كنز حقيقي لعاشقي الشعر في كل مكان

خمسون عامًا من الشعر الحديث المترجم للإنجليزية

تيد هيوز «شاعر البلاط الملكي».. وفي الاطار غلاف المختارات
تيد هيوز «شاعر البلاط الملكي».. وفي الاطار غلاف المختارات
TT

كنز حقيقي لعاشقي الشعر في كل مكان

تيد هيوز «شاعر البلاط الملكي».. وفي الاطار غلاف المختارات
تيد هيوز «شاعر البلاط الملكي».. وفي الاطار غلاف المختارات

في إطار دراسته الإبداعية للترجمة التي حملت عنوان «ماوس أور رات؟»، طرح العالم اللغوي والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو رأيا مناهضا للحكمة اللاتينية الشائعة حول أن ترجمة نص أدبي عمل يرقى لمستوى الخيانة، بل وطرح احتمالية أن يكون قرار حواء بالتهام ثمرة الشجرة المحرمة ناجم عن ترجمة غير مناسبة للأمر الناهي عن القيام بذلك.
من ناحية أخرى، فإنه على مستوى حياتنا اليومية، يمكن أن تسبب الترجمة توترا، بل وتعارضا بالكثير من مناحي الحياة، حتى بين اللغات المنتمية لأسرة واحدة. على سبيل المثال، فإن فعل «تو تيبل» في الإنجليزية البريطانية يعني «طرح نص أو قرار»، بينما في الإنجليزية الأميركية يعني «سحب نص» كما أشار إيكو، إلى أن لفظ «ماوس» الإنجليزي ويعني فأرا، يشير إلى مخلوق محبوب يجري استئناسه، بينما يشير «رات» وهو لفظ إنجليزي آخر للإشارة إلى «الفأر»، إلى حيوان مثير للاشمئزاز.
وفي روايته المنتمية لأدب الكوميديا السوداء: «بنبن»، صور الروائي الروسي - الأميركي فلاديمير نابوكوف كيف أن سوء فهم بخصوص جدول مواعيد القطارات يدفع البطل، وهو روسي يعيش بالمنفي في أميركا، إلى أن يستقل قطارا مغايرا وينتهي به الحال بمكان لم يكن يرغب في الذهاب إليه.
وإذا كانت ترجمة حتى أكثر النصوص بساطة، مثل كتيب إرشادات كيفية تشغيل غسالة مصنوعة في الصين، لا تخلو من صعوبة، لك أن تتخيل مدى صعوبة ترجمة الشعر. ولا بد أن تكون بطلا مغوارا أو مجنونا متهورا لتقدم على مثل هذه المهمة. أنا شخصيا كنت على هذا المستوى من التهور في سنوات المراهقة، وعملت حينها لحساب «أشنا»، مجلة أدبية تصدر في طهران تولى رئاسة تحريرها أحمد شاملو. وخلال عملي هناك، ترجمت عشرات القصائد، معظمها لشعراء ألمان وفرنسيين من المدرسة الحديثة حتى وصلت إلى قصيدة إديث سيتويل الشهيرة بعنوان «ما يزال المطر يتساقط» التي استغرقت مني ترجمتها أسبوعا كاملا، وتسببت لي في متاعب صحية ووضعت النهاية لأحلامي في أن أصبح مترجما.
لذا؛ يمكنك تخيل كيف كان شعوري عندما واجهت هذا العمل الرائع المتمثل في تجميع لترجمة 250 قصيدة من مدرستي الحداثة وما بعدها لأكثر من عشر لغات.
وجرى اختيار هذه القصائد من بين الأعداد الكثيرة الصادرة من مجلة «مودرن بوتري إن ترانسليشن» (الشعر الحديث مترجما) التي أسسها الراحل تيد هيوز، أحد أعظم شعراء إنجلترا، الذي حاز لقب «شاعر البلاط الملكي»، عام 1965. ويعود الفضل وراء استمرار المجلة على مدار هذه الفترة الطويلة إلى حقيقة أن إنجلترا واحدة من دولتين أو ثلاث بالعالم لا يزال الشعر بها محل اهتمام عميق، بل وربما محل تبجيل.
اللافت أن هذا المزيج الساحر والضخم من قصائد مترجمة لا يتبع نظاما محددا، وإنما يشكل ثمرة أذواق المترجمين الشخصية. وقد رغب المترجمون، والكثير منهم شعراء، في التشارك مع آخرين فيما راق لهم من قصائد. وكما هو متوقع، تنتمي الغالبية العظمى من القصائد الواردة هنا إلى لغات أوروبية، بينها لغات تخص مجتمعات شديدة الصغر من حيث الحجم، مثل الآيرلندية والألمانية الفرانكونية.
أيضا، من الأمور اللافتة في كتاب مقتطفات الشعر هذا عدم وجود ترتيب زمني، ربما لأن الشعر، أو على الأقل الشعر الجيد، لا يعترف بحدود الزمن. بدلا من ذلك، حاول محررو المقتطفات تشييد هيكل يتعلق أساسا بالموضوعات. ومن جديد نجد أن موضوعات الأعمال الشعرية المختارة تعكس في الجزء الأكبر منها الواقع الوجودي للقرن الماضي، عصر الثورات والحروب والإبادات الجماعية والقمع، وكذلك النضال والأمل وانتصار الخير على الشر.
