تحديات تنتظر وزير الطاقة السعودي الجديد

توحيد «أوبك» وتوطين الصناعة وتطوير آليات التخاطب والتواصل مع السوق.. من أبرزها

على السعودية أن تعمل الآن على الإبقاء على أسعار النفط في مستويات حول المستويات الحالية.. وفي الإطار خالد الفالح وزير الطاقة السعودي الجديد
على السعودية أن تعمل الآن على الإبقاء على أسعار النفط في مستويات حول المستويات الحالية.. وفي الإطار خالد الفالح وزير الطاقة السعودي الجديد
TT

تحديات تنتظر وزير الطاقة السعودي الجديد

على السعودية أن تعمل الآن على الإبقاء على أسعار النفط في مستويات حول المستويات الحالية.. وفي الإطار خالد الفالح وزير الطاقة السعودي الجديد
على السعودية أن تعمل الآن على الإبقاء على أسعار النفط في مستويات حول المستويات الحالية.. وفي الإطار خالد الفالح وزير الطاقة السعودي الجديد

في الثاني من يونيو (حزيران)، وفي قاعة الاجتماعات الرئيسية المفتوحة في الطابق الثاني من ذلك المبنى الزجاجي الواقع على شارع هيلفرشتروفر شتراسه في قلب العاصمة النمساوية فيينا، سيطل وجه جديد على الوزراء المجتمعين حول الطاولة الضخمة.
وسيجد خالد الفالح الرجل الذي بنى مسيرته المهنية في شركة أرامكو السعودية نفسه وسط حشد من الوزراء لم يسبق له التعامل معهم من قبل، وسيجد على نفس الصف الذي يجلس عليه على يمينه بعيدًا بخطوات قليلة وزير الطاقة القطري محمد السادة، وعلى يساره وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي.
أما في الناحية المقابلة من الطاولة فسيجد وزير النفط الإيراني بيغن نامدار زنغنه، الذي لن يأتي للتفاوض حول أي شيء يقلل من إنتاج إيران أو يكبحه.
ولن يجد الفالح نفسه وحيدًا في مواجهة كل هؤلاء، بل سيجد بجانبه يمنا نائب وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي اعتاد على الحضور إلى هذه الاجتماعات منذ عام 1987، وعلى يساره سيكون محافظ المملكة في «أوبك» الدكتور محمد الماضي، أحد مهندسي السياسة النفطية في الوزارة، والذي عمل في تسويق النفط السعودي لسنوات طويلة. وفي المقاعد من خلفهم سيكون هناك بلا شك باقي وفد المملكة إلى «أوبك»، والذي في الغالب سيضم الممثل الوطني للسعودية في «أوبك» وبقية المستشارين في الوزارة.
وسيكون هذا الاجتماع هو الأول للفالح، وسيجلس على نفس الكرسي الذي جلس عليه من قبله أربعة وزراء، آخرهم علي النعيمي، والذي خاض حروبًا مريرة وشرسة على مدى 20 عامًا لإدارة السوق والمنظمة التي يعرف عن أعضائها عدم التزامهم بأي سقف للإنتاج يتفقون عليه فيما بينهم إلا فيما ندر. وسيخوض الفالح نفس التحدي، وسيجد أمامه منظمة منقسمة حول الأسعار، ومنقسمة حول سياسة الدفاع عن الحصة السوقية بدلاً من الأسعار، وهي الاستراتيجية التي أقنعهم بها النعيمي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، والتي بدأت تؤتي أكلها بعد عام ونصف، وبدأت السوق في طريقها إلى التعافي.
ولكن التحديات كثيرة أمام وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية الجديد ولن تكون كلها منصبة على «أوبك»، فبعضها دولي على مستوى الصناعة ومستوى «أوبك»، وبعضها محلي على مستوى الوزارة وخطط المملكة لبناء اقتصاد غير نفطي، وفيما يلي أبرز التحديات التي ستواجه الوزير الجديد:
أول وأبرز التحديات هي الحفاظ على وحدة الصف في «أوبك»، حيث باتت المنظمة اليوم في أضعف حالاتها، ويعتبر أغلب المراقبين في السوق أن المنظمة إما في غيبوبة أو أنها توفيت، لأنها لم تعد قادرة على فرض سياسات موحدة تخدم السوق ومصالح دولها الأعضاء، إضافة إلى الخلافات المستمرة حول الحصص السوقية بين أعضائها.
وقد يكون جملة «موت أوبك» مبالغًا فيها، إذ إن المنظمة ما زالت تعمل وما زال وزراؤها يجتمعون، ولا يزال التنسيق قائم بينهم كما حدث مؤخرًا في الدوحة عندما اجتمعوا بهدف تثبيت إنتاجهم. وقد يكون اجتماع الدوحة ترك أثرًا سلبيًا على سمعة المنظمة في السوق إذ لم يتوصل الدول إلى اتفاق، ولكن التنسيق العالي بينهم ميزة إيجابية يراها البعض. ويقول مندوب الكويت الوطني السابق في «أوبك» عبد الصمد العوضي لـ«الشرق الأوسط»: «(أوبك) اليوم في حالة مزرية جدًا، والسعودية هي القائد الفعلي للمنظمة بلا شك، وإذا ما أرادت السعودية إنقاذ (أوبك) فعليها التوقف عن إضاعة الوقت في التعاون مع الدول خارج (أوبك)، ويجب التركيز على دول المنظمة، وفرض سياسات تأخذ بالحسبان الواقع الاقتصادي الصعب لكل الدول الأعضاء». وإحدى مشكلات «أوبك» السابقة هي عدم انصياعهم والتزامهم بالقرارات، ولكن الدكتور سداد الحسيني، الخبير النفطي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الفالح قادر على تجاوز هذا التحدي، لأنه «يملك شخصية قوية قادرة على التعامل بحزم مع الدول التي لا تلتزم بالاتفاقات».
وبالحديث عن «أوبك» والسياسة البترولية السعودية، هناك تحدٍ آخر وهو تطوير آليات التواصل مع السوق، وتطوير السياسة الإعلامية لوزارة الطاقة. ويرى الكثير من المحللين في السوق أن السياسة الإعلامية لوزارة البترول سابقًا كانت سبب إرباك السوق.
وأوضح جون كيمب محلل السوق في «رويترز»، في تقرير أصدره هذا الشهر عقب تعيين الفالح في منصبه، أن أحد أول الأمور التي يتعين عليها فعله هو تحديث سياسة التواصل مع السوق والإعلام. وقال كيمب: «لعقود طويلة ظلت استراتيجية الأسعار والإنتاج السعودي تنتقل إلى السوق عن طريق مجموعة مفضلة من الصحافيين والمحللين، وبصورة مجهولة وغير معرفة تحت مسميات مثل، مصدر خليجي رفيع في (أوبك)».
ويضيف كيمب: «النتيجة لهذه السياسة الانتقائية في إيجاز الإعلام والتي لا يوجد لها مثيل في كل أسواق السلع وباقي الدول، هي عدم الوضوح والحيرة بالنسبة للسوق، الأمر الذي أدى إلى عدم الرضا من قبل جميع الجوانب، وأدى لظهور مراقبين لـ(أوبك) مثل مراقبين الكرملين، مهمتهم توضيح الأمور المبهمة للجميع».
ويقول كيمب إن الوزارة بدأت في التغيير في آخر أيام النعيمي، ولكن يجب إحداث تغييرات أكبر، مثل تعيين متحدث رسمي قادر على توضيح الأمور، خاصة وأن الفالح شخصيًا متحدث جيد ويعبر عن السياسات السعودية بطلاقة، مثلما فعل في دافوس هذا العام.
مواجهة تقلبات أسعار النفط
وأسعار النفط حاليًا في تعافٍ، وسيدخل الوزراء الاجتماع والأسعار في مستويات قريبة من 50 دولارًا، وهذا قد يجعل الفالح في وضع مريح، إذ لا أحد يتوقع أن «أوبك» ستغير سياستها الحالية، أو تقوم بتجميد إنتاجها مع تحسن أساسيات السوق.
وهذا الأمر بدا واضحًا في المسح الذي أجرته وكالة بلومبيرغ، ونشرت تفاصيله بالأمس وشمل 27 محللاً، كلهم إلا واحد، قالوا إن «أوبك» لن تجمد إنتاجها في اجتماع يونيو. وحتى وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك لا يعتقد أن «أوبك» سوف تجمد إنتاجها كما قال في تصريحاته يوم الجمعة الماضي.
ويقول المحلل النفطي الدكتور أنس الحجي لـ«الشرق الأوسط» إن على السعودية أن تعمل الآن على الإبقاء على أسعار النفط في مستويات حول المستويات الحالية، إذ إن ارتفاع الأسعار إلى مستوى 70 دولارًا سيعني أن منتجي النفط الصخري سيعودون إلى الإنتاج.
وقال مصرف غولدمان ساكس بالأمس إن عودة إنتاج النفط الصخري للنمو يحتاج إلى أسعار فوق 60 دولارًا، وسبق وأن قلل مصرف بانك أوف أميركا من قدرة منتجي النفط الصخري على العودة إلى زيادة الإنتاج مع أسعار تحت 60 دولارًا، إذ إن عليهم تسديد ديونهم المتراكمة قبل الاستثمار في إنتاج جديد. ولكن أسعار النفط لا بد أن ترتفع على المدى البعيد مع تقلص الاستثمارات في الطاقة الإنتاجية، كما يقول المحلل الاقتصادي الدكتور محمد الرمادي الذي أوضح: «سيجد الفالح نفسه في موقف صعب، فهو لا يستطيع تغيير سياسة (أوبك) الحالية، لأنها تؤتي ثمارها، وبنفس الوقت لا يستطيع ترك الصناعة العالمية تعاني من ضعف الاستثمارات، لأن هذا يهدد بأسعار عالية مستقبلاً، وضغط على المنتجين في (أوبك) لمقابلة الطلب المتزايد».
وبالأمس قال مصرف مورغان ستانلي في تقرير إن الاكتشافات النفطية في 2015 نزلت لأقل مستوى منذ عام 1952، مع تقليص شركات الطاقة ميزانيات التنقيب في أعقاب هبوط أسعار النفط، ما يخلق فجوة في تلبية الطلب مستقبلا. والاكتشافات النفطية حيوية لتجديد الموارد، وتلبية الطلب الذي لا يزال ينمو، وتعويض استنزاف الحقول القائمة.
ويبقى التحدي الأهم أمام الفالح هو توطين صناعة النفط السعودية، إذ إن المملكة تحتاج لخلق وظائف وفرص عمل كثيرة، كما أنها يجب أن تنتقل إلى التصنيع بدلاً من الاعتماد على استيراد المواد والمعدات من الخارج.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.