«في فمي لؤلؤة».. حجر العاطفة والتاريخ في أزمنة منسية

ميسون صقر تستنطق حفريات اللؤلؤ في مغامرة سردية

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«في فمي لؤلؤة».. حجر العاطفة والتاريخ في أزمنة منسية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

رواية التحديات والأزمنة المتراكبة، يتصدر هذا الإحساس بقوة مشهد قراءتي لرواية الشاعرة الإماراتية ميسون صقر «في فمي لؤلؤة»، الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، وهي الثانية لها بعد روايتها «ريحانة» في عام 2003.
تبرز فكرة التحدي منذ الخيوط الأولى للرواية، في ترك «شمسة» حقل الدراسة بعد خلاف بينها وأستاذها معلم الأنثربولوجيا حول طبيعة البحث التي تنوي به مواصلة الدراسات العليا بالجامعة، ورفضه خطتها لإنجازه، متهمًا إياها بالانسحاب من الكتابة الأكاديمية الرصينة المجردة إلى «كتابة بلا عظم».
ورغم حبها الدفين لأستاذها، الذي يظل يومض بخفة في جنبات الرواية، فإن شمسة تنتصر لحكايات جدتها عن الذاكرة القديمة للمكان، التي تذكرها بجزء حي من تاريخها الشخصي هناك في تلك البيئة الإماراتية التي شهدت تفتح عينيها على الحياة، كما تنتصر لحواديت الجدة نفسها عن عالم الصيادين ورحلات الغوص في مياه الخليج بحثًا عن اللؤلؤ. ويتحول كثير من هذه الحواديت، بما تحمله من دلالات ورموز إلى طاقة حية، لإثارة الدهشة والأسئلة على مدار الرواية الحاشدة بفصولها الستة وصفحاتها التي قاربت على الستمائة صفحة، ومكابدة كتابتها ومعايشتها على مدار 7 سنوات مضنية من التقصي والنبش، والبحث في حفريات اللؤلؤ عبر وثائق ورسائل ومتون وهوامش، وأساطير، وحكايات متناثرة في فضاء التاريخ والجغرافيا، وخطى البشر وأحلام الغواصين، وصراعات العيش وسط عواصف البحر والطبيعة، ومواجهة مخاطر الموت بالأغاني والشعر والمواويل الشعبية، وغيرها من المقومات السردية والفكرية، الذي يزخر به نسيج الرواية الخصب، ومن بينها مساءلة فكرة الكتابة نفسها، هل هي ملاحقة لأزمنة انقضت، واستشراف لأزمنة أخرى آخذة في التفتح والنهوض، أم هي سلاح الذات لمقاومة الموت والإحساس بالذبول. تشير شمسة إلى هذه الهواجس في مقطع دالٍّ من الرواية قائلة: «كلما كتبت مات أحد، وكلما فكرت فيه مرضتُ، كلما شرعت في الكتابة بدأ أحد من أسرتنا في الغياب.. ها أنا أعاود قتل عائلتي، ولا أقتل الكتابة». وإمعانًا في مناورة السرد واللعب مع الكتابة لا تكتفي الكاتبة بغواية صيد اللؤلؤ ومغامرة الغوص في عوالمه القصية، وإنما تضيف لهذه المغامرة غواية الصورة، مستفيدة من خبرتها كفنانة تشكيلية في تصميم الغلاف، فتدفع بصورة للممثلة الشهيرة مارلين مونرو لتتصدر واجهة الغلاف، وهي ترتدي عقدًا من اللؤلؤ الصناعي، بينما يتناثر على وجهها خريطة قديمة لمنطقة الإمارات مشكِّلة غلالة نصية وفنية، ينضوي تحتها كثير من الرموز والدلالات، ما بين زمن أصبحت غوايته الطبيعية فوق رف التاريخ، وآخر يتشكل منه بشكل هجيني، لكنه في صدارة المشهد.
