النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

أسست للحظة نقدية الكبرى دشنت {انقلابًا كوبرنيكيًا} في القرن الثامن عشر

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة
TT

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

صدر عن دار أفريقيا الشرق، أخيرًا، كتاب «النزعة الإنسانية وإرث الأنوار»، للمفكر المغربي وأستاذ الفلسفة والحداثة السياسية في جامعة عبد المالك السعدي، مصطفى حنفي. في هذا الكتاب، حفر جينيالوجي، تتبع فيه الباحث مفهوم النزعة الإنسانية، ومفهوم النقد، اللذين تأسست عليهما الأنوار. كما يرمي الكتاب في بعده الاستراتيجي، إلى مسألة الأنوار وعصر النهضة الممهد له، ليبني موقفا من التنوير، وذلك استنادًا إلى أقوى آلياته، وهي النقد في عالم معاصر ما أحوجنا فيه إلى التنوير. من الناحية المنهجية، قسم مصطفى حنفي الكتاب، إلى مجموعة من الأقسام والفصول، جاءت معنونة على الشكل التالي:
1 - في الحاجة إلى النقد في الحاجة إلى التنوير:
يحدد مصطفى حنفي في بداية هذا الكتاب، مساراته ويقول: «تتجه الفصول الكبرى التي يتخذها الحضور الفلسفي للنزعة الإنسانية، في دائرة الأخلاق والسياسة. وهي تنطلق من تحديد أولي لطبيعة هذا الحضور وحقل تأملاته، باعتباره حاجة مطلوبة في تاريخ محاصر، وفي أزمنة تعاني دوغمائية الأفكار القطعية، المتجاهلة لقيم هذه النزعة في بناء نموذج الحقيقة». فالأنوار التي أسست للعصر الحديث وجعلت إسهامها فيه جزءا من التاريخ الكوني للبشرية، بلغتها وإشكالياتها ومفاهيمها الكبرى، هي ما أسس للحظة النقدية الكبرى التي دشنت انقلابا كوبرنيكيا في القرن الثامن عشر، تجسد بشكل أوثق مع إمانويل كانط. ويضيف الدكتور مصطفى حنفي، إن العقلانية «التنويرية مع جماعة الموسوعيين الفرنسيين وكتاب نظريات العقد الاجتماعي والنزعة النقدية الكانطية، جعلت من النقد الكاشف عنوانا لعصر بأكمله. وتجلت بالتالي، المهمة المطروحة على هذا العصر، في تخليص الإنسان من أشكال الوصاية كافة، والتبعية التي تكاتف التقليد الفكري والديني والسياسي بفرضه على العقل البشري ردحا من الزمن، سواء تلك التي فرضتها عليه المؤسسة الدينية، أو تلك التي عملت على تكريسها السلطة البشرية. وبالفعل فلقد كان هذا العصر، عصر التنوير، هو «قرن النقد بأتم معنى الكلمة، النقد الذي ينبغي أن يخضع له كل شيء بعبارة كانط نفسه».
لم تكن فلسفة الأنوار، من حيث مقاربة حنفي، رهانا ثقافيا وفلسفيا براغماتيا بالمعنى الاقتصادي للكلمة. بل كانت رهانا كونيا على بناء فلسفة تستطيع تأطير إشكالات الوجود البشري في بعدها الكوني، وتأسيسها على دعائم «عقلانية جديدة، يحضر فيها مبدأ الحق وتحضر بجوارها وبوحي منها قيم وأخلاقيات العقل العملي من وجه آخر». وهو ما يفرض بالضرورة، فلسفة تشريع للجنس البشري، وتحديد قواعد الانتماء إلى هذا الجنس، والتي تفرض «الفصل بين الروحي والزمني، بين الثيولوجي والسياسي. وهو ما حول نسيج الكتابة الفلسفية في معناها الواسع في النص الأنواري، إلى «بيان نقدي»، إن صح التعبير، في وجه تاريخ محاصر تغذيه الأوهام ونير التعصب واللاتسامح».