والمؤكد أن عاشقي الشعر سيسعدون بحقيقة عدم قصر الأعمال الشعرية المختارة على الشعراء المعروفين، أمثال الروسي أوسيب ماندلستام، والألماني بيرتلوت بريخت، والإسباني فريدريكو غارسيا لوركا، والإيطالي سيزاري بافيسي، والإيطالية فرزغ فرخزاد.
ويتيح لكتاب المقتطفات الشعرية للقارئ التعرف إلى شعراء لم يسمع بهم من قبل، ومن بين الأمثلة على ذلك البلغاري جيورجي غوسبودينوف وقصيدته الرائعة «أمي تقرأ الشعر»، والأرميني زاهراد وقصيدته القصيرة «عبارة»، والصيني يو جيان وقصيدته الطويلة «الحفر في المواقف». وتتضمن المفاجآت الأخرى قصائد «التسلية» و«الحرية» لهوتشي مينه، الملقب بأبو الاستقلال الفيتنامي، واللتين كتبهما الشاعر داخل السجن.
ويضم الكتاب كذلك أعمال خمسة من الشعراء العرب، وهم العراقي فوزي كريم وقصيدته الساخرة «القصة المعتادة»، والسوداني صادق الراضي وقصيدته الغنائية القصيرة «لا شيء»، والعراقي فاضل السلطاني وقصيدته «شجرة»، وكذلك الفلسطيني سميح القاسم الذي ظهر في الكتاب بمقتطف من قصيدته «استجواب»، ومحمود درويش باثنتين من أطول قصائده.
أيضا، ضم الكتاب بعض الشعراء من أصول عربية الذين نظموا الشعر بلغات أوروبية، وعلى رأسهم المغربي طاهر بن جلون، الروائي الشهير برواياته الفرنسية، وكذلك الشاعر رضا زيلي الذي نظم الشعر بالفرنسية ويضم الكتاب اثنتين من قصائده القصيرة.
على جانب آخر، يتضمن كتاب المقتطفات بعض القصائد الإيرانية المفضلة لدي، والتي حظيت بشهرة في الخارج أكثر من الداخل الإيراني، وبخاصة ميمي خالفاتي وزيبا كارباسي. وهناك أيضا ترجمة لقصيدة فارسية «عزيزتي فهيمة»، موجهة لشابة أعدمها آية الله الخوميني، إلا أن الكتاب يشير إلى القصيدة بوصفها «مجهولة المؤلف»، ربما خوفا من وجود المؤلف داخل إيران، وبالتالي يواجه خطر التعرض للإعدام على أيدي الملالي.
ومن بين الشعراء الإيرانيين المتأخرين المثيرين للإعجاب هاشم شعباني، الذي أعدم في الأحواز في عهد الرئيس حسن روحاني، أو فاطمة اختساري، لكن لم يتم ضم أعمال لهما بالمقتطفات؛ لأنها ظهرت في الغرب بعد الانتهاء من تجميع كتاب المقتطفات الشعرية بالفعل.
اللافت أن القصائد المختارة تتنوع أحجامها، فمثلا تتألف قصيدة إرنست غانديل الألمانية «الوقت يسرع» من كلمة واحدة فحسب، مكتوبة مرات عدة لبناء هرم بصري. أما قصيدة الشاعر الصربي فاسكو بوبا «رأس الرجاء الصالح» فتضم 49 كلمة فقط. في المقابل، نجد أن قصيدة الشاعر باسكال بتيت المعنونة «على أبواب الأسرار» تتجاوز كلماتها الألف كلمة.
والملاحظ أن بعض أهم الشعراء في العصر الحديث، من وجهة نظري على الأقل، غير حاضرين بالكتاب أو تقتصر مشاركتهم على قصيدة وحيدة، ومن بين هؤلاء البولندية الرائعة فيسلافا سزيمبروسكا بقصيدتها القصيرة «براءة»، في الوقت الذي يغيب يوجينو مونتالي وكذلك يورغ لويس بورغيس. ونظرا لأن القصائد جرى ترجمتها من قبل الكثيرين، وتولى ترجمة البعض شعراؤها أنفسهم، فإن كتاب المقتطفات يعكس ثراءً في الأساليب والنبرات، ليقدم بذلك في الواقع، فإن دار نشر «بلودأكس» ذاتها أشبه بمعجزة فازت بها إنجلترا؛ لكونها واحدة من بضع دور نشر داخل أوروبا لا تزال قائمة وعاملة بالاعتماد فقط على الأعمال الشعرية. في الحقيقة أن هذا الكتاب من المقتطفات الشعرية أشبه بقوس قزح، قال عنه إرنست جاندل «إن قلبك سيقفز من مكانه جذلا لدى رؤيته».
مراكز المحن: الاحتفال بخمسين عامًا من الشعر الحديث المترجم
تحرير: ساشا دودغيل، ديفيد وهيلين كونستانتين
دار نشر: بلودأكس بكس، لندن، 2016



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.