقيد خليل مضيفا: «كان القتال شرسا للغاية»، ولكنه سرعان ما استطرد مضيفا: «المعارك في المناطق المأهولة سوف تكون الأصعب والأشرس»، في إشارة إلى القلب المكتظ بالسكان من الفلوجة.
يعتقد المسؤولون العاملون في مجال الإغاثة الإنسانية في العراق أنهم في سباق مع الزمن لتفادي ما يخشون أن يكون حماما من الدم ما إن شنت القوات العراقية هجومها على مركز المدينة. ولقد ازدادت مثل تلك المخاوف صبيحة يوم الاثنين الماضي عندما غادرت قوات مكافحة الإرهاب العراقية المدعومة من الولايات المتحدة قواعدها وتقدمت صوب جنوب المدينة ونحو مركزها.
وقد أكدت التصريحات التي أفاد بها القادة العسكريون لمختلف وسائل الإعلام – زورا – أن قوات مكافحة الإرهاب قد دخلت المدينة بالفعل وبدأت تقاتل دفاعا عنها. ولكن بدا الأمر واضحا يوم الثلاثاء من أن تقدم تلك القوات قد توقف في مواجهة المقاومة العنيفة من قبل مقاتلي «داعش».
جذبت المعركة من أجل الفلوجة انتباه وسائل الإعلام في أعقاب سلسلة من الاضطرابات السياسية التي شهدت احتجاجات ضخمة عصفت بالمنطقة الخضراء في العاصمة بغداد ومبنى البرلمان. ووفقا لذلك، كانت هناك حرب أخرى تدور رحاها في وسائل الإعلام العراقية، حيث حافظت مختلف القوى المؤثرة على حرب البيانات والتصريحات السياسية التي تزعم تحقيق النجاحات العسكرية في ميدان القتال، وبعض منها، كما كان الأمر يوم الاثنين، لم يكن قد بدأ بعد.
وكما أصبح واضحا، كما كان بعد ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي، فإنه ما من شيء يسمى النصر السريع في الفلوجة. وحثت قيادة العمليات العسكرية المشتركة، وهي مركز قيادة الجيش العراقي، إلى جانب قوات الشرطة الاتحادية، وقيادة الميليشيات الشيعية، مختلف وسائل الإعلام على أن تتوخى الحذر فيما تنشره من أخبار حول معركة الفلوجة، وعدم التسرع في نشر المعلومات والأنباء قبل مراجعة المصادر والتحقق منها قبل نشرها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
TT

الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)

حذّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من كارثة صحية وشيكة في مدينة تعز، مع استمرار الحصار الذي يفرضه الحوثيون على المدينة، واقتراب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية؛ مما يضع حياة آلاف المرضى على المحك.

وقالت الوزارة، في بيان، إن ما تشهده تعز لا يقتصر على أزمة في الإمدادات الطبية، «بل يمثل تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى والأطفال والنساء الحوامل وحديثي الولادة، الذين يعتمدون على استمرار الخدمات الصحية لإنقاذ حياتهم وتخفيف معاناتهم».

وأكدت أن «خلف كل سرير في المستشفى إنساناً ينتظر العلاج، وخلف كل نداء استغاثة أسرة تخشى فقدان أحد أفرادها، وأن كل نقص في دواء أو وقود قد يحوّل حالة قابلة للعلاج إلى مأساة لا يمكن تداركها».

ونبّهت الوزارة إلى أن «استمرار الوضع قد يؤدي إلى توقف خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة وغسل الكلى وحضانات الأطفال حديثي الولادة، بما يعرّض حياة المرضى الأكثر هشاشة لمخاطر جسيمة». كما أن «النقص الحاد في الوقود يهدد بتوقف مولدات الكهرباء، وسيارات الإسعاف، وتعطل سلاسل التبريد اللازمة لحفظ الأدوية واللقاحات، الأمر الذي قد يحرم المرضى من الرعاية المنقذة للحياة، ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة ووفيات يمكن تفاديها».

الحوثيون يفرضون حصاراً محكماً على مدينة تعز (إعلام محلي)

وأكدت الوزارة أن المرضى ينبغي ألا يدفعوا ثمن الصراع من حياتهم، وأن المستشفيات يجب أن تظل «ملاذاً آمناً لكل من يحتاج إلى العلاج، لا أن تتحول إلى مرافق عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات؛ بسبب انقطاع الإمدادات وتعذر الوصول إليها». وقالت إن «كل ساعة تأخير في وصول الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية تضاعف المخاطر، وتضيّق فرص إنقاذ الأرواح، وتزيد معاناة المرضى وأسرهم».

