فنانون خارج النظام

في حالة عصيان مدني مستمر ضد النظام السائد ومجتمع الاستهلاك و«الإمبريالية الرأسمالية»

فنانون خارج النظام
TT

فنانون خارج النظام

فنانون خارج النظام

قضية اختفاء التحفة الحائطية «سلاف لابور» للفنان البريطاني بانكسي المزينة لشارع وود غرين اللندني في ظروف غامضة، أسالت الكثير من الحبر وفتحت باب النقاش على مصراعيه: أولا لأن هذه التحفة ليست كمثل ما عهدناه من التحف، فهي عبارة عن «غرافيتي» على شقفة حائط في شارع شعبي شهرتها تعدت حدود البلد رغم أنها معروضة للجمهور مجانا.. وثانيا وهو الأهم هذه التحفة المختفية التي أنجزها الفنان بانكسي للتنديد باستخدام الأطفال كيد عاملة رخيصة وجدت معروضة للبيع في غاليري أميركي بمبلغ خيالي يتراوح ما بين خمسمائة ألف دولار إلى سبعمائة ألف دولار، وهي مفارقة غربية إذا علمنا بأن فناني الشوارع المعروفين تحت مسمى «ستريت أرتيست» أو «أوروبان أرتيست» يعتبرون أنفسهم فنانين «خارج النظام» ومتحررين من نفوذ أسواق الفن. وهم ضد المؤسسات الثقافية التي يعتبرونها بمثابة سجون خانقة لإبداعاتهم التي لا تجد معنى لها إلا في إطار فضاء مفتوح وبطابع عشوائي متحرر. فكيف حدثت هذه النقلة الكبيرة وكيف هجر «فن الشوارع» الأماكن العامة ليدخل المزادات العالمية ودور العرض والغاليريهات الفخمة؟
شهرة فناني الشوارع بنيت على سمعتهم كمبدعين عشوائيين يرفضون الدخول في خانات ضيقة، فهم كما يعرفهم بول أردان الناقد الفني ومؤلف كتاب «مائة فنان من الستريت آرت» (دار نشر «لامارتنيار»)، «فنانون في حالة عصيان مدني مستمر، ضد النظام السائد وضد مجتمع الاستهلاك وضد الإمبريالية الرأسمالية (...) يتحدون القانون ويقتحمون فضاءات عامة ليعبروا فيها عن حسهم الإبداعي لأنهم يؤمنون بأن الفن حرية وبأن للكل الحق في التمتع به دون حاجة إلى الدفع»، علما بأن معظمهم يرسم ليلا وفي السر لأن القانون يعاقب من يرسم على جدران الشوارع والمحلات والممتلكات الخاصة. القانون الفرنسي مثلا يعاقبهم بغرامة من الدرجة الخامسة تصل لـ1500 يورو وقد تتعداها إلى 30 ألف يورو والسجن سنتين إذا لحق بالممتلكات ضرر كبير، إضافة إلى ملاحقات قضائية قد ترفعها ضدهم جمعيات حفظ البيئة ومصالح البلديات وأصحاب العقارات.
الفنان الأميركي شبيارد فيري الملقب بـ«أوبي» والمعروف بحائطية «هوب» التي تمثل وجه الرئيس أوباما أوقف من طرف الشرطة ستة عشر مرة، وهو الآن في «فترة اختبار» بعد حكم بالسجن لمدة سنة غير نافذة بسبب رسومات حائطية في مدينة بوسطن.
ويتعرض البريطاني بانكسي منذ سنوات لملاحقات قضائية رفعتها ضده جمعية بريطانية تدعى «كيب لندن تايدي» بتهمة تشويه منظر المدينة، إضافة إلى ما تعرض له من مضايقات الشرطة التي لا تحبذ رسوماته على جدران البنايات. أما الفنان الفرنسي الملقب بـ«زوس» والمعروف برسوماته المستوحاة من ألعاب الليغو فقد أعلن في حوار مع إذاعة «فرانس كولتور» بأن زيارة أقسام الشرطة أصبحت شبه يومية بالنسبة له، قبل أن يتحدث عن تجربة سجنه في هونغ كونغ بعد رسمه على حائط محل مشهور. العمل في السرية وبصفة عشوائية جعل البعض يسمي فن الشوارع بـ«فن اللافنانين»، فمعظم أصحابه ينشطون بعيدا عن الأضواء، خوفا من ملاحقات الشرطة، رافضين التواصل مع وسائل الإعلام أو الإدلاء بتصريحات صحافية، معظمهم يحمل ألقابا مستعارة ولا أحد يعرف هويتهم الحقيقية، بل إن ملامح بعضهم مجهولة تماما كالفنان الفرنسي الملقب بـ«إنفاندر» المعروف برسوماته المستوحاة من ألعاب الفيديو، والذي يجول العالم منذ سنوات في سرية تامة، أو البريطاني بانكسي الذي وعلى الرغم من شهرته الواسعة ما زال مجهول الهوية، لم تفلح وسائل الإعلام لغاية الآن في التقاط أي صور له.
