الفكر بين الشعبوي والنخبوي

عبارة {البرج العاجي} ظلت تطارد أطروحات المفكرين

الفكر بين الشعبوي والنخبوي
TT

الفكر بين الشعبوي والنخبوي

الفكر بين الشعبوي والنخبوي

هي من المسائل أو الخلافات الأبدية على ما يبدو. دشنتها في الثقافة اليونانية أسطورة بروميثيوس الذي سرق النار فأغضب الآلهة فعاقبته، ذلك أن النار قبس المعرفة التي يجب أن تبقى حكرًا على الآلهة أو النخبة ولم يكن ينبغي أن ينالها البشر. وهي المعضلة التي واجهها الفكر اليوناني بصور مختلفة أشهرها آراء سقراط التي أثرت على فكر العامة وما أثاره ذلك من مخاوف لدى المؤسسة الدينية والسياسية فعاقبته أيضًا بتجريعه السم، فهو بروميثيوس آخر. جمهورية أفلاطون التي سيحكمها الفلاسفة كانت تدشينًا لطوباوية فكرية لم تنفك تغازل أحلام العلماء والمثقفين عامة، المفكرين منهم بشكل خاص منذ الأزل، استمرأها الفارابي في مدينته الفاضلة مدركًا استحالة تحقيقها وموظفًا إياها للتعبير عن آراء في السياسة والدين لم يكن بغيرها قادرًا على توصيل بعض أفكاره التي كان يمكن أن يعاقب عليها. وفي الخطاب الديني يؤكد البعض أن أهل الحل والعقد أو ولاة الأمر هم العلماء، وليس أولئك البعض في واقع الأمر سوى أحد نماذج كثيرة تشير إلى تأكيد النخبة على تفوقها وأحقيتها في السلطة.
في عصرنا الحديث ظلت عبارة البرج العاجي تطارد أطروحات المفكرين حيثما حلوا وأينما كتبوا، يطلقها من يجدون في أطروحات أولئك المفكرين تعاليًا على مشكلاتهم الملحة وانشغالاً بما ليس ذا قيمة أو ما ليس ملحًا من الناحية العملية، ومع أن الوصف ليس دائمًا في غير محله، إنصافًا لمن يطلقه، فإنه كثيرًا ما يعبر عن ضيق بالأطروحات المعمقة والجادة ودفعًا للنتاج الفكري لكي ينشغل بالآني والسهل من القضايا فقط لأنها تمثل احتياجًا قريب المتناول. غير أن ذلك كله يندرج في الجدل القديم المحتدم حول ما إذا كان على الفكر الفلسفي والاجتماعي والنفسي وغيره أن ينزل إلى الشارع وينشغل باليومي والعملي أم أن يبقى منشغلاً بقضايا يراها أعمق وأكثر ديمومة وأبعد أثرًا.
المفكرون المسلمون قديمًا شعروا بهذا المأزق فأفردوا كتبًا يقرأها العامة وأخرى للخاصة سماها بعضهم «المضنون به على غير أهله». في كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» يلوم ابن رشد الغزالي على أنه أتاح للعامة الاطلاع على كتب ومسائل ليست من شأنهم بل إنها تنطوي على خطورة عليهم لعدم امتلاكهم لأدوات البحث والتفكير فيها وكان مدار الخلاف مسألة التأويل. وقد انطلق ابن رشد في حجاجه من تصنيف الناس في ثلاثة مراتب: الأول الخطابيون وهم ليسوا «من أهل التأويل أصلاً... الذين هم الجمهور الغالب»؛ والثاني «أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون، بالطبع فقط»؛ والثالث هم «أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة». المرتبة الأولى أو الأدنى هم عامة الناس في تعبيرنا اليوم، أما المرتبة الثانية فهي قريبة ممن نسميهم اليوم المثقفين، أي أهل الثقافة العامة دون أن يكونوا مختصين، بينما المرتبة الثالثة الأرفع فهي لمن نسميهم اليوم الفلاسفة أو المفكرين.
لا أحد اليوم في تقديري سيقول هذا الكلام اليوم بالشكل المباشر الذي طرحه ابن رشد (علما بأنه لم يكن يتوقع أن يقرأ ما كتبه عامة الناس لصعوبة وصول الكتب إليهم في ذلك الحين)، لكن الكثيرين سيتفقون على أن التمييز بين العامة والمثقفين صحيح. ومع ذلك فمن غير الممكن أن يدعي أحد أن هناك كتبًا اليوم أو أفكارًا أو أطروحات تكون لأحد دون غيرهم. الكتب والأفكار والأطروحات إن حجبت أو احتجبت فسيكون ذلك من صنعها هي، أي إنها قد تحجب نفسها بنفسها تبعًا لتخصصها وصعوبة منالها على غير أهل الاختصاص أو قليلي البضاعة في المجال الذي تتناوله أو تطرح فيه تلك الأفكار. فالتراتبية قائمة لكن ليس بالشكل المعلن أو المفروض. ويعود هذا بالطبع إلى عوامل كثيرة أهمها انحسار الأمية وانتشار الطباعة وفي عصرنا الحالي انتشار وسائل التواصل والنشر التي تتيح الكثير وليس بالضرورة الكل للكل.