مطالب بفتح الطرق

حمّلت وزارة الصحة اليمنية الحوثيين المسؤولية عن الحصار وعرقلة وصول الإمدادات، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وإنسانية، مطالبة برفع الحصار فوراً وفتح طرق الإمداد دون تأخير أو عوائق، وضمان المرور الآمن للمرضى والجرحى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الصحية إلى جميع المرافق المحتاجة.

ودعت الوزارةُ الأممَ المتحدة والمنظماتِ الإنسانية والشركاءَ الدوليين والجهاتِ الداعمةَ للقطاع الصحي إلى «تحرك عاجل وفاعل يتناسب مع حجم التهديد، والعمل على إيصال الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والأكسجين والوقود بصورة فورية وآمنة إلى المرافق الصحية في مدينة تعز، بالتنسيق مع الوزارة ومكتب الصحة في المحافظة، مع إعطاء الأولوية القصوى للخدمات المنقذة للحياة وضمان استمرار تشغيل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية».

طفل يمني في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين يبيع عبوات بنزين (أ.ف.ب)

وناشدت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية «عدم الاكتفاء برصد التحذيرات أو التعبير عن القلق، بل اتخاذ خطوات عملية وعاجلة تحول دون انهيار الخدمات الصحية وتحمي المدنيين من تداعيات كارثة يمكن الحد منها إذا جرى التحرك في الوقت المناسب».

وشددت الوزارة على أن حماية المرضى والمرافق الصحية والعاملين فيها، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، «ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤوليات إنسانية تقتضي التحرك الفوري». وأكدت أن «ضمان وصول الرعاية الصحية إلى المحتاجين إليها ضرورة لحماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية».

وقالت إن إنقاذ تعز يبدأ برفع الحصار وفتح طرق الإمداد وضمان وصول العلاج إلى من يحتاج إليه، مشددة على أنه لا يمكن أن يصبح نقص الدواء أو انقطاع الوقود سبباً في فقدان حياة كان بالإمكان إنقاذها.

أزمة صحية تتسع

من جهتها، أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن الخدمات الصحية في المحافظات المتضررة من الصراع تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة الاحتياجات المتصاعدة. وقالت إن نحو نصف المرافق الصحية هناك يفتقر إلى دعم الشركاء، مع استمرار وجود فجوات حرجة في خدمات رعاية الإصابات في الخطوط الأمامية وخدمات الرعاية الصحية المتنقلة.

الحوثيون حشدوا حملة ضخمة من قواتهم لاقتحام أرياف تعز ومحاصرة المدينة (إ.ب.أ)

وقال ممثل «منظمة الصحة العالمية» لدى اليمن، سيد جعفر حسين، إن الوضع يتحول إلى حالة طوارئ معقدة، تزداد فيها الاحتياجات الصحية في وقت تعاني فيه الموارد من ضغوط هائلة.

وأضاف أن حصول المصابين بجروح خطيرة على رعاية الإصابات خلال الساعة الأولى قد يحدد فرص نجاتهم، «إلا إن نقاط تثبيت حالات المصابين على ساحل لحج وفي الضالع تفتقر إلى شركاء لتشغيلها، في حين لا تستطيع سوى وكالات قليلة تقديم رعاية الإصابات، مما يخلّف فجوات حرجة على طول خطوط المواجهة».

وذكرت «المنظمة» أنه بحلول الأسبوع الماضي، لم تتلقَّ خدماتٍ صحيةً سوى نسبة تقل عن واحد في المائة من النازحين جراء التصعيد الأخير، البالغ عددهم 198 ألف شخص.

آلاف النازحين جراء التصعيد الحوثي يعانون غياب الرعاية الصحية والمأوى (أ.ب)

وأضافت أن المستشفيات تعاني نقصاً في «المستلزمات الجراحية، ومواد التخدير، ومستلزمات بنوك الدم، والوقود، في حين أصبحت طرق إيصال الإمدادات الأساسية أبطأ وأكثر تكلفة. كما توقفت خدمات الولادة الطارئة في كل من مأرب ورأس العارة».