الالتزام السياسي يبقى تركيبة مهمة في نشاط هذه الفئة من الفنانين - كما يشرح بول أردن في كتاب آخر بعنوان «الفن في لحظته السياسية» (دار نشر «أنت بوست»): «فنانو الشوارع يحملون رسائل سياسية قوية، ليس فقط بحكم مكانتهم كمبدعين، بل أيضا في دورهم الذي يحمل منطق معارضة، فهم ينددون ويتحدون ويزعجون ويتساءلون ويدفعون الناس للتفكير.»...
تضيف الباحثة ستيفاني فورني في كتاب «آرتفيسم: فن، حركة سياسية، ومقاومة ثقافية» (دار نشر «ألترناتيف»): «فنان (الستريت آرت) يعتبر الأماكن العامة فضاء للتعبير السياسي وللمشاركة الديمقراطية، ولهذا نراه يندد عبر فنه بالنزعة الفردية السائدة في المجتمعات الحالية وبالليبرالية والتمدن المتوحش ولأنه إنسان حر، فهو يرفض أن يستغل من أي طرف كان».
الفنان بانكسي المعني بنضال الفلسطينيين، الذي شارك من خلال مشروع «سانتاس غيتو» برسومات تدعو للسلام على جدار العزل العنصري بالضفة الغربية، يروي هذه الحادثة في كتابه: «وول أند بيس» (دار نشر «ألترناتيف»): «وأنا أرسم على جدار غزة اقترب مني عجوز فلسطيني وقال لي: «أنت تزين الجدار»، فأجبته: «شكرا، هذا لطف منك.»..، فقاطعني مضيفا: «نحن لا نريد جدارا جميلا، نحن لا نريده أصلا».@@
الفنان الأميركي شيبارد فيري الذي عبر عام 2008 عن تأييده للرئيس أوباما من خلال مجموعة جداريات «هوب»، هو أيضا من أكبر المنددين بهيمنة عالم المال والبورصات، وقد عبر عن ذلك من خلال جدارية «ثي بروتستر»، وكان هو نفسه مشاركا في الحركة الاحتجاجية «أكوباي وول ستريت».
فنانو الشوارع تفاعلوا أيضا مع الأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا وكثير منهم رسم في الشوارع معاناة الناس. الفنانة اليونانية لويزا غويلياماكي رسمت جدارية «عذراء اليورو» لتعبر عن انهيار التراث الفني والثقافي في بلادها على إثر السياسات التقشفية، بينما الإسباني إيسيف أنجز «المقصلة» في وسط مدريد، التي تعبر عن حياة الإسبانيين الخانقة بسبب الأزمة.
أكثر ما يخشاه هؤلاء المبدعون وقوعهم في فخ المؤسسات الثقافية الرسمية لأنهم يؤمنون بأن المتاحف ودور العرض والغاليريهات هي بمثابة المقابر التي تقضي على فنهم على اعتبار أنه مستوحى من روح الأماكن والفضاءات المفتوحة. الفنان بانكسي نفسه عبر عن هذه الهواجس في شريط قصير من إخراجه بعنوان «اصنعوا الحائط»، عبر قصة شاب ذكي يفلح في إقناع خبراء سوق الفن بأنه فنان عبقري وينجح في بيع تحفه وتحقيق أرباح طائلة رغم أنها لا تحمل أية قيمة فنية.
الجديد اليوم هو أن المؤسسات الثقافية التي لم تكن تعترف بفن الشوارع، بل وتعتبره نشازا بالأمس، أصبحت اليوم تتسابق لعرض تحفه من قطع «التاغ» و«الغرافيتي» و«الملصقات» و«الجداريات» على اعتباره آخر صيحات الفن التشكيلي. ففي فرنسا وحدها وفي أقل من ثلاث سنوات فتحت عدة مؤسسات ثقافية أبوابها لفناني «ستريت آرت»: مركز «جورج بومبيدو»، متحف «لو غران باليه»، مؤسسة «بيار كاردان»، متحف «لابوست»، ومؤخرا فضاء لي باندوش، كلها نظمت معارض لفنانين فرنسيين وأجانب.
مسؤولو هذه المؤسسات أول من يؤكد على أهمية هذه الخطوة، تقول ماجدة دانيز الخبيرة والناقدة الفنية: «البعض يعتقد بأن فن الشوارع فن جديد، والحقيقة أنه قطع مشوارا مهما منذ بداياته في الأحياء الشعبية بنيويورك وشيكاغو منذ أربعين سنة، الآن حان الوقت لكي يتعرف العالم على تاريخه وتطوراته. صحيح أن بعض الفنانين ما زالوا يقاومون دخولهم سوق الفن، لكننا سنعطيهم الوقت الكافي والضمانات اللازمة التي تكفل لهم كامل حريتهم الإبداعية».
الرسميون هم أيضا انضموا إلى هذا الفريق المشجع، مساعد عمدة باريس للشؤون الثقافية برونو جوليار صرح مؤخرا على صفحات مجلة «لكسبرس»: «فن الشوارع ميزان حراري جيد لقياس الانتعاش الثقافي لمدينة ما.. في رأيي هو مجال يجب تطويره قبل أن يضيف. لقد أعطينا توصيات خاصة لعمال النظافة لكي لا يتعرضوا لبعض الجدران، حيث إنهم تلقوا تكوينا خاصا لكي يتمكنوا من التعرف على الرسومات الفنية التي يجب تركها». علما بأن بلدية باريس وحدها تقوم بمحو ما يزيد على 285 ألف متر مربع من رسومات «التاغ» العشوائية، وقد كلفتها هذه العمليات في السنوات الثلاث الأخيرة نحو 11.4 مليون يورو. عمدة الدائرة الثالثة عشرة جيروم كومي ذهب لأبعد من ذلك حيث إنه وضع عدة أحياء من بلديته تحت تصرف فنانين شباب بالتعاون مع «غاليري إتينرانس» الذي يهتم بهذا الفن، وهو ما نتج عنه ظهور 14 جدارية من بينها جدارية الفنان الأميركي أوبي، التي تمتد على علو خمسة عشر طابقا وكلها معروضة في إطار مزار سياحي يعرض لزوار هذه الأحياء.
المفارقات التي تميز هذا الفن كثيرة، فبينما ما زال معظم فنانيه ينشطون في سرية تامة خوفا من ملاحقات الشرطة، تقابلهم سوق الفن بأذرع مفتوحة. تحفهم باتت مطلوبة من طرف النجوم والمشاهير وأسعارها أصبحت تحطم أرقاما قياسية في مزادات الفن العالمية. مؤسسة «آرت برايس» سجلت ارتفاع قيمة منتجات «الستريت آرت» بنسبة 195 في المائة. أول الفنانين دخولا لسوق الفن كان الأميركي جان ميشال باسكيا الملقب بـ«سامو» والذي يحتل منذ سنوات قمة الصدارة، حيث بلغت إيرادات مبيعات تحفه حسب «آرت برايس» 79 مليون يورو بين 2011 و2012. يليه البريطاني بانكسي الذي يعد من أكثر الفنانين شهرة، صيته ذاع في ظرف سنوات قليلة بسرعة مذهلة: قيمة أعماله قفزت من 800 جنيه إسترليني عام 2005 إلى 500 ألف بعد سنتين ثم إلى نحو مليوني دولار في مزاد «سوذبيز» عام 2008، اليوم كل جداريات هذا الفنان محمية بختم خاص لا يمكن تقليده. الساحة الفنية تعج أيضا بكثير من الفرنسيين، أشهرهم الفنان الفرنسي بلاك لورا (واسمه الحقيقي كسيافي برو) الذي يمكن اقتناء أرخص قطعه بنحو خمسة آلاف يورو، والفنان كريستيان غيمي الملقب بـ«سي 215» الذي تتراوح قيمة أعماله ما بين خمسة آلاف يورو إلى 11 ألف يورو، وهي قد تصل إلى 16 ألف يورو بالنسبة للفنان زاف.
الأدهى أن فناني «الستريت آرت» يعترفون دون تردد بهذه الشيزوفرينيا التي باتت تميزهم، لكنهم يعترفون في نفس الوقت بقلة حيلتهم، يقول الفنان الفرنسي «سي 215» في تصريح لمجلة «غرافيتي آرت ماغازينس»: «نحن لسنا أبطالا، نحن كغيرنا من الناس، نحتاج إلى الأكل ولدينا فواتير يجب أن تدفع كل شهر، فكرت كثيرا ووصلت إلى استنتاج واحد: إذا أردت مواصلة فني لا بد أن أتعامل مع سوق الفن».
آخرون يعتبرون التعاون مع المؤسسات تطورا طبيعيا لنشاطهم، كما يصرح الفنان الأميركي الملقب بـ«جون وان»: «أمثل جيلا من الفنانين مضى شبابه يجول الشوارع ليزينها برسمه، اليوم أبلغ من العمر 48 سنة، والتطور الطبيعي لنشاطي هو داخل الورشة وليس في الشارع». وما يتفق عليه الكل هو أن دخول فن الشوارع سوق الفن قد جلب له ما كان ينقصه.



عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
TT

عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

قال «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن إنّ ما تشهده المملكة اليوم من تحوّلات عميقة، خصوصاً في المجال الثقافي والسينمائي، لا يمكن فصله عن الإطار الأشمل الذي رسمته «رؤية 2030»، مضيفاً أنّ هذه الرؤية لم تكن مجرّد خطة اقتصادية أو برنامج إصلاحي محدود، وإنما مشروع متكامل لإعادة صياغة المجتمع والدولة على أُسس جديدة تستجيب لمتغيّرات العصر.

وأضاف المحيسن، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عقب تكريمه مؤخّراً من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، أنّ ما يميّز التجربة السعودية هو أنها لم تأتِ ردَّ فعل على أزمة أو نتيجة اضطراب سياسي، بل جاءت امتداداً لمسار طويل من التخطيط والتراكم، ما منحها قدرة أكبر على تحقيق أهدافها بشكل متوازن، مشيراً إلى أنها تختلف عن كثير من تجارب المنطقة التي ارتكزت في مراحل مختلفة على تحوّلات مفاجئة أو ثورات غير مدروسة.

المحيسن خلال تسلّمه جائزة «اغتيال مدينة» في مهرجان القاهرة (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ هذه التحولات، رغم ما حملته من شعارات، لم تكن دائماً قادرة على بناء استقرار طويل الأمد، في حين أن المملكة اعتمدت على استمرارية في الرؤية بدأت منذ توحيدها واستمرَّت عبر الأجيال، حتى وصلت إلى المرحلة الحالية التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إذ جرى الانتقال من الخطط الخمسية التقليدية إلى رؤية شاملة تستشرف المستقبل حتى عام 2030 وما بعده.

وأشار إلى أنه كان من بين المشاركين في جلسات نقاشية ضمّت خبراء من مجالات متعدّدة، هدفت إلى دراسة حاجات المملكة ووضع تصورات عملية لمواكبة التحوّلات العالمية. وهي نقاشات لم تكن نظرية، إذ انطلقت من واقع حقيقي ورغبة في إحداث نقلة نوعية في مختلف القطاعات، ومن بينها الثقافة والسينما، مؤكداً أنّ ما تحقَّق لاحقاً من إنشاء مؤسسات ثقافية، وبناء بنية تحتية متقدمة، وتوفير إمكانات غير مسبوقة للمبدعين، هو نتيجة مباشرة لهذه الرؤية.

أفلام المحيسن عُرضت في دول عدّة حول العالم (موقعه الرسمي)

وأكد أنّ «رؤية 2030» لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، فامتدت إلى بناء الإنسان، وهو ما انعكس في الاهتمام الكبير بتأهيل جيل جديد من الشباب قادر على الإبداع والمنافسة، مشيراً إلى أنّ السينما كانت من أبرز المجالات التي استفادت من هذا التوجُّه، مع إتاحة الفرص للشباب للدراسة في الخارج والعودة بخبرات جديدة، إلى جانب إنشاء معاهد ومؤسّسات تدعم الصناعة محلّياً، وهو ما أسهم في ظهور جيل سينمائي مختلف في أدواته ورؤاه.

وأضاف المحيسن: «الدولة لم تكتفِ بتوفير الدعم المادي، بل عملت على خلق بيئة متكاملة تسمح بالإبداع، من خلال التشريعات والبنية التحتية وتنظيم القطاع، وهو ما جعل المملكة، خلال مدّة قصيرة نسبياً، إحدى أبرز الدول في المنطقة لجهة تطوّر الصناعة السينمائية»، مؤكداً أنّ هذه النقلة لم تكن لتحدث لولا وجود رؤية واضحة واستراتيجية طويلة المدى.

المحيسن في كواليس «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ ما يلفت النظر في هذه التجربة هو أنها جرت بسلاسة وتقبُّل من المجتمع، من دون صدامات أو انقطاعات حادّة، وهو ما يعكس، في رأيه، نضجاً في إدارة التحوّل وقدرةً على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، لافتاً إلى أنّ هذا التوازن يمنح التجربة السعودية خصوصيتها، ويجعلها نموذجاً مختلفاً عن تجارب أخرى في المنطقة.

وانتقل المحيسن من الحديث عن الإطار العام لـ«رؤية 2030» إلى انعكاساتها المباشرة على السينما، مؤكداً أنّ ما نشهده اليوم من تنوّع في الإنتاج وظهور أسماء جديدة هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة الداعمة، مشيراً إلى أنّ «الجيل الحالي من السينمائيين يعمل في ظروف تختلف تماماً عن تلك التي بدأ فيها هو، إذ كانت الإمكانات محدودة والبنية التحتية شبه غائبة، ما جعل كلّ تجربة في ذلك الوقت مغامرة حقيقية».

المحيسن حاملاً درع تكريمه في مالمو (موقعه الرسمي)

وأضاف أنّ الاختلاف في الظروف لا يقلّل من قيمة التجارب السابقة، بل يبرز حجم التحدّيات التي واجهها الرواد، لكنه في الوقت نفسه يمنح الجيل الجديد فرصة للانطلاق بشكل أسرع إذا ما أحسن استغلال الإمكانات المتاحة، مؤكداً أن «الدعم وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بوعي ومسؤولية، لأنّ الفرصة إذا لم تُستثمر بشكل صحيح قد تضيع».

وأشار إلى أنّ السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات، بل أصبحت تعكس تنوّع المجتمع من خلال أفلام تتناول التقاليد، وأخرى تناقش التحولات الاجتماعية، وثالثة تذهب إلى قضايا بيئية أو إنسانية... وهذا التنوع علامة على حيوية التجربة، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تترسخ وتصل إلى مرحلة النضج الكامل.

ورأى رائد السينما السعودية أنه من المهم في هذه المرحلة أن يظلَّ صانعو السينما منفتحين على التعلم، وألا يكتفوا بما تحقَّق، لأنّ التطوّر في هذا المجال سريع، وما هو جديد اليوم قد يصبح قديماً غداً، مشيراً إلى أن التحدّي هو القدرة على مواكبة هذا التغير، على مستوى الأدوات أو اللغة أو الموضوعات.

ومن هذا السياق المعاصر، عاد المحيسن إلى تجربته الشخصية ليستعيد بداياته في زمن مختلف، موضحاً أن دخوله إلى عالم السينما جاء في وقت كانت فيه هذه الصناعة محل جدل، ومرفوضة في بعض الأوساط، وهو ما جعله يواجه تحدّيات فكرية وثقافية قبل أن تكون مادية أو تقنية.

وأوضح أنّ البيئة التي عاش فيها كانت تمرّ بمرحلة انتقالية من الانغلاق إلى الانفتاح، وهو ما جعل هذه النقاشات أكثر حدّة، لكنه كان يرى أن الزمن كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها من خلال الفهم الصحيح للنصوص، مؤكداً أن تجربته الشخصية كانت جزءاً من هذا التحوّل، مع سعيه إلى إثبات أن السينما يمكن أن تكون وسيلة للتعبير الإيجابي، وليست أداة للهدم.

استخدم المحيسن اللغة العربية الفصحى في «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وتوقَّف عند تجربته مع فيلم «اغتيال مدينة»، الذي أُعيد عرضه في مهرجان «مالمو للسينما العربية» خلال الاحتفاء بتكريمه، بعد نحو 50 عاماً من عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي»، مؤكداً أنه كان عملاً سابقاً لزمنه لجهتَي الموضوع والرؤية، ممّا جعله يواجه صعوبة في التلقي عند عرضه الأول، إذ كانت المنطقة تعيش حالة من الاستقطاب السياسي في ظلّ انقسام عالمي بين معسكرين، وهو ما جعل طرح بعض القضايا الحسّاسة أمراً معقداً.

وأضاف أنّ الفيلم تعرَّض لاتهامات تتعلّق بتبنيه «نظرية المؤامرة»، وهو توصيف يرى أنه كان يُستخدم أحياناً وسيلة لتجنب مناقشة الأفكار التي يطرحها العمل، مؤكداً أنه بنى رؤيته على دراسة وبحث، وليس على انطباعات سطحية. لكنه أقرَّ في الوقت نفسه بأنّ بعض الأفكار تحتاج إلى وقت حتى تُفهم، وهو ما جعل وجهة النظر تجاه الفيلم تتغيّر بعد سنوات، ويحظى برؤية مغايرة بعد عقود من عرضه.

وأشار إلى أنّ ما حدث لاحقاً في عدد من الدول العربية من صراعات وتحوّلات، أعاد طرح الأسئلة التي كان الفيلم يثيرها، وجعل الجمهور يرى العمل من زاوية مختلفة. ورأى أنّ إعادة عرضه بعد عقود في مهرجانات دولية تعني أن الفكرة التي يحملها لا تزال حية، وأكثر ارتباطاً بالواقع الحالي.

وأكد أنّ السينما حين تنطلق من فكرة حقيقية ومدروسة لا تفقد قيمتها مع الزمن، بل قد تكتسب أبعاداً جديدة مع تغيُّر السياقات، وهو ما عدَّه أحد أهم أسرار هذا الفنّ، مشيراً إلى أنّ الزمن قد يكون أحياناً هو العنصر الذي يمنح العمل قيمته الحقيقية.

المحيسن خلال تحضيرات أحد أعماله (موقعه الرسمي)

وتحدَّث عن تجربته في «ظلال الصمت»، موضحاً كيف واجه تحدّياً مختلفاً يتعلّق باللغة، حين قرر استخدام العربية الفصحى، وهو ما لم يكن مألوفاً لدى الجمهور في ذلك الوقت. وقوبل هذا الاختيار في البداية بنوع من الرفض، لكنه لاحظ أنّ المشاهدين بدأوا يتأقلمون تدريجياً مع انخراطهم في العمل، وهو ما يؤكد، في رأيه، أنّ الجمهور ليس ضد التجديد، بل يحتاج فقط إلى وقت لفهمه.

وأشار إلى أنّ أي تجربة جديدة تمرّ بمرحلة من الرفض أو التردُّد، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها فاشلة، بل قد يكون مؤشّراً على أنها تطرح شيئاً مختلفاً، وهو ما يتطلّب صبراً من صانعها وإيماناً بما يُقدّم.

وانتقل إلى الحديث عن مشروعه السينمائي الجديد، موضحاً أنه يمثّل بالنسبة إليه محاولة لإعادة تقديم صورة مختلفة عن الإسلام، بعيداً عن الصور النمطية التي ربطته بالعنف، مع اختيار الانطلاق من القيم الإنسانية والحضارية التي يرى أنها جوهر هذا الدين، وتقديمها في إطار إنساني يخاطب العالم.

وأوضح أن العمل الذي لا يزال قيد التحضير يقوم على مجموعة من الحكايات المترابطة التي تسعى إلى إبراز هذه القيم في سياقات مختلفة، مؤكداً أنّ الهدف ليس تقديم خطاب مباشر، بل بناء تجربة سينمائية تجعل المُشاهد يُعيد التفكير في الصور التي يحملها، وهو نوع من الأعمال يتطلب جهداً كبيراً، سواء على مستوى الكتابة أو الإنتاج.

وقال المحيسن إنه لا ينطلق في عمله من فكرة المنافسة، بل من إيمانه بالفكرة التي يريد تقديمها، مشيراً إلى أنّ التركيز على شباك التذاكر قد يقيّد الإبداع، ويجعل صانع الفيلم أسير توقّعات السوق، بدلاً من أن يكون باحثاً عن الجديد.

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

وأضاف أنه يتبع منهجاً واضحاً في العمل يبدأ بالفكرة ثم البحث، فالكتابة، قبل أن ينتقل إلى تشكيل فريق العمل، مؤكداً أنه لا يكتب لشخص معيّن، بل يكتب الفكرة أولاً، ثم يبحث عن الأشخاص القادرين على تجسيدها، وهي استراتيجية تبنّاها منذ وقت مبكر، ووجد أنها تمنحه حرّية أكبر.

وتحدَّث عن علاقته بالجمهور، مؤكداً أنه يحترم المتلقّي ويأخذ في الحسبان تنوّع فئاته، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح لهذا الحسبان أن يتحوّل إلى قيد، لأن الخوف الحقيقي يأتي فقط عند عرض العمل، حين يواجه ردّ الفعل المباشر، أما خلال عملية الإبداع فيحرص على أن يظل حرّاً.

واستعاد نصيحة تلقّاها في بداياته، مفادها أنّ المخرج لا ينبغي أن يقف بعيداً عن جمهوره، بل عليه أن يقترب منه، ويجد لغة مشتركة تسمح له بالتواصل مع مختلف الفئات، من دون أن يتخلّى عن رؤيته، لأن هذه المعادلة هي جوهر العمل السينمائي.

وختم المحيسن حديثه بالتأكيد على أنّ السينما في حالة تغيُّر دائم، وأنّ التحدّي الأكبر هو القدرة على مواكبة هذا التغيُّر، مشيراً إلى أنّ من لا يتجدَّد قد يجد نفسه خارج المشهد، لأن الجمهور نفسه يتغيَّر، ويبحث دائماً عن أشكال جديدة من التعبير، وهو ما يجعل التعلُّم المستمرّ ضرورة لكلّ مَن يريد الاستمرار في هذا المجال.


لماذا قد يدفع «سلام محتمل» مع إيران نحو رفع أسعار الفائدة الأميركية؟

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مراسم تنصيبه (رويترز)
TT

لماذا قد يدفع «سلام محتمل» مع إيران نحو رفع أسعار الفائدة الأميركية؟

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مراسم تنصيبه (رويترز)

يجد صُناع السياسة النقدية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي أنفسهم أمام معادلة شديدة التعقيد؛ ففي الوقت الذي يدخل فيه الصراع في الشرق الأوسط شهره الثالث، قفزت معدلات التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، مما يضع مسؤولي البنك في حالة استنفار قصوى لمراقبة ما إذا كانت الضغوط السعرية قد أصبحت «لزجة» وعنيدة إلى الحد الذي يتطلب الانتقال من سياسة التثبيت إلى استئناف دورة التشديد النقدي ورفع الفائدة.

وتتجه الأنظار حالياً نحو البيت الأبيض، حيث يعكف الرئيس دونالد ترمب على دراسة تفاصيل اتفاق محتمل جرى التوصل إليه بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين لتمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 60 يوماً وإعادة فتح حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، وهو التطور الجيوسياسي الذي سيعيد رسم خريطة التوقعات الاقتصادية لـ«وول ستريت».

مفارقة «دويتشه بنك»

وفي هذا السياق، طرح بنك «دويتشه بنك» تحليلاً لافتاً في مذكرة بحثية حديثة، أشار فيها إلى أنه على الرغم من أن إبرام اتفاق سلام سيؤدي إلى تبديد مخاطر التضخم على المدى القصير، فإن احتمال رفع أسعار الفائدة على المدى الأبعد يظل قائماً وقوياً إذا استقرت أسعار النفط عند مستويات أعلى مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، وفق ما ذكر موقع «ياهو فاينانس».

وأوضح مات لوزيتي، رئيس الخبراء الاقتصاديين في «دويتشه بنك»، أن مسؤولي «الفيدرالي» قد يميلون في البداية إلى «غض الطرف» عن ضغوط التضخم الأساسي المؤقتة المرتبطة بالارتفاع الأخير في أسعار النفط، والتعامل مع صدمة الطاقة كأمر عابر، مستدركاً بأن سيناريو رفع الفائدة سيظل مطروحاً على الطاولة لعدة أسباب؛ أبرزها أن «المعدل المحايد للفائدة» قد يكون أعلى مما يتوقعه «الفيدرالي»، فضلاً عن مرونة سوق العمل واستعصاء التضخم. وحذر لوزيتي من أنه في حال فشل اتفاق السلام وبقاء مضيق هرمز مغلقاً لفترة أطول دون تصعيد عسكري واسع (سيناريو التعايش مع الأزمة)، فإن إقرار «زيادات متعددة» في أسعار الفائدة يصبح احتمالاً واقعياً للغاية.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

الانقسام الصقوري داخل أروقة «الفيدرالي»

وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة هذا الأسبوع صعود مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) - وهو المقياس المفضل لدى «الفيدرالي» لقياس التضخم - إلى 3.8 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي مقارنة بـ3.5 في المائة في مارس (آذار)، مسجلاً أعلى مستوى له في 3 سنوات. وعلى أساس التضخم الأساسي الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتذبذبة، ارتفع المؤشر إلى 3.3 في المائة مقارنة بـ3.2 في المائة في الشهر السابق، وهو ما يبتعد كثيراً عن مستهدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