هذا الشيوع للمعرفة ووسائل الوصول إليها وإنتاجها يعيد طرح السؤال حول مسؤولية الإنتاج الفكري، هل يجب عليه التبسط في القضايا المطروحة وأساليب طرحها أم عليه أن ينشغل بما يراه أكثر أهمية وإن كان أصعب منالاً على عامة المتلقين والمتابعين. المؤيدون للتبسط يؤمنون بديمقراطية المعرفة وأن مسؤولية الفكر الأولى هي في التوعية الجماهيرية، لأن ذلك أهم من الانشغال بقضايا تهم فئة قليلة ولا تؤثر في حياة الآخرين ومشكلاتهم وتفكيرهم. أما الجانب الآخر فينظر في احتمال أن يؤدي ذلك الانشغال إلى تسطيح الفكر وتجريده من صفة الفكر أساسًا، على أساس أن هناك قضايا كبرى بعيدة عن اليومي والعاجل: قضايا في الأخلاق والمعرفة والوجود والسياسة والجمال والمعنى وغير ذلك مما يحتاج اشتغالاً فلسفيًا معمقًا لتناولها.
مع استمرار الانشقاق بين الاتجاهين، الشعبوي والنخبوي (والصفتان قاصرتان بطبيعة الحال)، تزداد الحاجة إلى من يرأب الصدع ويقرب المسافة، أي إلى من سماهم ابن رشد الجدليين، أي المثقفين. والمثقفون هنا أقرب إلى من نصفهم بالطبقة الوسطى من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، الطبقة التي تعد من ظواهر العصر الحديث. المثقفون ينتمون إلى تلك الطبقة غالبًا، لكن معيار الانتماء إلى فئتهم يختلف عنه في تصنيف الطبقة الوسطى. هنا لا نتحدث عن الدخل أو المكانة الاجتماعية وإنما عن مؤهلات تعليمية وإمكانيات في الاطلاع والتحليل تؤهل الفرد للاشتغال على قضايا عامة والاتكاء في ذلك على أطروحات فكرية، أي على ما ينتجه من نسميهم مفكرين أو فلاسفة. ومع أن كثيرًا من هؤلاء يمارسون هذا الدور الحيوي باستمرارية تبقيهم في دورهم ومكانهم فإن بعضهم يأتون من فئة المفكرين نفسها ليشاركوا في توصيل الفكر إلى الجمهور الأكبر، أي إن لديهم أطروحات فكرية معمقة واشتغالات فلسفية يصعب على أي أحد أن يستوعبها دون تأهيل خاص لكنهم يتركونها لبعض الوقت لينشغلوا بمخاطبة القطاع العريض من القراء، أي ما كان يفعله الفلاسفة القدامى حين يخصصون جزءًا من نتاجهم لعامة القراء وجزءًا للخاصة. الفرق هو أن ديمقراطية الثقافة اليوم وسهولة الوصول للمعرفة تذيب الفواصل بين هذه الأنواع من الإنتاج فيصعب التمييز بين هذا وذاك.
ولأوضح ما أقول سأضرب مثالاً لمفكرين مثل علي حرب ومحمد عابد الجابري وإدوارد سعيد. هؤلاء الثلاثة لهم كتب تعد من كتب الخاصة إما في طبيعة المعرفة أو في تكوين العقل أو في بنية المعرفة النقدية مما يصعب على كثير من القراء التعامل معه بيسر. لكن لهم كتبًا تتناول الملح والمهم دون شك وبأساليب تسهل الوصول إلى تلك القضايا كالعولمة والإسلام والغرب وقضية فلسطين، أي كتب أهل الجدل بتعبير ابن رشد. وينسحب ذلك على الكثير من المشتغلين في مجال الفكر. لكن هل يلغي هذا اللون من الانتقال أو هذه الألوان من الكتابة الفجوة التي أشرت إليها أو يخففها إلى حد تحويلها إلى هامش يسهل تجاهله؟ لا أعتقد، وأغلب الظن أنه لم يتحقق في أي مجتمع معروف حتى الآن مهما بلغ مستوى التعليم أو الثقافة فيه. ستظل اهتمامات الناس متفاوتة بل وتراتبية في طبيعتها وأهميتها ومن المتوقع أن تكون كذلك ليكون بيننا من ينشغل بما يراه عميقًا وأساسيا وبمنهجية تتناسب مع ذلك، دون أن نفقد من يتناول اليومي والعاجل لأنه ليس أقل أهمية بالتأكيد ولكن له أساليب طرحه المختلفة. على أننا نظل بحاجة أكبر فيما يبدو إلى من يجسر المسافة بين المنطقتين على النحو الذي يعمق الوعي باليومي ويبسط الفهم للجوهري.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.