وعلى ذلك، تسلط الرواية الضوء على تاريخ الحياة في مجتمع دولة الإمارات، وتحديدًا إمارة الشارقة، مسقط رأس الكاتبة، ناسجة من تلك الوقائع، لا سيما صيد اللؤلؤ وحكايات الغواصين وتراث البيئة بأعرافه وتقاليده وعاداته شبكة للسرد والحكي، تتحرك في شكل ضفائر سردية متعددة ومتراكبة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعاطفيا. ورغم أن قوسي البداية والنهاية مرتبطان بمهنة الغوص وصيد اللؤلؤ، ورصد تحولاتها ولحظات أفولها وانهيارها، خصوصًا بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي، واكتشاف النفط، وبداية نشأة الدولة الحديثة، وتغير منظومة الصراع، ونظرة الغرب لمنطقة الخليج، رغم كل هذا لا تضع الرواية ثوابت وفقًا لمسار تاريخي محدد، وإنما تحاول استنطاق الماضي في الحاضر، الخاص في العام، متخذة من إيقاع الموجة محورًا لفضاء رحلتها، بين أزمنة وأمكنة متنوعة، تنحسر وتغيب، لكنها سرعان ما ترتد إلى الشاطئ. شاطئ الكتابة، وفوق ترابه تستدعي الكاتبة الساردة على لسان أبطال الرواية قصصا وحكايات ومواقف لبشر ومستعمرين وثورات، كما تتكشف لها في طوايا السرد رسائل ووثائق لرحالة ومستشرقين، بعضها ابن ماض لم يزل نبضه حيًا، وبعضها ابن حاضر لا يستطيع أن ينطق باسمه، فبجوار الشارقة، الرحم الأم للرواية، وعبر مناخاتها المشدودة كحلم معلق ما بين الوهم والواقع، تتنقل الرواية ما بين الهند، وكينيا والقاهرة، مقر إقامة «شمسة» ومرتع صباها وأحلامها ودراستها، أيضًا هناك نمط الحياة في البادية ومواسم الصيد وخيام الصيادين ومفردات حياتهم الضحلة الفقيرة، كما تتنقل بين الحصون، حيث مقر الحكم، وحياة الشحوح في الجبال، حيث المراعي المفتوحة وحظائر الإبل.
هناك نسق سردي مشرّب بمسحة تاريخية، لكنه لا يتعامل مع التاريخ كحقيقة مكتفية بذاتها، وإنما يطرحه كسؤال ممتد في الزمان والمكان، في رحم الرواية والواقع معًا، وهو ما يضفي على الكثير من شخصيات الرواية طابع التشكيل الحلمي أو الملحمي، الذي يقترب كثيرًا من مصاف الأسطورة، وعلى نحو خاص، شخصية «مرهون» الغواص الأمهر، بطل الرواية الرئيسي، حيث يتداخل في أبعادها الواقعي بالتخييلي، الحضور بالغياب. لكن مرهون يظل في كل تحولاته تجسيدا لشفرة إنسانية غامضة، تراوح بين زمنين، زمن الماء وزمن اليابسة، زمن الغوص بحثًا عن اللؤلؤ من أجل لقمة العيش، وزمن الغوص في طوايا الروح والجسد والطفولة بحثا عن مساحة نقية لتقلبات العاطفة والحب والارتواء.. «جرتني قدماي إلى الخارج عند البحر، لأرى إن كان مرهونًا هناك، هل سيحدثني البحر؟ جلست قليلا أنتظر شيئا ما لا أعرفه، وأفكر في وليم ومسعود وعالم السفينة.. ندهت: يا مرهون يا مرهون، لم يسمعني!، كل ما فعله أنه أزاح الفطم الذي يغلق أنفه به، ثم مسح الماء من على وجهه، أفرغ سلة المحار، تنفس عميقا، وغطس ثانية».
يشكل مرهون زمن الرواية الخاص الداخلي الحميم، فهو صائد اللؤلؤة الساحرة النادرة، التي بسببها قامت حروب ومطاردات، كما أنه في كل تجلياته لا يتخلى عن ذاتيته وروحه المفطورة بالصدق والتلقائية.
ومن ثم، تنمو الرواية دراميا بقوة التاريخ والعاطفة معا، التاريخ في إطاره السياسي الاقتصادي الاجتماعي للمنطقة ومنحنيات التحول من عالم التجارة إلى الزراعة والصناعة في حياة البدو والمدينة.
والعاطفة، في حزمة من الأحلام المؤجلة والمعطلة، سواء في علاقة شمسة بأستاذها، أو في بحث مروة صديقتها ورفيقتها في الرحلة، عن علاقة حميمة صادقة، تعول عليها اجتماعيا في تغيير مسار حياتها البائسة، أو في علاقة آمنة بمرهون، التي تتحول إلى مشهد تراجيدي محفوف بالغدر والهروب والخيانة، حيث تلقى مصرعها على يد يوسف «زوجها» سارق اللؤلؤة الثمينة، وكذلك في علاقة وليم الرحالة المصور بفيكتوريا الممرضة الإنجليزية، فرغم أنها تكبره بسنوات، فإنه أصبح يمثل لها الرمق الأخير في التشبث بالحياة، لا سيما بعد موت زوجها القبطان الشهير ورحيل ابنتيها عنها. أو في حنين شمسة الدائم لفضاء العائلة، وصورة الجدة والأب والأم.
إنه حجر التاريخ والعاطفة، فوقه تتعدد عوالم هذه الرواية، وتتنوع أسئلتها في مدارات مشربة بروح الملحمة، فالتاريخ حكّاء بطبعه، لكن قراءته من قبل المؤرخين والمختصين قد تنحي العاطفة جانبًا، لكنه في عين الكاتب الروائي، وتحديدًا هنا في هذه الرواية مادة قابلة للحكي، لا يمكن أن نجردها من العواطف والرؤى والانفعالات التي تتحول في تقنيات القص إلى إشارات وعلامات ورموز، من خلالها يتم استدعاء التاريخ، بقوة الماضي والحاضر والمستقبل معًا.. اللافت أيضًا أن التاريخ بكل تداعياته وثقله وخفته، لا يمثل خصوصية المكان، بل يشير إليه بشكل عابر، بينما يحفر هذه الخصوصية ويدل عليها الشخوص بكل مسارب حياتهم الخشنة المجدبة، وأحلامهم العادية البسيطة في غد أكثر أمنًا، يوفر لهم الحد الأدنى لحياة كريمة، لا يشعرون في كنفها أنهم مجرد عبيد للقمة عيش بالكاد تكفي لوجودهم أحياء فوق سطح الحياة.
هو إذن تاريخ من الغبن واللؤلؤ، هكذا تصفه الكاتبة على لسان أمها، وهي ترى العقد الذي أهدته لها الجدة، يتألق في عنقها بلؤلؤته الفريدة الساحرة التي اصطادها مرهون.. «تنظر إلي وهي تقول إنه شرف لي أن أحمل تاريخا للوجيعة يا حبيبتي».
هذا الوجع يتناثر في جسد الرواية كعصارة حية لخبرة حياة، تحاول أن تكشف عن معناها الأعمق والأشمل في واقع لم يعد مغلقًا على ذاته، يتجسد ذلك عبر مقومات نصية وفنية تتمتع بحيوية فائقة، ولغة سردية سلسلة، يمتزج فيها الفصيح بالعامي الشفاهي أحيانًا، كما أن عالم اللؤلؤ نفسه يتحول إلى قيمة معرفية إنسانية، فالرواية تجعلنا نعايش هذا العالم، ونلمس رذاذه ورائحته، وعرق الصيادين وهواجسهم، وساعات نومهم وأكلهم وشربهم، في كل مراحل الغوص، وذلك خلال حرفية عالية في الوصف والتدوين لنثريات الحياة، سواء فوق مركب الصيد في البحر، أو في طقوسها والاستعداد لها على البر.. وهو ما نرصده على هذا النحو في لقطة من مشاهد الرواية: «قبل الفجر بلحظات ينتبه الغواصون جميعًا، ويبدأون يومهم، تبدأ الجلبة في السفينة حتى يعم الظلام ليلاً، وتهدأ الحركة، فيجلسون في شبه حلقات، يفلقون المحار الذي اصطادوه في النهار أو محار اليوم السابق، الذي يكون قد مات الكائن المحاري داخله، وهم يغنون، ويلقون القصيد ويتحاورون». وبالعصارة النصية نفسها يتحول الوصف إلى ما يشبه الاستبطان الداخلي، لما تنطوي عليه الشخوص من رؤى وعواطف ومشاعر وانفعالات، في أقصى لحظات الحياة حزنا وألمًا، وأقصاها صخبًا واستمتاعًا بشواغل الروح والجسد.
نحن أمام نص روائي حمال لروايات ونصوص كثيرة، تفيض عنه في علاقة صاعدة دراميًا وإنسانيًا بشكل تلقائي: هناك نص مرهون والبحر وآمنة، هناك نص شمسة وأستاذها وتحولات فكرة الكتابة وإثبات الذات بقوة الفكرة نفسها وضعفها الإنساني أيضًا، هناك علاقة وليم بفيكتوريا، و أيضًا صوره ورسائله المهمة سواء للمعتمد البريطاني أو لصديقة جيرارد رفيقه في بعثته إلى أفريقيا، وهي رسائل توثق لكل شيء في الخليج حتى علاقات النساء.. هناك علاقة كاترين ابنة فيكتوريا، التي تتنكر في شخصية قبطان وتقود بالفعل إحدى السفن بالخليج، وتستضيف آمنة على متنها، هناك حكاية اللؤلؤة الفريدة التي جلبها مرهون، وكيف سُرِقت من على السفينة، وانتهى بها الحال في عقد ثمين تتوارثه أم شمسة عن جدتها، هناك معرض اللؤلؤ، ورسائل وليم بعد أن عثر عليها، وغيرها من النصوص التي خلقت لها هذه الرواية باقتدار مجالات إدراك ومعرفة جديدة، ووثقت لتراث اللؤلؤة بكل أنواعه وأشكاله وحكاياته في شتى حدوسات المعرفة الإنسانية، كتاريخ للجمال والغبن أيضا.. أو كما تقول شمسة في رسالة أخيرة لأستاذها في ختام الرواية: «لم أكن أكتب بحثا، كنت أبحث عما أكتبه، وأستشف الحياة في رشفها اللؤلؤ الكامن في المحار، ويشي بكل عنف وعشق، لقد تركت الحزن ينهشني لعدم تفهمك، لكن قصة الحياة سحبتني إليها».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».