وبصفتها الجهة القائدة كتلة الصحة في اليمن، قالت «منظمة الصحة العالمية» إنها تتولى تنسيق الاستجابة وتعمل «مزوّداً لخدمات الملاذ الأخير» في الحالات التي تعجز فيها أي جهة شريكة عن تقديم الخدمات. وأضافت أنها تستعد لـ«تعزيز قدرات تقديم الرعاية الطارئة وعلاج الإصابات، والاستجابة لتفشي الأمراض، وتوفير الخدمات والإمدادات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات رعاية الأمهات والمواليد الجدد».


صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

انعكست الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال على نشاط استوديوهات التصوير في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، مع ارتفاع الطلب على تصميم وطباعة صور القتلى، لاستخدامها في مراسم التشييع والفعاليات التعبوية، وتعليقها في الشوارع والميادين العامة.

وقال عاملون في مجال التصوير لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة كثَّفت خلال الأيام الأخيرة طلباتها لطباعة صور قتلاها بمقاسات مختلفة، موضحين أن آلاف الصور جرى تجهيزها لتلبية احتياجات مراسم التشييع والأنشطة التي تنظمها في مناطق سيطرتها.

وأشاروا إلى أن الجماعة تميّز في أحجام الصور بين القيادات العسكرية والمشرفين الميدانيين الذين تُخصَّص لهم صور كبيرة، والعناصر الأخرى التي تُطبع صورها بمقاسات أصغر، في تفاوت يستمر حتى بعد مقتلهم في الجبهات.

ويتزامن هذا النشاط مع استمرار سقوط قتلى حوثيين في جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع وغيرها، وسط مساعٍ لإبقاء صور القتلى حاضرة في الفضاء العام، وتوظيف مراسم التشييع في التعبئة العسكرية والدعوة إلى مواصلة القتال.

صورة لدورية حوثية تنقل صوراً لقتلى الجماعة (فيسبوك)

وأكدت المصادر أن المطابع التي اعتادت الجماعة الاعتماد عليها لتجهيز صور قتلاها تواجه ضغوطاً متزايدة، بفعل ارتفاع أعداد القتلى وتتابع مراسم التشييع، ما دفعها خلال الأيام العشرة الماضية إلى توسيع نطاق الطباعة، والاستعانة باستوديوهات تصوير خاصة في صنعاء.

وحسب المصادر، تُطبَع أعداد كبيرة من الصور في صنعاء قبل توزيعها على المناطق التي ينتمي إليها القتلى، لتعليقها في الشوارع والأماكن العامة، بالتزامن مع تنظيم مواكب التشييع، والإعلان عن مصرع مزيد من عناصر الجماعة.

وأضافت أن الجماعة أنفقت ملايين الريالات على طباعة الصور لدى محلات التصوير الخاصة خلال الفترة الأخيرة، في ظل ازدياد الطلب على تجهيزها بمقاسات وتصاميم متعددة.

استياء السكان

أثار هذا التحرك استياءً في أوساط السكان في صنعاء الذين استنكروا تخصيص الأموال والجهود لطباعة الصور ونشرها، معتبرين أن ذلك يعكس أولوية مواصلة التعبئة العسكرية، بدلاً من الاهتمام بالأوضاع المعيشية المتدهورة واحتياجات الأسر التي فقدت أبناءها.

وقال «زكي» -وهو عامل في استوديو للتصوير الفوتوغرافي بشارع الستين في صنعاء- إن الطلب على تصميم وطباعة صور قتلى الجماعة ارتفع خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن الطلبات تشمل صوراً بمقاسات مختلفة، تُستخدم في مراسم التشييع، وأخرى تُجهَّز للَّوحات واللافتات التي تُعلَّق في الشوارع والأحياء.

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن تجهيز هذه الصور بات يشكِّل جزءاً ملحوظاً من عمل بعض الاستوديوهات؛ خصوصاً مع ازدياد الطلبات المرتبطة بمراسم التشييع والفعاليات التي تنظمها الجماعة.

من جهته، قال «نعمان» -وهو اسم مستعار لأحد سكان صنعاء- إن صور القتلى باتت حاضرة في عدد من الشوارع والأحياء، مضيفاً أن كل صورة تذكِّر بأُسرة فقدت أحد أبنائها، وتثير تساؤلات بشأن ما تحصل عليه هذه الأسر من رعاية ومساعدات بعد انتهاء مراسم التشييع.

