النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

أسست للحظة نقدية الكبرى دشنت {انقلابًا كوبرنيكيًا} في القرن الثامن عشر

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة
TT

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

صدر عن دار أفريقيا الشرق، أخيرًا، كتاب «النزعة الإنسانية وإرث الأنوار»، للمفكر المغربي وأستاذ الفلسفة والحداثة السياسية في جامعة عبد المالك السعدي، مصطفى حنفي. في هذا الكتاب، حفر جينيالوجي، تتبع فيه الباحث مفهوم النزعة الإنسانية، ومفهوم النقد، اللذين تأسست عليهما الأنوار. كما يرمي الكتاب في بعده الاستراتيجي، إلى مسألة الأنوار وعصر النهضة الممهد له، ليبني موقفا من التنوير، وذلك استنادًا إلى أقوى آلياته، وهي النقد في عالم معاصر ما أحوجنا فيه إلى التنوير. من الناحية المنهجية، قسم مصطفى حنفي الكتاب، إلى مجموعة من الأقسام والفصول، جاءت معنونة على الشكل التالي:
1 - في الحاجة إلى النقد في الحاجة إلى التنوير:
يحدد مصطفى حنفي في بداية هذا الكتاب، مساراته ويقول: «تتجه الفصول الكبرى التي يتخذها الحضور الفلسفي للنزعة الإنسانية، في دائرة الأخلاق والسياسة. وهي تنطلق من تحديد أولي لطبيعة هذا الحضور وحقل تأملاته، باعتباره حاجة مطلوبة في تاريخ محاصر، وفي أزمنة تعاني دوغمائية الأفكار القطعية، المتجاهلة لقيم هذه النزعة في بناء نموذج الحقيقة». فالأنوار التي أسست للعصر الحديث وجعلت إسهامها فيه جزءا من التاريخ الكوني للبشرية، بلغتها وإشكالياتها ومفاهيمها الكبرى، هي ما أسس للحظة النقدية الكبرى التي دشنت انقلابا كوبرنيكيا في القرن الثامن عشر، تجسد بشكل أوثق مع إمانويل كانط. ويضيف الدكتور مصطفى حنفي، إن العقلانية «التنويرية مع جماعة الموسوعيين الفرنسيين وكتاب نظريات العقد الاجتماعي والنزعة النقدية الكانطية، جعلت من النقد الكاشف عنوانا لعصر بأكمله. وتجلت بالتالي، المهمة المطروحة على هذا العصر، في تخليص الإنسان من أشكال الوصاية كافة، والتبعية التي تكاتف التقليد الفكري والديني والسياسي بفرضه على العقل البشري ردحا من الزمن، سواء تلك التي فرضتها عليه المؤسسة الدينية، أو تلك التي عملت على تكريسها السلطة البشرية. وبالفعل فلقد كان هذا العصر، عصر التنوير، هو «قرن النقد بأتم معنى الكلمة، النقد الذي ينبغي أن يخضع له كل شيء بعبارة كانط نفسه».
لم تكن فلسفة الأنوار، من حيث مقاربة حنفي، رهانا ثقافيا وفلسفيا براغماتيا بالمعنى الاقتصادي للكلمة. بل كانت رهانا كونيا على بناء فلسفة تستطيع تأطير إشكالات الوجود البشري في بعدها الكوني، وتأسيسها على دعائم «عقلانية جديدة، يحضر فيها مبدأ الحق وتحضر بجوارها وبوحي منها قيم وأخلاقيات العقل العملي من وجه آخر». وهو ما يفرض بالضرورة، فلسفة تشريع للجنس البشري، وتحديد قواعد الانتماء إلى هذا الجنس، والتي تفرض «الفصل بين الروحي والزمني، بين الثيولوجي والسياسي. وهو ما حول نسيج الكتابة الفلسفية في معناها الواسع في النص الأنواري، إلى «بيان نقدي»، إن صح التعبير، في وجه تاريخ محاصر تغذيه الأوهام ونير التعصب واللاتسامح».
يريد حنفي من خلال هذه البداية، المعنونة بشعار «في الحاجة إلى النقد في الحاجة إلى الأنوار»، أن يطرح في الفكر الفلسفي في العالم العربي، تصورا سياسيا / فلسفيا - ولو عن طريق التلميح والرمز - يستند إلى فلسفة الأنوار وإرث الأنوار، الذي تأسس على رؤية نقدية للتراث الثقافي والأدبي والسياسي واللاهوتي، الذي ساد منذ أرسطو. وفي طرح الحنفي لهذا التصور، نجده يوجه رسالة ضمنية، لصانعي القرار السياسي والمنشغلين بالفكر السياسي، وكذلك الفاعلين في الميدان، أو مناضلين باللغة الحقوقية في العالم العربي، يقول فيها: إنه لا تنمية ولا تقدم من دون الاستناد إلى مشروع تنويري مبني على النقد وطرح السؤال / سؤال الراهن السياسي في بعده الكوني / العملي.
2 - في معاني النزعة الإنسانية:
ووفقا لمصطفى حنفي، فمفهوم «النزعة الإنسانية Humanisme، هو من بين المصطلحات الأكثر تعقيدا والتباسا في الثقافة الغربية الحديثة. فهو يغطي من باحث إلى آخر ومن فلسفة إلى أخرى، إجراءات وموضوعات ترتبط بنوع من القرابة في المعنى، باصطلاحات تميل إلى حدوده. مثل الإنسانية والإنسانوية». وحسب معجم لالاند، فمادة الإنسانية تشير إلى أربعة مستويات من الدلالة عرضها حنفي كما يلي:
أ‌ - معنى تاريخي: دال على الحركة الفكرية المتمثلة في إنساني النهضة بتراك، إرازم، غيوم، بودي. وقد اتصفت هذه الحركة، بجهودها القوية لرفع قيمة الفكر الإنساني، ولوضعه في المقام المناسب. فربطت بين الثقافة الحديثة والثقافة القديمة، خلال العصور الوسطى والعصور المدرسية التابعة لها. ويستشهد لالاند على هذا المعنى، بتعريف لأحد المؤرخين، «لا تعني النزعة الإنسانية مجرد تذوق للعصر فحسب، بل تعني أيضا عبادة وتقديسا لا يقف عند حدود الافتتان بذلك الموروث القديم، وإنما إلى إعادة إنتاجه. والإنساني هو ذلك الشخص الذي لا يكتفي بالاطلاع على المعارف القديمة واستيحائها. بل هو الذي تسحره شهرتها، فيقوم بنسخها ومحاكاتها، فيتبنى نماذجها وأنماطها، أفكارها ولغتها».
ب‌ - معنى براغماتي: وهو الذي أطلقه ف.ج. شيلر من أكسفورد، على المذهب الإنساني الذي عرض له في مؤلفاته الإنسانية خاصة، والفلسفية عامة، الصادرة في لندن 1903 - 1907. وقد قدم لها بحكمة برثاغوراس، القائلة «إن قضية ما تعتبر صحيحة أو خاطئة تبعا لنتائجها، التي تتضمن قيمة عملية أو تكون مجردة منها. فالحقيقة أو الخطأ، يرتبطان بما ترمي إليه. فإذا كانت الحياة العقلية تفترض غايتها، فإن تلك الغايات لا يمكنها أن تكون إلا على النحو الذي تكون عليه. وبالتالي ينتج عن هذا، أن كل معرفة هي على وجه التحديد، مرتبطة بالطبيعة الإنسانية وبحاجاتها الأساسية». ثم يضيف شلر، أنه لا يمكن استعمال مصطلح النزعة الإنسانية على وجه مفيد، إلا بمراعاة شعور الموجودات البشرية بالمشكلة الفلسفية، وسعيهم لفهم عالم التجربة الإنسانية اعتمادا على ملكات الفكر الإنساني».
والنزعة الإنسانية حسب شيلر، ليست براغماتية في معناها الضيق، وإنما هي تكثيف لدلالات تاريخية / جمالية / فلسفية / أدبية، ترفض الميتافزيقا، وتعري اختلافها عبر العصور، وكيف تم تبريرها وفق الحاجات الفردية، أو تبعا لمصالح جماعية. والنزعة الإنسانية في عمقها الفلسفي، كما يوضح الدكتور حنفي، استنادا إلى لالاند، هي تمسك الإنسان بفضيلة الانتماء إلى كل ما تقوم به ماهيته. ويضيف: «يشير معنى الإنسانية إلى تصور عام للحياة (السياسية والاقتصادية والأخلاقية)، والمبدأ الذي يؤسسها، هو الاعتقاد في خلاص الإنسان بواسطة القوى الإنسانية. ويتعارض هذا الاعتقاد بكيفية صارمة مع المسيحية. إذ كان يدل على أن خلاص الإنسان إنما يتوقف فقط على حقوق الله وقوة الإيمان». أما المعنى اللاهوتي، فـ«يؤكد على أهمية طبيعة الإنسان المركبة من الغايات الإنسانية (الفن / العلوم / الأخلاق والدين)، والغايات الطبيعية الماثلة في صميم طبيعته، أي طرفي التعارض في الإنسان، بين الإرادة العليا والإرادة الدنيا». ويستدرجنا الحنفي من خلال استحضاره لتعدد الدلالات والمعاني التي طبعت مفهوم «الإنسانية» في لحظته التاريخية، أي القرن الخامس عشر والسادس عشر، وصولا إلى الأنوار، ليكشف عن الخلفية الآيديولوجية التي أصبح يوظف بها المفهوم، وكذلك القيم الحامل لها في عصرنا الحالي، تحت تبرير حقوق الإنسان، حيث يقول: «فإذا نحن أضفنا إلى هذا - أي تعدد الدلالات والمعاني - عنف الواقع الذي عاناه الإنسان المعاصر، خلال حربين عالميتين، وما أعقبهما من اضطرابات ونزاعات من أجل السيطرة وبسط الأطماع، واستعباد الشعوب المطالبة بحريتها واستقلالها، أدركنا العوامل التي جعلت فكرة الإنسانية تتحول، في الأدبيات السياسية المعاصرة، إلى شعار دفاعي يغطي تناقضات الواقع وينشر فوقه وجدانية فضفاضة، يحركها روح الإخاء، لتشمل التعبير عن إنسانية تعلو عن الفوارق والاختلافات». وحسب حنفي، فذلك هو ما يجسده (تضخم الشعارات) الإنسانية التي رفعها أنصار (الإنسانية) من أجل بلورة الفلسفة الإنسانية التي تضمنتها المواثيق الدولية والوطنية، بصدد ما يطلق عليه في لغة الحقوقيين (حقوق الإنسان)، أي حقوق جميع البشر في كل زمان ومكان».
3 - إنسانية النهضة:
لم يكن من الممكن للنهضة أن تؤثر في التاريخ البشري والفكري، من دون صياغتها لمفاهيم جديدة قادرة، بقوتها الإجرائية، على التأثير في الواقع والعمل على تغييره. بل إن طبيعة المفاهيم التي جاءت بها النهضة، كانت قادرة على الاستجابة لطموحات القوى الصاعدة التي ملت السكون الذي فرضته الكنيسة على المجتمع، والطامحة إلى وجود تصور جديد يمنح للواقع تصورا أكثر ديناميكية. وهو ما جعل حنفي في هذا الكتاب، يرى إنسانية النهضة ونزعتها الإنسانية، ليست إلا إعطاء القيمة للحركة la valeur du mouvement، ومفهوم التقدم كمحرك للتاريخ. وقد انصب مفهوم التقدم عند إنسانيي النهضة، على فرض غاية ينحو إليها التاريخ تمجد من الإنسان، وترسم له أمثل صوره، وكذلك القيم التي يمكن أن يكون عليها وفي هذا الصدد حسب حنفي، ركز خطاب النهضة في استراتيجيته على:
- الكتاب المقدس في نصه الأصلي
- العالم القديم (الإغريقي - الروماني)
من هنا يتبين كيف أن عملية التقدم كانت تقتضي لحظة وعي تاريخي بأهمية التراث وضرورة بعثه. لا للإقامة فيه، بل من أجل غربلته والوقوف على عناصر التقدم في داخله، وعناصر الجمود والارتكاس من أجل لفضها وتعرية آيديولوجيتها. وهو ما قام رواد النزعة الإنسانية مسلحين بنظرة جمالية / فنية / أدبية / موسيقية / علمية... جديدة للواقع والعالم والذات، مؤسسينها على دينامية الحركة، حركية الواقع والفكر في شكل متأن، وهو ما شكل نسفا جذريا للنص اللاهوتي في صيغته البابوية، التي كانت توظفه من أجل الحفاظ على تصور للكون، والواقع يضمن استمرارية مصالحها ورهاناتها، ولعل صرخة «جوردانو برونو» تعبر بشكل دقيق على هذه الدينامية الجديدة حين يقول كما أورده حنفي في هذا الكتاب الذي نقوم بقراءته «إن العالم هو كل لا متناه ليست له أطراف أو حدود، أو سطوح وأقول إن الكون لا يعني بكيفية جامعة أنه لا متناه، ما دام كل جزء من أجزائه متناهيا، ومادامت العوالم الكثيرة التي يشملها بدورها متناهية، ثم أقول إن الله هو بكيفية جامعة لا متناه، لأنه حاضر في العالم وفي كل جزء من أجزائه». وهنا يبدو واضحا تأثير الثورة الكوبرنيكية، فلم يعد هناك عالم الكون والفساد التي تصوره أرسطو ودافعت عنه الكنسية، بل أصبح الله جزءا من هذا العالم. ليس مطابقا لتركيبه، ولكن محايثا من حيث المكان والزمان وملازما له. إذ تقضي الحكمة الإلهية أن لا يظل الله خارج العالم يتفرج. وهذا ما عبر عنه برونو. وبعبارة أخرى، يقول حنفي: يمكن «أن ننظر إلى مساهمات الإنسانيين على أنها رسمت قارة الإنسانية بلغة تقريظية ملتهبة، تسعى إلى إبراز أشكال التداخل بين الطبيعة والإنسان، فاتحة بذلك تيار العقلانية في حركة النهضة بكل أبعادها المعرفية والسياسية والتربوية. إن هذا يعني أن فكرة إعادة الاعتبار إلى الإنسان، عبر التراث القديم ونقد التصورات والأشكال العتيقة للنظم الفكرية واللاهوتية السائدة، والميل نحو إعادة توجيه التفكير النقدي إلى الحاضر» الذي أعاد مركز السلطة إلى تجربة الفرد وعقله، كل هذه إذن عناصر رئيسية في الإطار المرجعي الذي استندت إليه إنسانية النهضة علوما وفلسفة وأدبا وفنا، في صراعها مع وثوقية الأفكار الدينية واللاهوت الكنسي.
4 - إنسانية الأنوار: رهانات الأخلاق والسياسة
تتجلى راهنية الأنوار، حسب حنفي، من خلال تأسيسها النظري للكثير من الأفكار السياسية التي تشكل جوهر الصراع السياسي المعاصر ويمثل لذلك بالكثير من الخطابات التي ترفع اليوم في الإعلام والمنظمات الحقوقية وينادي بها الزعماء السياسيون بأمثلة من الكتابات المؤسسة للأنواريين. فمثلا خطاب التسامح يمكن العودة به إلى فولتير، الذي أكد على الابتعاد عن الاختلافات العقدية، لضيق أفقها وعدم تسامحها. بل سعى حنفي، إلى أن يوضح قيمة هذا التراث الأنواري، من خلال عودة مجموعة من الفلاسفة المعاصرين إليه، كجون راولز مثلا في تصوره للعدالة وفي تأسيسه إلى قيمها.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.