يريد حنفي من خلال هذه البداية، المعنونة بشعار «في الحاجة إلى النقد في الحاجة إلى الأنوار»، أن يطرح في الفكر الفلسفي في العالم العربي، تصورا سياسيا / فلسفيا - ولو عن طريق التلميح والرمز - يستند إلى فلسفة الأنوار وإرث الأنوار، الذي تأسس على رؤية نقدية للتراث الثقافي والأدبي والسياسي واللاهوتي، الذي ساد منذ أرسطو. وفي طرح الحنفي لهذا التصور، نجده يوجه رسالة ضمنية، لصانعي القرار السياسي والمنشغلين بالفكر السياسي، وكذلك الفاعلين في الميدان، أو مناضلين باللغة الحقوقية في العالم العربي، يقول فيها: إنه لا تنمية ولا تقدم من دون الاستناد إلى مشروع تنويري مبني على النقد وطرح السؤال / سؤال الراهن السياسي في بعده الكوني / العملي.
2 - في معاني النزعة الإنسانية:
ووفقا لمصطفى حنفي، فمفهوم «النزعة الإنسانية Humanisme، هو من بين المصطلحات الأكثر تعقيدا والتباسا في الثقافة الغربية الحديثة. فهو يغطي من باحث إلى آخر ومن فلسفة إلى أخرى، إجراءات وموضوعات ترتبط بنوع من القرابة في المعنى، باصطلاحات تميل إلى حدوده. مثل الإنسانية والإنسانوية». وحسب معجم لالاند، فمادة الإنسانية تشير إلى أربعة مستويات من الدلالة عرضها حنفي كما يلي:
أ‌ - معنى تاريخي: دال على الحركة الفكرية المتمثلة في إنساني النهضة بتراك، إرازم، غيوم، بودي. وقد اتصفت هذه الحركة، بجهودها القوية لرفع قيمة الفكر الإنساني، ولوضعه في المقام المناسب. فربطت بين الثقافة الحديثة والثقافة القديمة، خلال العصور الوسطى والعصور المدرسية التابعة لها. ويستشهد لالاند على هذا المعنى، بتعريف لأحد المؤرخين، «لا تعني النزعة الإنسانية مجرد تذوق للعصر فحسب، بل تعني أيضا عبادة وتقديسا لا يقف عند حدود الافتتان بذلك الموروث القديم، وإنما إلى إعادة إنتاجه. والإنساني هو ذلك الشخص الذي لا يكتفي بالاطلاع على المعارف القديمة واستيحائها. بل هو الذي تسحره شهرتها، فيقوم بنسخها ومحاكاتها، فيتبنى نماذجها وأنماطها، أفكارها ولغتها».
ب‌ - معنى براغماتي: وهو الذي أطلقه ف.ج. شيلر من أكسفورد، على المذهب الإنساني الذي عرض له في مؤلفاته الإنسانية خاصة، والفلسفية عامة، الصادرة في لندن 1903 - 1907. وقد قدم لها بحكمة برثاغوراس، القائلة «إن قضية ما تعتبر صحيحة أو خاطئة تبعا لنتائجها، التي تتضمن قيمة عملية أو تكون مجردة منها. فالحقيقة أو الخطأ، يرتبطان بما ترمي إليه. فإذا كانت الحياة العقلية تفترض غايتها، فإن تلك الغايات لا يمكنها أن تكون إلا على النحو الذي تكون عليه. وبالتالي ينتج عن هذا، أن كل معرفة هي على وجه التحديد، مرتبطة بالطبيعة الإنسانية وبحاجاتها الأساسية». ثم يضيف شلر، أنه لا يمكن استعمال مصطلح النزعة الإنسانية على وجه مفيد، إلا بمراعاة شعور الموجودات البشرية بالمشكلة الفلسفية، وسعيهم لفهم عالم التجربة الإنسانية اعتمادا على ملكات الفكر الإنساني».
والنزعة الإنسانية حسب شيلر، ليست براغماتية في معناها الضيق، وإنما هي تكثيف لدلالات تاريخية / جمالية / فلسفية / أدبية، ترفض الميتافزيقا، وتعري اختلافها عبر العصور، وكيف تم تبريرها وفق الحاجات الفردية، أو تبعا لمصالح جماعية. والنزعة الإنسانية في عمقها الفلسفي، كما يوضح الدكتور حنفي، استنادا إلى لالاند، هي تمسك الإنسان بفضيلة الانتماء إلى كل ما تقوم به ماهيته. ويضيف: «يشير معنى الإنسانية إلى تصور عام للحياة (السياسية والاقتصادية والأخلاقية)، والمبدأ الذي يؤسسها، هو الاعتقاد في خلاص الإنسان بواسطة القوى الإنسانية. ويتعارض هذا الاعتقاد بكيفية صارمة مع المسيحية. إذ كان يدل على أن خلاص الإنسان إنما يتوقف فقط على حقوق الله وقوة الإيمان». أما المعنى اللاهوتي، فـ«يؤكد على أهمية طبيعة الإنسان المركبة من الغايات الإنسانية (الفن / العلوم / الأخلاق والدين)، والغايات الطبيعية الماثلة في صميم طبيعته، أي طرفي التعارض في الإنسان، بين الإرادة العليا والإرادة الدنيا». ويستدرجنا الحنفي من خلال استحضاره لتعدد الدلالات والمعاني التي طبعت مفهوم «الإنسانية» في لحظته التاريخية، أي القرن الخامس عشر والسادس عشر، وصولا إلى الأنوار، ليكشف عن الخلفية الآيديولوجية التي أصبح يوظف بها المفهوم، وكذلك القيم الحامل لها في عصرنا الحالي، تحت تبرير حقوق الإنسان، حيث يقول: «فإذا نحن أضفنا إلى هذا - أي تعدد الدلالات والمعاني - عنف الواقع الذي عاناه الإنسان المعاصر، خلال حربين عالميتين، وما أعقبهما من اضطرابات ونزاعات من أجل السيطرة وبسط الأطماع، واستعباد الشعوب المطالبة بحريتها واستقلالها، أدركنا العوامل التي جعلت فكرة الإنسانية تتحول، في الأدبيات السياسية المعاصرة، إلى شعار دفاعي يغطي تناقضات الواقع وينشر فوقه وجدانية فضفاضة، يحركها روح الإخاء، لتشمل التعبير عن إنسانية تعلو عن الفوارق والاختلافات». وحسب حنفي، فذلك هو ما يجسده (تضخم الشعارات) الإنسانية التي رفعها أنصار (الإنسانية) من أجل بلورة الفلسفة الإنسانية التي تضمنتها المواثيق الدولية والوطنية، بصدد ما يطلق عليه في لغة الحقوقيين (حقوق الإنسان)، أي حقوق جميع البشر في كل زمان ومكان».
3 - إنسانية النهضة:
لم يكن من الممكن للنهضة أن تؤثر في التاريخ البشري والفكري، من دون صياغتها لمفاهيم جديدة قادرة، بقوتها الإجرائية، على التأثير في الواقع والعمل على تغييره. بل إن طبيعة المفاهيم التي جاءت بها النهضة، كانت قادرة على الاستجابة لطموحات القوى الصاعدة التي ملت السكون الذي فرضته الكنيسة على المجتمع، والطامحة إلى وجود تصور جديد يمنح للواقع تصورا أكثر ديناميكية. وهو ما جعل حنفي في هذا الكتاب، يرى إنسانية النهضة ونزعتها الإنسانية، ليست إلا إعطاء القيمة للحركة la valeur du mouvement، ومفهوم التقدم كمحرك للتاريخ. وقد انصب مفهوم التقدم عند إنسانيي النهضة، على فرض غاية ينحو إليها التاريخ تمجد من الإنسان، وترسم له أمثل صوره، وكذلك القيم التي يمكن أن يكون عليها وفي هذا الصدد حسب حنفي، ركز خطاب النهضة في استراتيجيته على:
- الكتاب المقدس في نصه الأصلي
- العالم القديم (الإغريقي - الروماني)
من هنا يتبين كيف أن عملية التقدم كانت تقتضي لحظة وعي تاريخي بأهمية التراث وضرورة بعثه. لا للإقامة فيه، بل من أجل غربلته والوقوف على عناصر التقدم في داخله، وعناصر الجمود والارتكاس من أجل لفضها وتعرية آيديولوجيتها. وهو ما قام رواد النزعة الإنسانية مسلحين بنظرة جمالية / فنية / أدبية / موسيقية / علمية... جديدة للواقع والعالم والذات، مؤسسينها على دينامية الحركة، حركية الواقع والفكر في شكل متأن، وهو ما شكل نسفا جذريا للنص اللاهوتي في صيغته البابوية، التي كانت توظفه من أجل الحفاظ على تصور للكون، والواقع يضمن استمرارية مصالحها ورهاناتها، ولعل صرخة «جوردانو برونو» تعبر بشكل دقيق على هذه الدينامية الجديدة حين يقول كما أورده حنفي في هذا الكتاب الذي نقوم بقراءته «إن العالم هو كل لا متناه ليست له أطراف أو حدود، أو سطوح وأقول إن الكون لا يعني بكيفية جامعة أنه لا متناه، ما دام كل جزء من أجزائه متناهيا، ومادامت العوالم الكثيرة التي يشملها بدورها متناهية، ثم أقول إن الله هو بكيفية جامعة لا متناه، لأنه حاضر في العالم وفي كل جزء من أجزائه». وهنا يبدو واضحا تأثير الثورة الكوبرنيكية، فلم يعد هناك عالم الكون والفساد التي تصوره أرسطو ودافعت عنه الكنسية، بل أصبح الله جزءا من هذا العالم. ليس مطابقا لتركيبه، ولكن محايثا من حيث المكان والزمان وملازما له. إذ تقضي الحكمة الإلهية أن لا يظل الله خارج العالم يتفرج. وهذا ما عبر عنه برونو. وبعبارة أخرى، يقول حنفي: يمكن «أن ننظر إلى مساهمات الإنسانيين على أنها رسمت قارة الإنسانية بلغة تقريظية ملتهبة، تسعى إلى إبراز أشكال التداخل بين الطبيعة والإنسان، فاتحة بذلك تيار العقلانية في حركة النهضة بكل أبعادها المعرفية والسياسية والتربوية. إن هذا يعني أن فكرة إعادة الاعتبار إلى الإنسان، عبر التراث القديم ونقد التصورات والأشكال العتيقة للنظم الفكرية واللاهوتية السائدة، والميل نحو إعادة توجيه التفكير النقدي إلى الحاضر» الذي أعاد مركز السلطة إلى تجربة الفرد وعقله، كل هذه إذن عناصر رئيسية في الإطار المرجعي الذي استندت إليه إنسانية النهضة علوما وفلسفة وأدبا وفنا، في صراعها مع وثوقية الأفكار الدينية واللاهوت الكنسي.
4 - إنسانية الأنوار: رهانات الأخلاق والسياسة
تتجلى راهنية الأنوار، حسب حنفي، من خلال تأسيسها النظري للكثير من الأفكار السياسية التي تشكل جوهر الصراع السياسي المعاصر ويمثل لذلك بالكثير من الخطابات التي ترفع اليوم في الإعلام والمنظمات الحقوقية وينادي بها الزعماء السياسيون بأمثلة من الكتابات المؤسسة للأنواريين. فمثلا خطاب التسامح يمكن العودة به إلى فولتير، الذي أكد على الابتعاد عن الاختلافات العقدية، لضيق أفقها وعدم تسامحها. بل سعى حنفي، إلى أن يوضح قيمة هذا التراث الأنواري، من خلال عودة مجموعة من الفلاسفة المعاصرين إليه، كجون راولز مثلا في تصوره للعدالة وفي تأسيسه إلى قيمها.



هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».


فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
TT

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات. يحوي هذا الموقع الأثري سلسلة من الألواح الفسيفسائية الأرضية التي تزيّن قاعاته، كشفت عنها حملة تنقيب استمرت من عام 1979 إلى عام 1985، منها لوح كبير خرج إلى النور بشكل كامل عند اكتشافه، غير أنه تعرّض لاحقاً لحادث طبيعي أفقده كثيراً من عناصره. تظهر مكوّنات هذا اللوح في صور التُقطت قبل وقوع هذا الحادث، وتؤلف مشهداً تصويرياً يجمع بين سلسلة متنوّعة من البهائم، تصطفّ حول صيّاد يحتلّ وسط التأليف.

يتكوّن قصر الحلابات من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. يزيّن هذا اللوح الاستثنائي أرض غرفة حملت رقم 11 في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع، ويتبع أسلوباً تقليدياً راج بشكل واسع في سائر أقاليم العالم المتوسّطي. يحضر المشهد التصويري داخل إطار مزدوج يتألّف من شريطين يتبنّى كلّ منهما طرازاً خاصاً. يشكّل الشريط الأول إطاراً خارجياً، وهو تجريدي هندسي، ويتألف من سلسلة من المربعات المائلة، تحضر وسط سلسلتين متواجهتين من المثلثات، صيغت بحلّة لونية ترابيّة، تناوب فيهما الأسوَد والبنّي. اتخذت المربعات المائلة حلّة مشابهة، وبدا كلّ منها على شكل مُعين أبيض يتوسّطه مُعين صغير صيغ بهذين اللونين. يشكّل الشريط الأول إطاراً داخلياً، وهو تصويري نباتي، ويتألف من أغصان حلزونية تتدلّى منها عناقيد العنب. تشكّل هذه الدوالي شريطاً زخرفياً متقناً، وتتبع في صياغتها اللونية حلّة مختزلة تقتصر كذلك على الألوان الترابية.

تستقرّ البهائم وسط هذا الإطار المزدوج، ويقف الصياد بينها في فضاء مجرّد، وفقاً للغة تشكيلية ملتبسة يصعب تحديدها في خانة ثابتة. ينفي المصور نقطة التقاء الصياد والحيوانات بالأرض التي يقفون عليها، معتمداً على مبدأ التنضيد. يغيب الشق الظاهر للبعد الأمامي فتتحرّر الكائنات من قوانين الجاذبية وتبدو في حركاتها المتعددة كأنها تحلّق في فضاء عمودي. يحافظ القسم الأكبر منها على صورته الطبيعية بثقلها الواقعي، لكن أحجامها تخرج عن المنطق الطبيعي. في القسم الأيسر من تأليف الصورة، يظهر أسد وأفعى ومعزاة. وفي القسم الأيمن، يظهر ثور وكبش وطيور من فصائل متعددة. وفي وسط الصورة، يحضر الصياد، وهو حافي القدمين، ويرتدي سروالاً يعلوه قميص ينسدل فوق ركبتيه. نراه رافعاً بيده اليسرى فوق ظهره عصا يتدلى منها أرنب اصطاده، قابضاً بيده اليمنى على حبل يلتف حول عنق نعامة كبيرة. تحيط بهذه الكائنات مجموعة من الشجيرات تختلف في الحجم والشكل، أبرزها شجرة تحتل وسط الجزء الأعلى من التأليف، تتميز بثمارها المتدلية من أغصانها.

في القسم الأعلى، يظهر الأسد في وضع جانبي، ويظهر الثور في وضعية مشابهة، وتفصل بينهما الشجرة المثمرة. يحني الليث رأسه في اتجاه الثور كأنه يستعدّ للانقضاض عليه، كاشفاً عن مخالب كبيرة تخرج من أطراف قوائمه الأربعة. يأخذ الثور طابعاً وحشياً، ويحضر في حركة موازية كأنه يستعدّ لمحاربة خصمه، كاشفاً عن قرنين طويلين يعلوان قمة رأسه. صُوّر وجه الأسد في وضعية المواجهة، وبدت ملامحه واضحة، وقوامها عينان ضخمتان جاحظتان، وأنف أفطس، وشدق عريض. في المقابل، صُوّر وجه الأسد في وضعية نصف جانبية، وتميّزت ملامح وجهه كذلك بطابع عدائي وحشيّ. تظهر الأفعى تحت قوائم الأسد، وتبدو كأنّها تنسلّ أفقياً في الفضاء، وسط ثلاث شجيرات ترتفع في الأفق. يربض الثور فوق شجرتين تماثلان في تكوينهما الشجرة الكبيرة، وتظهر في طرف التأليف ثلاثة طيور صوّرت في وضعية جانبية، منها طير يبدو من فصيلة الحجل.

في القسم الأوسط من التأليف، يحل الصياد وسط شجيرتين بسيطتين خلت أغصانهما من الثمار، وتحوط به نعامتان كبيرتين صوّرتا جانبياً كأنهما متواجهتان. تتميّز هذه النعامة بحجمها الضخم، والشائع أنها الكبيرة من الطير، وتشتهر بقوتها وسرعتها، وهي معروفة في بلاد العرب، كما يشهد قول أبي كثوة: «ولّى نعام بني صفوان زوزأة / لما رأى أسداً بالغاب قد وثبا». في القسم الأسفل، يحلّ الكبش تحت قدمي الصياد، ويظهر في وضعية جانبية شاخصاً في اتجاه معزاة كبيرة في وضعية مماثلة. ومن خلف هذا الكبش، نعامة أخرى تبدو أصغر حجماً.

يبدو هذا اللوح استثنائياً في الميراث الأموي، ويتميّز بحضور عنصر آدمي يتمثّل هنا بصياد يحمل طريدته وسط مجموعة متنوعة من الدواب والطيور. يشكّل هذا المشهد في الواقع امتداداً لتقليد فني ازدهر في الحقبة البيزنطية ازدهاراً كبيراً في الأردن، كما تشهد مجموعة هائلة من أرضيات كنائس تعود إلى تلك الحقبة. ويبدو أن هذا التقليد تواصل مسيحياً في هذه البقاع خلال الحقبة الأموية، وبلغ الحقبة العباسية، كما تؤكد الشواهد الأثرية التي تم الكشف عنها في العقود الماضية. تبنّى الأمويون هذا الفن وبرعوا به، وتجلّى هذا الإبداع في حلل أشهر مساجدهم وأكبرها، كما في أرضيات عمائرهم المدنية. أشار شهاب الدين العمري إلى هذا الفن في كتابه «مسالك الأبصار»، وكتب في وصفه: «والفسيفساء مصنوع من زجاج يُذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق، ومن هذا النوع المسحور، وأمّا الملوّن فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي».

استعاد محمد كرد علي هذا النص في موسوعته «خطط الشام»، وكتب معلّقاً: «ووصف ابن فضل الله هذا يمكن أن يُستنتج منه أن الفسيفساء كانت تعمل في الشام، وأن هذه الصناعة اللطيفة وإن اختصّت بها القسطنطينية قد نُقلت إلى الشام وجود عملها». كما نقل العلّامة السوري عن ابن عساكر أبياتاً شعرية قيلت في وصف هذا الفن، ومنها:

إذا تفكرت في الفصوص وما

فيها تيقّنت حذق راصعها

أشجارها لا تزال مثمرة

لا تذهب الريح من مدافعها

كأنها من زمرد غُرست

في أرض تِبْرٍ تغشى بفاقعها

فيها ثمارٌ تَخَالُها يَنَعَتْ

وليس يُخشَى فسادُ يانِعِها


فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما
TT

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.