تعبئة تتجاوز التشييع

يرى مراقبون أن التوسع في طباعة صور قتلى الحوثيين يتجاوز كونه نشاطاً تجارياً مرتبطاً بمراسم التشييع، ليعكس جانباً من مساعي الجماعة لتوظيف خسائرها البشرية في تعزيز خطاب التعبئة واستمرار حشد المقاتلين، عبر إبقاء القتلى حاضرين في الشوارع والميادين والفعاليات العامة.

مسلحون حوثيون على متن عربة عسكرية خلال تجمع في صنعاء (رويترز)

ويشير هؤلاء إلى أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتعبئة يطرح تساؤلات بشأن مصير الأسر التي فقدت أبناءها في جبهات القتال، ومدى حصولها على الرعاية والدعم اللازمين؛ خصوصاً عندما يكون القتيل عائل الأسرة أو أحد مصادر دخلها.

وفي ظل تفاقم الأعباء المعيشية وتدهور الخدمات، يرى مراقبون أن الإنفاق على طباعة صور القتلى وتوزيعها يكشف اختلالاً في أولويات الجماعة، التي تواصل تسخير الموارد للأنشطة التعبوية، بينما يواجه السكان أزمات معيشية خانقة، وتكابِد أسر القتلى تداعيات فقدان أبنائها.


جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
TT

جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها السابع، الأحد، مع اتساع نطاق الضربات الجوية التي تستهدف مواقع الجماعة الحوثية وتعزيزاتها في جبهات تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار العمليات البرية لقوات ألوية العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، ومحاصرة مجموعات من الحوثيين في محيط مضيق باب المندب، وسط تقديرات عسكرية بارتفاع خسائر الجماعة إلى نحو 12 ألف قتيل وجريح خلال الأيام الستة الأولى من العملية.

وامتدت الضربات الجوية من جبهات القتال في تعز إلى مواقع وأهداف عسكرية في مناطق خاضعة للحوثيين داخل صنعاء وصعدة وحجة وإب، في مسار يعكس اتساع الضغط العسكري على الجماعة، بالتوازي مع عمليات إسناد جوي للقوات الحكومية في محاور القتال، ومحاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في الساحل الغربي.

وأعلن المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أن الطيران الحربي شن، الأحد، غارات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تلال المقرمي والجَعشة والسلال شرقي مدينة تعز، إضافة إلى حصن المخعف ومنطقة بلعان في جبهة الأقروض جنوب المحافظة.

قوات الحكومة اليمنية تفرض حصاراً منذ أيام على جيوب حوثية في جبهة باب المندب (أ.ب)

وفي الساحل الغربي، أفادت قوات العمالقة الجنوبية بتدمير خمس مركبات حوثية مدرعة ومقتل من كانوا على متنها، خلال محاولة للتقدم باتجاه مطار ذوباب، كما أعلنت التصدي لهجوم حوثي على مواقعها شمال المطار، وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالمهاجمين، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تعزيزات دفعتها الجماعة إلى المنطقة.

وتأتي هذه المواجهات في وقت تسعى فيه القوات الحكومية إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المحررة في باب المندب وجزيرة ميون وجبال كهبوب، ومنع الحوثيين من استعادة مواقع استراتيجية تطل على المضيق والساحل الغربي، بينما تواصل القوات البرية عملياتها لتوسيع المكاسب الميدانية وتأمين المناطق المحيطة بها.

1900 عملية استهداف خلال يوم

في تطور يعكس كثافة العمليات العسكرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أكثر من 1900 عملية استهداف مباشرة ودقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، في الجبهات الشرقية والغربية والجنوبية الغربية، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن الاستهدافات طالت مخازن الأسلحة والذخائر، والتحصينات والمعسكرات والمواقع العسكرية، والنقاط الواقعة على المرتفعات الحاكمة، إلى جانب مناطق الحشد والتجميع ومرابض المدفعية ووسائط نقل العناصر والإمدادات.