هذه الأرقام الساخنة عززت النبرة التشديدية لدى عدد من مسؤولي البنك؛ إذ أعربت حاكمة «الفيدرالي»، ليزا كوك، عن قلقها من قيام الشركات بتضمين أسعار الطاقة المرتفعة في تسعير منتجاتها، وقيام العمال بدمجها في مفاوضات الأجور، مؤكدة أنها «مستعدة لرفع الفائدة» إذا لم يتراجع التضخم في إطار زمني مناسب. وبالمثل، أبدى رئيس «فيدرالي» مينيابوليس، نيل كاشكاري، حذراً شديداً تجاه الضغوط التضخمية المتصاعدة، مشيراً إلى أن «الفيدرالي» بحاجة إلى كبح هذه المخاطر، وإن كان من المبكر الجزم بضرورة رفع الفائدة.

من جانبه، تبنى نائب رئيس «الفيدرالي»، فيليب جيفرسون، نبرة أكثر توازناً، معرباً عن اعتقاده بأن التضخم سينخفض في وقت لاحق من هذا العام مع تلاشي تأثيرات الرسوم الجمركية وصدمة الطاقة، لافتاً إلى أنه يراقب بدقة ما إذا كانت أسعار الطاقة المرتفعة ستنعكس سلباً على الإنفاق الاستهلاكي.

وفي السياق ذاته، اعتبر رئيس «فيدرالي» نيويورك، جون تيمز، أن «السياسة النقدية في مكان جيد» للاستجابة لتداعيات الصراع مع إيران، متوقعاً أن يصل التضخم الكلي إلى ذروته خلال الشهرين المقبلين ومفضلاً خيار التثبيت.

في المقابل، ربطت نائبة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» للإشراف المصرفي ميتشيل بومان موقفها بمدى استدامة الأزمة، مؤكدة أنه إذا استمر الصراع حتى النصف الثاني من العام، فإن اتساع رقعة التضخم أو بقاء أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة سيدفعها حتماً إلى إعادة النظر في «توازن المخاطر» والميل نحو مواقف أكثر تشدداً.

نائبة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» للإشراف المصرفي ميتشيل بومان (رويترز)

السندات الأميركية تسبق بوصلة صُناع السياسة

ولا يبدو أن أسواق المال تنتظر قرار الفيدرالي؛ إذ تعكس تحركات سوق السندات الأميركية قناعة بأن السياسة الحالية قد لا تكون تقييدية بما يكفي لكبح جماح التضخم الحاد.

واستقر عائدا سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين – والتي تعد المؤشر الاستباقي الأكثر دقة لتوجهات السياسة النقدية على المدى القصير - عند مستوى 4 في المائة خلال الأسبوعين الماضيين، وهو سلوك تسعيري يشير بوضوح إلى أن الأسواق باتت تضع في حساباتها ضرورة قيام مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إضافية للسيطرة على المشهد المالي المضطرب.


«سوفت بنك» تضخ 81 مليار دولار لبناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في فرنسا

شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)
شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)
TT

«سوفت بنك» تضخ 81 مليار دولار لبناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في فرنسا

شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)
شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)

أطلقت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية العملاقة واحدةً من أضخم المبادرات الاستثمارية في تاريخ البنية التحتية التكنولوجية، بتعهُّدها بضخ نحو 75 مليار يورو (نحو 81 مليار دولار أميركي) لبناء شبكة هائلة من مجمعات حوسبة الذكاء الاصطناعي في فرنسا.

ويُعدُّ هذا المشروع الأضخم من نوعه لمراكز البيانات في أوروبا، في وقت تُسابق فيه القارة الزمنَ للحاق بالولايات المتحدة والصين في سباق تسلُّح البنية التحتية الفائقة المُخصَّصة للجيل المقبل من التكنولوجيا، وفق ما كشفته صحيفة «فاينانشال تايمز».

ويُعدُّ هذا الالتزام المالي الضخم أكبر استثمار للمجموعة التي يقودها ماسايوشي سون خارج الأراضي الأميركية، مما يمنح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دفعةً سياسيةً واقتصاديةً قويةً قبيل انطلاق فعاليات قمة «اختر فرنسا (Choose France)» السنوية الأسبوع المقبل، والتي تجمع أقطاب المال والأعمال والشركات الكبرى في قصر فرساي.

وجاء الاتفاق التاريخي بعد عشاء عمل سريع جمع ماكرون وسون في طوكيو مطلع أبريل (نيسان) الماضي؛ حيث استعرض الرئيس الفرنسي المزايا التنافسية لبلاده، مراهناً على وفرة الطاقة النووية، وآليات الموافقة السريعة الممنوحة لتأسيس منشآت الذكاء الاصطناعي.

5 محطات نووية لتوليد طاقة الحوسبة

وتتضمَّن المرحلة الأولى من استراتيجية «سوفت بنك» قيادة استثمارات بقيمة 45 مليار يورو لبناء قدرة طاقة حوسبية تصل إلى 3.1 غيغاواط في منطقة أو دو فرانس، شمال فرنسا، بحلول عام 2031، على أن تتبعها مرحلة ثانية لإضافة 2 غيغاواط أخرى.

وفي إحدى المنشآت الرئيسية التابعة للمشروع بمدينة دونكيرك، ستتحالف المجموعة اليابانية مع شركة «شنايدر إلكتريك» الفرنسية؛ لإنشاء مركز متكامل للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات، في موقع استراتيجي مهيأ لخدمة أكبر أسواق القارة في لندن، وبروكسل، وأمستردام.

وفي حال اكتمال المجمع بكامل طاقته المستهدفة (5 غيغاواط)، فإنَّ حجم الطاقة المستهلكة سيعادل إنتاج 5 محطات طاقة نووية مجتمعة، أو ما يوازي ذروة الطلب على الكهرباء في مدينة نيويورك بالكامل. ونظراً لأن تكلفة بناء كل غيغاواط واحد من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (بما يشمل الأراضي، والإنشاءات، ومعدات الحوسبة) تُقدَّر صناعياً بنحو 50 مليار دولار، فإنَّ «سوفت بنك» ستعتمد على هيكل تمويلي يقوم على ضخ حصة صغيرة من حقوق الملكية (الأسهم)، مع تأمين الجزء الأكبر من رأس المال عبر قروض وتمويلات مشروعات من شركاء دوليِّين لم تُعلَن أسماؤهم بعد.

الرئيس الفرنسي يتحدَّث خلال زيارة لمصنع لإنتاج أجهزة للمطبخ ضمن فعاليات قمة «اختر فرنسا» (رويترز)

تراجع الاستثمارات الأوروبية والمنافسة الدولية

وتأتي هذه الخطوة الجريئة في وقت تعاني فيه أوروبا من تخلف واضح عن الركب مقارنة بالولايات المتحدة، والصين، والشرق الأوسط، في تشييد مراكز البيانات العملاقة اللازمة لتلبية الطلب الطاغي على قدرات المعالجة الفائقة. وتفضل عادةً تدفقاتُ رؤوس الأموال التوجُّه نحو مناطق توفِّر تكاليف طاقة منخفضة، وربطاً أسرع بشبكات الكهرباء، وتشريعات أكثر مرونة في مجالات التخطيط وحماية البيانات والانبعاثات الكربونية.

ويأتي المشروع الفرنسي ليرسِّخ مكانة «سوفت بنك» في سوق البنية التحتية العالمية؛ إذ يضاف إلى مشروع مراكز بيانات آخر بقدرة 10 غيغاواط أعلنت عنه المجموعة في ولاية أوهايو الأميركية في مارس (آذار) الماضي بالتعاون مع مسؤولين في إدارة ترمب. وتتكامل هذه المشروعات مع خطة المجموعة في أبوظبي لبناء بنية تحتية بقدرة 5 غيغاواط ضمن تحالف يضم شركات «جي 42»، و«أوبن إيه آي»، و«أوراكل»، و«إنفيديا»، و«سيسكو».

طموحات سون

ويعكس هذا الحراك تحولاً جذرياً في فلسفة ماسايوشي سون؛ إذ حلت طموحات التوسُّع في مراكز البيانات، إلى حدٍّ ما، محل الخطط الأصلية للمشروع المشترك «ستارغيت» البالغة قيمته 500 مليار دولار، والذي كان مصمماً لتوفير قدرات حوسبة خارقة مخصَّصة حصرياً لشركة «أوبن إيه آي».

الرئيس التنفيذي لـ«سوفت بنك» ماسايوشي سون يلقي كلمةً بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية «الاستثمار في أميركا» أبريل 2025 (رويترز)

وتضع المجموعة اليابانية ثقلها بالكامل في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى التزامات استثمارية تخطت 60 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي» (مطورة «تشات جي بي تي»)، إلى جانب خطط لإدراج شركات الروبوتات والطاقة التابعة لها في البورصات الأميركية، وتوسيع القدرات الإنتاجية لأشباه الموصلات حول، جوهرتها الاستراتيجية، مصممة الرقائق البريطانية «آرم (Arm)».

ورغم ضخامة هذه الأرقام والتعهدات الشفهية، فإنَّ مراقبو السوق يلتزمون بنبرة من الحذر؛ إذ لم يتم تحديد العملاء النهائيين أو مزودي معدات الحوسبة لمشروع فرنسا بعد، وفق الصحيفة البريطانية. كما أن سوابق القطاع تشير إلى أن كثيراً من المشروعات التي يحتفي بها السياسيون لا ترى النور؛ فالمشروع الرائد لشركة «أوبن إيه آي» لبناء منشأة في شمال شرقي إنجلترا، والذي احتفت به حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في سبتمبر (أيلول) الماضي، جرى تجميده إلى أجل غير مسمى.

لكن بالنسبة لماكرون، الذي صعد إلى السلطة عام 2017 ببرنامج داعم للأعمال، فإنَّ هذا الاتفاق يمثل جائزة كبرى لطموحاته بجعل فرنسا مركزاً أوروبياً للتكنولوجيا النظيفة مستغلاً الطاقة النووية منخفضة الكربون، وتأتي هذه الخطوة الحاسمة قبل أقل من عام من انتخابات رئاسية فرنسية تكتنفها حالة من عدم اليقين السياسي، مع صعود تيارات اليمين في استطلاعات الرأي.