العراق.. دولة يتجول فيها الفساد ويسكن الرعب شوارعها

حوله المالكي إلى كيان خاص بأقاربه وبـ«ائتلاف دولة القانون» الذي يرأسه (2)

بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)
بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)
TT

العراق.. دولة يتجول فيها الفساد ويسكن الرعب شوارعها

بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)
بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)

في الحلقة السابقة جرى الحديث عن جواد المالكي، الذي استعاد اسمه نوري المالكي بعد توليه رئاسة الوزراء في العراق، وحياته في كل من سوريا وإيران، ومطامحه الشخصية التي لم تكن تتجاوز الظفر بوظيفة صغيرة في إدارة التربية والتعليم. وكيف لعبت الصدفة وحدها، دورا في أن يصبح رئيسا لوزراء العراق، وقائدا للقوات المسلحة. في لحظة وصفها السياسي العراقي، أحمد الجلبي، بـ«جبر الخاطر»، أي جبر خاطر حزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي إليه المالكي، من دون أن تعي القوى السياسية، أن القادم إلى سدة الحكم، سيصادر عليها حقها في التمثيل الحقيقي، وينتزع السلطات من الهيئات والمؤسسات المستقلة: هيئة النزاهة المستقلة، والسلطة المالية، والسلطة القضائية وغيرها. ولم يكتف هو وحزبه بذلك، بل امتد احتكار السلطات إلى البرلمان، بعد أن احتوى حزب الدعوة رئاسة الجمهورية.
تتناول هذه الحلقة سنوات نوري المالكي الأربع الأولى، من 2006 إلى 2010.

* قلنا في نهاية الحلقة الأولى إن المالكي دشن ولايته الأولى، بقطع محاكمة صدام حسين وإعدامه. وحسب موفق الربيعي، فقد رد المالكي على سؤال لجورج بوش الابن، الذي اتصل به ليسأله: «إذا سلمناكم صدام حسين ماذا ستفعلون به»، قائلا: «نعدمه». وهذا ما يدحض ويُكذب كل ما أشاعه حزب الدعوة، بأن التسريع بإعدام صدام، قبل الانتهاء من المحاكمات المهمة، كان سببه وجود مخطط لهروبه من السجن. غير أن الجميع يعرف أن الأميركيين هم من أوصل صدام إلى منصة المشنقة. وكان ما حدث فجر ذلك اليوم من مهازل، وما شاهده العراقيون من مواقف لا إنسانية وسعار طائفي بغيض، حين لم يتردد البعض من حمل المدعي العام، الفرعون، على الأكتاف، حيث راح يطلق هتافات طائفية: «منصورة يا شيعة حيدر»، مما حول عملية الإعدام، من قصاص إلى انتقام، وبداية لمسار طائفي، تحول إلى نهج لحكومة نوري المالكي، ما زال الشعب العراقي يعاني من ذيوله.
حين شكل نوري المالكي طاقم إدارته، اختار أفراده من بين كوادر حزب الدعوة. وقد أشرنا في حلقة أمس، إلى شخص كان يوزع الشاي في مكتب الحزب في سوريا، أصبح مديرا لإدارة مكتب رئيس الوزراء، وجمع ملايين الدولارات من وراء ما كان يطلبه من «خوّات» من الراغبين في مقابلة المالكي. ثم أخذ الفساد يستشري، حتى فاحت روائحه من داخل وزارة التجارة، التي كانت حقيبتها بيد عضو في حزب الدعوة، تستر عليه المالكي، إلى درجة مطالبة برلمانيين من جماعته، بعدم الضغط على الوزير، حين استدعي إلى البرلمان، والدعوة إلى تخفيف حدة استجوابه. وكان مسؤول لجنة النزاهة، الشيخ صباح الساعدي، قد اصطحب معه إلى الجلسة، صفاء الدين الصافي، وزير شؤون مجلس النواب، وأحد وزراء حزب الدعوة، حتى أنه سئل عن شرعية وجوده وعن محاولاته التستر على وزير التجارة خلال النقاش الذي جرى معه حول الفساد المالي والتجاري.

* دولة فساد
* في تلك الفترة، بلغ الفساد حدا غير معقول أبدا، وحصد الفاسدون مليارات الدولارات التي سرقت من قوت المواطن مباشرة، كما حدث بالنسبة للبطاقة التموينية، التي كانت تصل إلى المواطن كاملة وفي موعدها، في زمن صدام حسين، مع أن ميزانية العراق كانت بائسة قياسا بميزانيته في عهد المالكي. بدأ التأخير يطال البطاقة التموينية التي بدأت تنقص تدريجيا. ولجأ نوري المالكي إلى الطلب من وزير التجارة تقديم استقالته، كي يتخلص من عقوبة الإقالة وما يترتب عليها. وبعد فترة، فوجئ العراقيون بتبرئة الوزير من قبل محكمة الرصافة، حيث سعى للخروج من البلاد. وقد حاولت جهات عدة إعادته أثناء محاولته السفر إلى دبي، مستخدما جوازه البريطاني، ونجحت بالفعل. غير أنه أمكن، تهريبه، بعدها، إلى الخارج، وتم غلق القضية المرفوعة ضده. ورغم أن إخوة الوزير عاثوا فسادا في وزارة التجارة، فإن المالكي لم يأخذ الأمر بجدية، إلا بعد نشر فيديو يظهر فيه شقيق الوزير الهارب، وهو يشتمه.
كان الفساد هو العنوان الأبرز لوزارة المالكي الأولى. لكنه بدلا من أن يتوقف أو يتراجع على الأقل، امتد إلى فترة حكمه الثانية وتزايد. وقد تدخل المالكي لوقف تحركات ثلاثة من رؤساء النزاهة ضد الفساد، هم: راضي الراضي، وموسى فرج، وعبد الرحيم العكيلي، مع أن الدستور ينص في المادة (99)، على أن هيئة النزاهة مستقلة ويشرف عليها البرلمان العراقي. عطّل المالكي هذا الإشراف، وأخذ يصدر قرارات إقالة بحق القضاة الذين أشرفوا عليها. ولم يكتف بذلك، بل دفع القضاء إلى توجيه اتهامات ضد بعضهم، مثلما حدث مع رئيس الهيئة الأخير، عبد الرحيم العكيلي الذي وجهت ضده ثماني عشرة تهمة، بينها اتهامات تضعه في خانة الإرهابيين.

* ائتلاف دولة القانون
* جعل نوري المالكي ولايته الأولى، كيانا خاصا به وبـ«ائتلاف دولة القانون» الذي شكله برئاسته. كان شعار الائتلاف، في البداية، فرض القانون. وبدا أن هذا التوجه استجابة فعلية لما يتطلع إليه العراقيون، وما كانوا ينتظرونه من الحكومة الجديدة. لكن حكومة المالكي، لم تتقدم خطوة واحدة في اتجاه فرض القانون، والحد من انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية. بل شرعن المالكي نفسه، بيع عقارات الدولة لجماعات من حزبه، وتسبب في فضيحة مدوية، وقف البرلمان، ممثلا بهيئة النزاهة، ضدها. فقد بيعت جامعة البكر، وهي جامعة عسكرية أقيمت عام 1973 لتخريج الكوادر العسكرية، وشيدت على مساحة نحو ستة آلاف متر مربع، في منطقة حيوية جدا، وصل سعر المتر فيها إلى ألفين وخمسمائة دولار. وقد تقدم صاحب عمامة لشرائها بسعر تسعين دولارا للمتر المربع، مع البناء المشيد على الأرض، على أن يُقسط المبلغ على عشر سنوات. ومع اعتراض الوقف الشيعي عليها، واعتراض محكمة التمييز، سُجلت باسم عضو حزب الدعوة، وتحولت إلى اسم جامعة الإمام الصادق، وصار الرجل، الشاري، رئيس أمنائها، ويستخدمها اليوم للدراسة الخاصة، أي برسوم مادية.
وبالإضافة إلى العقارات التي هيمن عليها أقارب نوري المالكي وأنسبائه في المنطقة الخضراء، جرت الهيمنة على مطار المثنى الذي تحول إلى عقار لحزب المالكي. ومطار المثنى كان المطار القديم وسط بغداد، قبل أن يُبنى مطار بغداد الدولي. وقد عين المالكي نجله مسؤولا عن عقارات المنطقة الخضراء. وحصل أن ظهر المالكي نفسه على إحدى القنوات التلفزيونية وتحدث عن بطولات ابنه في ملاحقة الفاسدين أو عصاة القانون. ومع أنه أخذ يشيد بمنجزاته الأمنية صباح مساء، رغم الإرهاب الذي أخذ يضرب وسط بغداد وبقية المدن العراقية الأخرى، إلا أن المالكي قال متبجحا: لم يتمكن الجيش والشرطة من إلقاء القبض على هذا العاصي - وهو نجل مقاول في الحمايات الأمنية - إلى أن لجأوا إلى نجل المالكي فذهب على رأس قوة من الشرطة اعتقله. وقد أخذ العراقيون يتندرون على ابن المالكي، طرزان عصره.
اهتم المالكي بأمنه الشخصي كثيرا، وصار إذا أراد الخروج من المنطقة الخضراء، خرج في موكب من نحو مائتي سيارة حماية. لكنه لم يهتم بأمن العراقيين الذين يتعرضون للإرهاب وأعمال القتل والتفجير بصورة يومية. وفشل في التقدم خطوة واحدة في مكافحة الإرهاب، وراح يوزع الاتهامات على أشخاص آخرين ودول أخرى، مع أن لديه قوات مسلحة بلغ تعداد أفرادها نحو المليون.
بعد توليه منصب رئاسة الوزراء، تنكّر المالكي للوعود التي أطلقها بتحقيق مصالحة. وظل يلعب على الوتر الطائفي، وقدم نفسه باعتباره الشيعي المرفوض من قبل أهل السنة. ولم يكن ذلك سوى ادعاء هدفه التجييش الطائفي قبيل الانتخابات التي كان مقررا إجراؤها في أبريل (نيسان). استخدم المالكي العزاء الحسيني، وأنشأ له مكوكبا تتوسطه صورته، يذكر بجداريات صدام حسين. كما تجاوز البرلمان في تعيين القيادات العسكرية. ولم يمض وقت طويل، حتى أخذ العراقيون يستعيدون شخصية وزير الإعلام العراقي السابق، وأحاديثه ومبالغاته خلال عمليات اجتياح القوات الأميركية بغداد. فقد عين نوري المالكي شخصية مهمتها إصدار البيانات المتعلقة بإلقاء القبض على الإرهابيين. وقد أصدر بيانات حول من ألقي عليه القبض من عناصر «القاعدة»، لو جمعت لكانت أعدادها كافية للتأكيد على انتهاء هذا التنظيم.
لم يأخذ المالكي خلال ما قام به من تعيينات في مجالات أهمها المناصب الأمنية، الخبرة أو الكفاءة بالاعتبار. ومع أنه ليس لديه خبرة في الإدارة ولا في القيادة العسكرية، فقد كان بإمكانه الاستعانة بخبرات عراقية من خارج حزبه وتكتله. على سبيل المثال، مكن المالكي أحد البقالين السابقين، من أن يصبح مسؤولا عن الأمن العراقي، ووكيل لأهم وزارة تخص الأمن، خلال أيام. وهو الآن بمثابة وزير. ولهذا كان الرعب والترويع يتجول في العراق بلا موانع. ولو عددنا العمليات الإرهابية خلال فترة المالكي الأولى لاستحقت أكثر من استقالة من منصبه. لكنه ظل يعاند فكرة استجوابه أمام البرلمان، وهذا يعني إهمال دور هذه المؤسسة وتهميشها، بعد الاستيلاء على المؤسسات المستقلة.
وقد وجه نوري المالكي اتهامات إلى سوريا بتدريب الإرهابيين ونقلهم إلى العراق. وبالفعل، كانت سوريا تعمل على مواجهة الأميركيين، وإفشال النموذج الذي سعوا إليه في العراق، كي لا تستدير واشنطن نحو النظام في دمشق وتعمل على إسقاطه، باعتبار البعث السوري شموليا أيضا. وكشفت تقارير أن الرئيس العراقي جلال طالباني، زار سوريا وقدم للنظام وثائق تشير إلى ذلك. لكن المالكي نفسه، خرج بعد فترة قصيرة، لا ليتهم دمشق هذه المرة، وإنما ليعانقها ويعرض عليها حلولا لمشاكلها، وقد قدم المالكي لسوريا النفط العراقي بأسعار زهيدة.
وتبين بعد ذلك، أن دخول الإرهابيين عن طريق سوريا، جرى في سياق مواجهة إيرانية لأميركا، لإجبارها على الخروج من العراق، مضطرة، وتقديمه لها على طبق من فضة. يؤكد هذا، ما تكشف من أن مسؤول فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، كان وراء ذلك كله. ولو عدنا إلى تصريحات الساسة العراقيين، الشيعة، الذين ليسوا على خلاف مع إيران، لعثرنا على أحاديث كثيرة عن دور لقاسم سليماني في هذا المجال، وعرفنا أنه كان مشرفا على الملف العراقي، وبيده أن يبقى نوري المالكي رئيسا لوزراء العراق أو يزيحه عن كرسيه. وأن التعامل مع الملف السوري، كان جزءا من طبخة ولاية المالكي الثانية.
كان ضرب «القاعدة»، والجماعات الإرهابية آنذاك، في ظل وجود القوات الأميركية والعراقية المشكلة حديثا، مستحيلا تماما، لولا عشائر الصحوات، التي شُكلت برعاية أميركية. وهي - أي الصحوات - من أخرجت قادة «قاعدة» العراق من المنطقة الغربية. يذكر أن أبو مصعب الزرقاوي، لم يقتل في الأنبار حيث الدولة الإسلامية، بل في ديالى. وقد أخذ معدل العمليات الإرهابية في التراجع، بعد عدد من العمليات النوعية، كتفجير سوق وقتل خمسمائة مثلا، أو تفجير مدارس أو رياض أطفال أو مستشفيات.
لكن كيف تعامل نوري المالكي مع الصحوات؟ كل المؤشرات تشير إلى أنه عمل على تهميشها، وتركها عرضة لثأر «القاعدة»، وتعطيل تحقيق المصالحة الوطنية. ومعلوم أنه من دون مصالحة وطنية، حتى لو تولى نوري المالكي شأن رئاسة الوزراء لعشر ولايات أخرى، لن يتحقق السلام. لكن الحقيقة تبقى أن غياب المصالحة ارتبط، على الدوام، بوجود المالكي على رأس السلطة.
وكان نوري المالكي، قد أعلن بُعيد تدشين ولايته الأولى، أي منتصف عام 2006، عن إطلاق مبادرة المصالحة الوطنية، ومن بنودها: العفو العام عن السجناء الذين لم يتورطوا في قتل مدنيين، وإعادة النظر بقانون اجتثاث البعث، وتأسيس هيئة المساءلة والعدالة لتحل محل الاجتثاث، وتعويض العسكريين والمسؤولين الحكوميين من النظام السابق الذين تم فصلهم أو إقالتهم. غير أن ما حصل، هو أن تحولت المساءلة والعدالة إلى سيف على رقاب المختلفين مع المالكي. وأصبحت إعادة هذا أو ذاك إلى العمل، مرتبطة بالولاء للمالكي نفسه، أي أن مشروع المصالحة الوطنية لم يقم على أرضية جديدة بعد قلب صفحة الماضي.

* سياسة التهميش
* ومن التهميش الطائفي إلى التهميش على أساس حزبي سارت سياسة المالكي. صحيح أن ائتلاف دولة القانون (تكتل المالكي)، حصل على 89 معقدا برلمانيا، لكن نسبة من هذه المقاعد، أُخذت من الأصوات التي حصل عليها السيد جعفر محمد باقر الصدر، الذي استقال من البرلمان بعد أن شارك في اللجنة القانونية. وقد رأى أن القوم سائرون في طريق آخر. وبهذا احتفظ تكتل المالكي بعدد المقاعد التي حصل عليها بأصواته، فأعداد كثيرة من التكتلات، ليس دولة القانون فقط، لم تحصل على عدد الأصوات التي تمكنها من دخول عتبة البرلمان. وقيل أن الذين حصلوا على هذا القاسم المشترك هم ثمانية عشر فقط. ولولا التكتل مع الكيانات الشيعية الأخرى، ما وصل المالكي إلى رئاسة الوزراء، لا في الولاية الأولى ولا في الثانية. مع ذلك، تنكر المالكي لشركائه من القوى الشيعية، بعد أن كان تعهد بتشكيل حكومة شراكة وطنية.
لم يتمكن المالكي في الولاية الأولى ولا الثانية من تحقيق دولة القانون. فقد ظل شعارا على ورق. وقد شغل نوري المالكي المناصب بمقربين منه، ومنهم من كان يستحق الاجتثاث حسب قانون العدالة والمساءلة.
إلى جانب هذا الوضع الداخلي المزري، لم تتمكن حكومة المالكي من تطبيع العلاقات مع دول الجوار، وحتى علاقاتها مع إيران لم تكن علاقة تكافؤ. وقد ساد شعور لدى المواطن العراقيين، بأن التدخل الإيراني في مفاصل الدولة، بلغ حد المقارنة مع الاحتلال. هنا، لا بد من إيراد تصريح لموفق الربيعي، أدلى به في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، في نهاية ولاية نوري المالكي الأولى، 30 يونيو (حزيران) 2010، حيث قال: «من الواضح أنه يمسك بالملف العراقي، وأعتقد أن رتبته، حسب ما أذكر، هي لواء في الحرس الثوري في مقر (فيلق) القدس المعني بحركات التحرر في العالم، وسليماني هو المسؤول عن الملف العراقي، وأعتقد أن له القول الفصل في ذلك». وأضاف الربيعي، مستشار الأمن القومي السابق، قائلا: «أتصور أنه يدافع عن مصالح إيران القومية ومصالح إيران الوطنية، وبالتالي يرى كل المنطقة من خلال هذا المنظار، وأنا لا ألومه على هذا حقيقة، فلو كنت في محله لفعلت الشيء نفسه».
إن دور الجنرال الإيراني الذي يجيد التحدث باللغة العربية، غير خافٍ في العراق. وقد تحدث عن تقارير دولية يصعب نفي ما جاء فيها من معلومات. وبدلا من أن يأخذ الدور الإيراني في التلاشي، بعد أن تأسس الجيش العراقي وأعيد تشكيل الدولة العراقية، إلا أنه عاد إلى التصاعد خلال ولايتي نوري المالكي، حجتي أن العراقيين، عدوا خلع نوري الملاكي لربطة عنقه في حضرة مرشد الدولة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، أثناء ولايته الأولى، رمزية.
مثلت ولاية المالكي الأولى، حالة انتعاش لرجال الدين، الذين باتوا يقدمون أنفسهم، حاليا، كمراجع في مدينة النجف، وهم من المنتظمين السابقين في حزب الدعوة. فمحمد كاظم الحائري، ظل حتى بداية الثمانينات، يمثل الولي الفقيه للحزب، إلى أن وقع خلاف معه حول هذا الدور، وظل هو مخلصا للولي الفقيه في إيران، بينما كان له داخل العراق الحالي، نحو انثي عشر مكتبا، ومكتب رئيس في النجف. كذلك عاد إلى العراق محمود هاشمي شاهرودي، وهو إيراني كان في حزب الدعوة، ثم تقلد منصب رئاسة مجلس القضاء الأعلى في إيران، ويقدم اليوم، كمرجع ديني في النجف. وكذلك وجود محمد رضا الآصفي، الذي ظل رئيسا لحزب الدعوة، ثم لفرع منه، وما زال يؤمن بولاية الفقيه. وقد أصدر كاظم الحائري فتوى لقتل البعثيين، ثم فتوى تحرم انتخاب العلمانيين وتؤيد نوري المالكي. مثل هؤلاء «المراجع» دخل كمنافس للمرجعية التقليدي في النجف، التي لا تقر بفكرة ولاية الفقيه، وتحدث عنهم أحد علماء الدين العراقيين من الحلة، ووصف وجودهم ناقدا بعبارة «استيراد مراجع».
لا تزال مواقف المرجعية الدينية من نوري المالكي وحكومته، مواقف ناقدة. ومن يستمع إلى خطب الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجعة في كربلاء، تتضح له الصورة، ولا يصدق ما قاله نوري المالكي ردا على القيادات الشيعية المعترضة عليه، بأن المرجعية تحبه وتؤيده.
إجمالا، لم تنجز الولاية الأولى للمالكي، كرئيس وزراء، أي من الملف المطروحة، وأولها، ملف الفساد الذي تعظم وصار سمة للسلطة. فيما فقد العراقي أمنه وأمانه مع تزايد الإرهاب وضعف الحالة الأمنية.
ولم تكن العلاقة مع إقليم كردستان خلال تلك الفترة بالجيدة، ثم أخذت بالتفاقم خلال الفترة الثانية.

* نماذج من العمليات الإرهابية خلال ولاية نوري المالكي الأولى (2006)

بغداد - الصّدر 4 مايو (أيار)، تفجير بناية محكمة، قتلى وجرحى
بغداد - الصّدر 19 مايو، تفجيرات، قتلى وجرحى
بابل - المسيب 19 مايو، اغتيالات، العثور على جثث
بغداد 1 يونيو، قتل حراس المنشآت وقطع رؤوس
البصرة 10 يونيو، اغتيال الشيخ يوسف الحسان، وتصاعد الحرب الطائفية
بغداد - الكرخ 16 يونيو، تفجير جامع براثا وسقوط قتلى وجرحى
بغدد - الصّدر 30 يونيو، تفجيرات، مجزرة
النّجف - الكوفة 17 يوليو (تموز)، تفجيرات، قتلى وجرحى
بغداد - المحمودية 17 يوليو، تفجيرات، قتلى وجرحى
بغداد - الصّدر 23 يوليو، تفجيرات، قتلى وجرحى
كركوك 23 يوليو، تفجيرات، قتلى وجرحى
النّجف 9 أغسطس (آب)، تفجيرات، قتلى وجرحى
بغداد - الصّدر 22 سبتمبر (أيلول)، تفجيرات، قتلى وجرحى
الموصل، 11 أكتوبر (تشرين الأول)، اغتيال القس بولص إسكندر ضد المسيحيين
الحلة 11 أكتوبر، اغتيال محمد القاسمي، رئيس حزب الوحدة الإسلامية، أحد أبرز المناهضين للقتل الطّائفي
بغداد - حي العامل، 6 نوفمبر (تشرين الثاني)، تدمير جامع العشرة المبشرة، قتلى وجرحى
البصرة، 30 نوفمبر، اغتيال معاون الوقف السني مع ستة من حراسه
بغداد - سوق الصدرية، 2 ديسمبر (كانون الأول)، تفجيرات، أكثر من 84 قتيلا
بغداد، 5 ديسمبر (كانون الأول)، تفجيرات، أكثر من 30 قتيلا
بغداد - الصدر، 6 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير انتحاري وقذائف هاون، قتلى وجرحى
بغداد - النهروان، 9 ديسمبر (كانون الأول)، قذائف هاون، أكثر مِنْ 25 قتيلا
كربلاء، 9 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير في سوق مركزي، قتلى وجرحى
بغداد - ساحة الطيران، 12 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير انتحاري وسط عمال، 60 قتيلا ومئات الجرحى
بغداد، 14 ديسمبر (كانون الأول)، اختطاف جماعي من سوق تجارية، 40 - 50 شخصا
بغداد، 17 ديسمبر (كانون الأول)، اختطاف جماعي، لموظفي الهلال الأحمر
بغداد، 22 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير انتحاري، كلية الشرطة، 21 قتيلا
بغداد، 28 ديسمبر (كانون الأول)، تفجيرات متعددة، 77 قتيلا
بغداد، 30 ديسمبر (كانون الأول)، إعدام صدام حسين، العنف يتصاعد
بغداد - الكرخ، 31 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير في سوق الشّواكة، قتلى وجرحى
(2007)
بغداد، 16 يناير (كانون الثاني) تفجير بالجامعة المستنصرية، أكثر من 70 ضحية
بغداد، 18 يناير تفجيرات متعددة، قتلى وجرحى
بغداد، 22 يناير، تفجير بباب الشرقي، مجزرة
بغداد، 31 يناير، العثور على جثث أساتذة جامعيين، استمرار قتل الكفاءات
بابل، 1 فبراير (شباط)، جماعة الزركة (جند السّماء)، قتلى بالمئات
بابل - الحلة، 1 فبراير، تفجير وسط سوق شعبية، 195 قتيلا وجريحا
بغداد - الصّدرية، 3 فبراير، تفجير سوق، 130 قتيلا ومئات الجرحى
بغداد - الأعظمية، 4 فبراير، قذائف هاون، قتلى وجرحى
بغداد، 5 فبراير، تفجيرات، 120 قتيلا
بغداد - الكرخ، 13 فبراير، تفجير حافة، 18 قتيلا
بغداد، 12 أبريل، تفجير انتحاري بمجلس النواب، 8 قتلى ونائبان
بغداد 12 أبريل، تفجير جسر الصرافية ، قتلى وغرقى
الفلوجة 24 أبريل، تفجير موكب جنائزي ، نحو 40 قتيلا
كربلاء، 28 أبريل، تفجير قرب مرقد العباس، مئات القتلى والجرحى
الموصل، 2 يونيو، اغتيال قس وشمامسة، عنف ضد مسيحيين
البصرة - الزبير، 14 يونيو، تفجير مرقد الصحابي طلحة، عبوات ناسفة
الموصل - الحمدانية، 14 أغسطس، تفجير قرى الأيزدية، مئات القتلى
بغداد - الصّدر، 4 سبتمبر، تفجيرات، مجزرة
الأنبار - الرمادي، 13 سبتمبر، اغتيال عبد الستار أبو ريشة، رئيس الصحوات
بغداد - الكرخ ، 19 أكتوبر، تفجير جامع البركة، قتلى وجرحى
بغداد، 25 نوفمبر، تفجير بباب المعظم، 50 قتيلا
بابل - الحلة، 9 سبتمبر، اغتيال اللواء قيس المعموري، قائد شرطة الحلة
الأنبار - هيت، 12 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير الجسر الرئيسي، قتلى وجرحى
ميسان - العمارة، 12 ديسمبر (كانون الأول)، ثلاثة تفجيرات، قتلى وجرحى
ديالى - بعقوبة 24 ديسمبر (كانون الأول)، اختطاف مواطنين، 14 رجلا وامرأة وطفلا



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.