ضربات جوية على مواقع الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (إعلام محلي)

وأضاف النزيلي أن العمليات استهدفت أيضاً أهدافاً عسكرية وصفها بالمشروعة وعالية القيمة في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مشيراً إلى أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1150 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب أكثر من 180 آلية ووسيلة قتالية ونقل وإمداد خلال الفترة ذاتها.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات البرية واصلت تطوير هجومها، محققة تقدماً ميدانياً جديداً، ومستعيدة مواقع إضافية، ومثبتة سيطرتها على مرتفعات ومواقع حاكمة، في إطار مساعيها لتعزيز المكاسب التي تحققت منذ انطلاق العملية.

وفي تعز، اتسعت المواجهات لتشمل محاور متعددة جنوب شرقي المدينة وغربها، حيث أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية واصلتا التصدي لهجمات الحوثيين وتنفيذ عمليات استهداف ضد تجمعاتهم وتحركاتهم.

وذكر موقع «سبتمبر نت»، التابع لوزارة الدفاع اليمنية، أن المواجهات تركزت خلال الساعات الماضية في جبهات الشقب والأقروض جنوب شرقي المدينة، وجبل حبشي غرباً. وتمكنت القوات الحكومية من كسر هجوم حوثي على مواقعها في جبهة الشقب، مما أسفر، وفق الموقع، عن مقتل أكثر من 25 عنصراً من الجماعة وإصابة آخرين.

كما نفذت وحدات عسكرية ومجموعات من المقاومة الشعبية كمائن في جبهات المسراخ والبيرين جنوب المحافظة، وجبل حبشي غرباً، قالت إنها أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين.

وقدمت الطائرات المسيَّرة التابعة لمحور تعز إسناداً جوياً للقوات الحكومية، مستهدفة عناصر الجماعة وأسلحتها وتعزيزاتها، بينما أعلنت القوات إسقاط طائرة مسيَّرة انتحارية حوثية شرقي المدينة.

وامتد الإسناد الجوي إلى مديرية سامع شرقي المحافظة، حيث استهدف الطيران تجمعاً لعناصر الحوثيين ومواقع أخرى، إضافة إلى مدفع في منطقة مسلقة بمديرية جبل حبشي. كما نفذ ثلاث غارات على مواقع وتجمعات للجماعة في جبهتي الأقروض وجبل سامع.

تمسك حكومي باستعادة الدولة

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عزم القيادة اليمنية على مواصلة عملية «فجر اليمن» لإنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على المضي في العملية مهما كلف ذلك من تضحيات.

وقال رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني إن العملية تمضي بثبات نحو تحقيق أهدافها، مشيراً إلى استمرار التقدم الميداني لقوات العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، لتأمين باب المندب وذوباب وجبال كهبوب بعد تحريرها من الحوثيين.

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفع شعارات الجماعة وأعلام إيران وحزب الله اللبناني (إ.ب.أ)

وأضاف الزنداني أن المكاسب الميدانية تجسد إرادة اليمنيين في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وأن تضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية تمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.

وقال رئيس الوزراء اليمني إن الحوثيين يواصلون استهداف المدنيين والأعيان المدنية، مشيراً إلى الهجوم الأخير على مطار عدن الدولي، إلى جانب الهجمات والانتهاكات في محافظة تعز. وقال إن هذه الممارسات تكشف عن نهج قائم على العنف والإضرار بمقدرات البلاد، في محاولة لكسر إرادة اليمنيين ومنعهم من استعادة دولتهم.

وجدد الزنداني تقدير الحكومة للدعم السعودي، مؤكداً أن إسناد تحالف دعم الشرعية يمثل عاملاً مهماً في معركة استعادة مؤسسات الدولة وحماية أمن اليمن واستقراره.

وفي موازاة التطورات العسكرية، صعَّد مجلس الوزراء اليمني لهجته إزاء توسيع الحوثيين نطاق الحصار على تعز، محذراً من أن التصعيد الأخير بات يهدد حياة وأمن ومعيشة أكثر من ستة ملايين مواطن في المحافظة.

ووجَّه المجلس الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية بالتنسيق مع السلطة المحلية لحماية السكان، وضمان استمرار الخدمات الأساسية ووصول المساعدات الإنسانية، والاستعداد للتصدي للتهديدات الأمنية، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.

كما دعا المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ممارسة الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات ورفع الحصار، مجدداً التزام الحكومة باستعادة سلطة الدولة وإنهاء الانقلاب، وتحقيق أهداف عملية «فجر اليمن» التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي.