غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء

قال إن فكرة الحاكمية لسيد قطب غامضة جدًا ولم يتبنها أحد في السودان

غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء
TT

غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء

غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء

قطع رئيس تيار تحالف قوى المستقبل للتغيير د. غازي صلاح الدين العتباني، والذي يرشحه الكثيرون خليفة د. حسن الترابي، بوجود فراغ عريض تركه الراحل، وبفقدان المقدرات العقلية والفكرية والسياسية التي يملكها، بيد أنه بدا واثقا من قدرتهم على ملء الفراغ والتنظير لأفكار تجديدية تحفظ وجودهم الفاعل بين الطبقة السياسية بالبلاد.
وأرجع العتباني سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر إلى رهانهم على الجيش وربط أنفسهم بالمؤسسة العسكرية، وتخليهم عن الحالة الثورية، وإلى تنميطهم ونشر دعاية شوهت صورتهم وخوفت الناس منهم، وافتقارهم لقيادات تمتلك الدهاء والخبرة السياسية.
وقال العتباني إن طاقة التيار العريض لا تزال الأكثر استعدادًا لملء الفراغ، وإن نفوذهم السياسي سيظل إلى حين ولادة قوى تنافسهم وتنتصر عليهم.
واعتبر انتصار تيارات قريبة من الإخوان أو إخوانية في تركيا وفي مصر وتونس ردًا على من حكموا عليهم بالفناء، استنادًا إلى إخفاق بعض تجاربهم السياسية، قاطعًا ببقائهم في السودان حتى في ظل نظام ديمقراطي، بشرط أن يعيدوا النظر ويراجعوا تجربتهم، وكشف لأول مرة عن سودانيين سماهم بـ(جنود أخفياء) دعموا التجربة التركية.
واعتبر العتباني فكرة (النظام الخالف) التي مات عنها الترابي، تطويرًا لفكرة قديمة في التاريخ السياسي بالبلاد (جبهة الميثاق الإسلامي)، وتهدف لتشجيعهم على توسيع صفهم، وتجاوز الصف الإسلامي التقليدي إلى الصف المسلم والوطني.
وشن هجومًا عنيفًا على الحوار الوطني السوداني واعتبره حوارًا للتعاطي السياسي وهو معلق بين السماء والأرض، وقال: إنه لن يفلح في وقف الحرب ولا مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه البلاد، لأن قوى مهمة لم تشارك فيه.
وأعلن العتباني رفضه للفكرة الإخوانية القائمة على مبدأ (الحاكمية)، التي يسهل تحويلها لأداة بيد الحكام الديكتاتوريين، وإن التجربة العملية أثبتت أنها مجرد عبارة جذابة وغامضة.
* ما هي القوى السياسية والفكرية، وربما الأشخاص المؤهلون لسد فراغ الترابي؟
- كان خطاب التيار بداية القرن العشرين بسيطًا وتجريديًا، ومع المكابدة والمدافعة اليومية طور خطابًا أكثر تعقيدًا وتأثيرًا. سأقول كلامًا قد يبدو خلافيًا لبعض الناس، وهو أن طاقة ما وصفه بالتيار الإسلامي العريض لا تزال الأكثر قابلة للتمدد وملء الفراغ، رحيل الترابي وضعهم في تحدي ملء الفراغ وسيظلون لحين ولادة قوى أخرى تنافس وتنتصر. فحضور وانتصار «الإسلاميين» في تركيا وفي مصر وتونس رد على من حكموا عليهم بالفناء كتيار استنادًا إلى إخفاقات في بعض التجارب السياسية. سودانيًا ستبقى القوى ذات الخلفية «الإسلامية» حتى في ظل نظام ديمقراطي، إذا أعادت النظر في تجربتها وأجرت المراجعات اللازمة، وقدمت طروحات مجددة وشاملة.
* المسافة كبيرة بين د. الترابي وأقرب حوارييه ومؤيديه، البعض يقول إنك الأقرب لملء الفراغ..!
- ما يميز الترابي ليس الأفكار فقط، بل الطريقة التي حمل بها الأفكار، فقد كان «مقاتلاً فيها»، وكان حريصًا على المبادرة بالتعبير عن آرائه حتى لو كانت خلافية، له حيوية خاصة في طرح أفكاره، خلافًا لآخرين ربما هم مفكرون لكنهم أكثر انطواءً.
أنا ممارس يتلقى الحكمة عبر المدافعة العملية اليومية، أكثر من التأطير النظري، وهذا وجه مباينة بيني وبينه، ولست قلقًا ممن يقود اللحظة التاريخية، فإذا أتيحت حرية حقيقية سيظهر مجددون وليس واحدًا.
* ترك الترابي أطروحة (النظام الخالف) ورحل، سمعت أنك كنت على تماس مع الفكرة، ما هي؟
- حرصت على التعرف عليها ودراستها لتحديد موقفي منها، ورغم لقاءاتي المتعددة معه، لكنه هو لم يكن مستعدًا لشرح الفكرة بكاملها، البعض قال: إن الترابي يريد البدء بآخرين. من نقاشاتي وبعض الذين اطلعوا عليها هي تعديل لفكرة (جبهة الميثاق الإسلامي)، وتشجيع للإسلاميين على توسيع صفهم، وتجاوز الصف التقليدي إلى الصف الوطني.
لا غبار على الفكرة رغم صعوبة نجاحها تمامًا في حال عدم توفر النفوذ والقوة السياسية والفكرية والمادية المرتبطة بالسلطة، وستتعرض لاختبار قاس لو أن تيار «الإسلاميين» فقدوا السلطة.
* هل تعتقد أنها دفعت د. الترابي لتناسي الخلاف مع تلاميذه السابقين، فقدم تنازلات مريرة؟
- يبدو استدراك الترابي بعيدًا عن طبيعته الصدامية المقاتلة، وإنه مارس قدرًا كبيرًا من كظم الغيظ وضبط النفس، من أجل هذه الأطروحة المدهشة ذات الطبيعة التصالحية. فتقدم وتبنى وسوق لأطروحة الحوار الوطني بوعي وليس اضطرارًا وفي اللحظة المناسبة.
* للترابي اجتهادات مثيرة للجدل، مثل (عذاب القبر)، هل يستمر أثرها على مؤيديه؟
- يجب التفريق بين الترابي ومواقفه الفكرية الجاذبة للشباب، وبين آرائه الفقهية، وهي (مسائل فقهية) ليست ضرورية أو مهمة للحياة الحديثة. فقضية عذاب القبر جدلية. لذا لم يكن الموقف التلقائي للإسلاميين موافقًا عليها، وبالتالي ليس لها نفوذ كبير في تشكيل نفسيات وعقلية الإسلاميين.
ما كنت أميل لمناقشتها ومعي كثير من «الإسلاميين» لأنها جدل دائري، أما لماذا يطرحها؟ فقد أشرت إلى خصوصية شخصيته مقارنة بمن حوله، فهو يتميز بعقلية نشطة جدا ومولدة للمسائل الخلافية، ما يعكس حيوية ونشاطًا ذهنيًا غنيًا واستعدادًا لتحدي المسلمات.
* حتى أطروحة الإسلام الإبراهيمي وأن كافة الدين عند الله الإسلام؟
- حاول بعض المثقفين الذين ارتبطوا بالحياة الغربية ومناهجها، التماس أوجه اللقاء والمقاربة بين الإسلام والدينين الإبراهيميين، دون أن ينطلقوا من فتاوى غير مؤيدة، بل من دعوة في القرآن لأهل الكتاب لـ(كلمة سواء) وللحوار والجدل بالحسنى، وليس على المساحة المشتركة بين العقائديات، فهناك مسافة واسعة بين عقيدة التوحيد وعقيدة التثليث مثلاً، أما الأخلاق المستمدة من الدين فهناك تشابه كبير بين المسيحية واليهودية والإسلام. هذا الارتباط دفعهم للميل لإيجاد أرضية مشتركة، بعضهم توصل إلى اعتبار الأديان الإبراهيمية عقيدة، ولا أظن أن الترابي بينهم.
* إلى أي مدى يظل مفهوم الحاكمية في نسخته المصرية، قادرًا على تقديم حلول لمشاكل الواقع؟
- (الحاكمية) عبارة جذابة للغاية ويلفها الغموض. هي عبارة معبئة أوجدها سيد قطب فتحمس لها الشباب الإسلامي، لكني لا أعتقد أنهم في السودان تبنوها بصورة رسمية. ربما وردت في خطابهم أما في تجربة الحكم، فقد أدركوا خطورة الفكرة وإبهامها، لأنها تجعلك تتحدث عن الحاكمية لله، وتترك أسئلة مثل من يقيم هذه الحاكمية، من يقيس مدى الالتزام بها من عدمه، بما يجعلها عرضة لتأويلات الحكام وتسخيرها لاستدامة سلطانهم.
حتى بالمصطلح الإسلامي الحاكمية للمجتمع صاحب البيعة، فأبايعك على العدل والحرية والديمقراطية وتبايعني على السمع والطاعة وعلى حسن المحافظة على واجبات المواطنة. لقد اختفت الكلمة بمعناها الأول من أدبيات الإسلاميين الذين صار لهم فكر سياسي واضح وواقعي.
* لكنها ظلت ترد في أدبيات الإنقاذ، على الأقل فعليًا ودعائيًا..
- ذكرت لك أنها لم ترد في وثيقة رسمية، وبالتالي لا تعبر إلا عن رأي شخصي، والتعبير عن آراء شخصية متطرفة وارد، أنا لا أجد مبررًا شرعيًا للقول: (فلترق كل الدماء).
* كأنك تقول: إنها مواقف فردية؟
- ليست فردية، فأصحاب الفكرة الواحدة حين يلتقون يتحمسون لها وقد يعبرون بصورة متطرفة، رغم عدم وجود اعتراف رسمي بفكرتهم. كان بعضهم يعترض عليها، وهو أمر أشبه بأن يعبر الناس بحماس عن أوطانهم، فالأناشيد الوطنية في أوروبا، كلها دماء وكلها عدوان واقتحام واحتلال.
* يبرر البعض انقلاب الإنقاذ، بأنه كان صدًا لمؤامرة تستهدفهم، هل ما زال مثل هذا التبرير يجد القبول عندك؟
- الموقف الصحيح كان مساندة الديمقراطية وحمايتها بما توفر للإسلاميين من قوة عسكرية بدلاً عن الإطاحة بها. أما القول بأن هناك تيارات انقلابية قوية مسنودة من دول عربية داخل الجيش فهو صحيح، لكن الموقف الصحيح ليس الاستناد على ذلك وتدبير انقلاب عسكري، بل استخدام قوة الحركة لحماية القيم الديمقراطية. وفي ذات الوقت لا أرى اتخاذه منصة لإدانة الإسلاميين.
لست مؤيدًا للنواح حول هذه القضية والبكاء على الأطلال، بقدر حماستي للمراجعات لتمدنا بذخيرة وحكمة نؤسس بها الحكم الحقيقي والسيادة فيه للشعب.
* أثر تجربة أنصار الإنقاذ السودانيين على تجاربهم في بلدان أخرى، مثل تركيا تونس مصر وغيرها؟
- للتجربة السودانية أثر قوي جدًا عليهم رغم تحفظهم على الانقلاب العسكري، فوصول الإنقاذ للحكم كان قضية خلافية، أما كيف يدار فقد استفادوا منه في فهم تحديات الدولة الحديثة.
ظلت العلاقة وثيقة مع تونس خاصة بين الترابي وراشد الغنوشي وعلى مستوى الكوادر السياسية. وهناك تواصل قوي جدًا مع التجربة التركية التي أسهم سودانيون كثر فيها ودعموها، وظلوا (جنودًا أخفياء). كان الأثر السوداني على التجربة المصرية محدودًا في البداية، لكن بتولي الإخوان الحكم استفادوا من عِبر التجربة السودانية.
* لماذا ارتبطت إذن بالإرهاب؟
- لم تقدر التجربة مدى قوتها تقديرًا دقيقًا في البداية، فدخلت المواجهة الأولى مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية حول غزو الكويت واحتلال العراق، ثم توسعت إثر قيادة تيار سياسي يدعو للتحرر من النفوذ الأميركي، فوجد السودان نفسه في مواجهة مباشرة معه، في وقت ضعفت فيه الرابطة الإسلامية والعربية المتضامنة. ومنذ اعتبار السودان راعيًا للإرهاب عام 1993. أصبح في حالة مواجهة مع الآلة الغربية منفردًا، بقوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية عبر المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن والصناديق المالية.
* لماذا سقطت أو أسقطت تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر في تقديرك؟
- يكمن السبب الرئيسي في المواجهة غير المتكافئة، فقد راهن الإخوان على العسكريين، وأهملوا ما أسميه (الحالة الثورية) في الشارع، فالحالة الثورية قد تكون فضفاضة وقد تبدو ضعيفة، لكنها مثل الأفكار تربط بين الأدمغة والعقول لتشكل قوة في النهاية. أسندت الحالة الثورية الإخوان في مرحلة من المراحل، لكنهم قدروا ربط أنفسهم بمؤسسة أكثر انضباطًا وقدرة على التعامل مع الواقع، فوضعوا أنفسهم تحت رحمتها.
ثانيًا تنميط شخصية الإخوان وما قد يفعلونه، ونشر دعاية كثيفة على درجة عالية من الكفاءة ضدهم في مصر، فاستطاعت تشويه صورتهم، وخوفت قطاعات مؤثرة ومهمة في المجتمع منهم.
أما ثالثًا فلم تبرز بينهم شخصيات سياسية بسبب القمع الذي تعرضوا طويلاً وعدم مشاركتهم في حكم مصر أصلاً، فلم يبد عليهم دهاء الساسة، واكتفوا بالتركيز على النشاط الاجتماعي فخلقوا قاعدة اجتماعية ضخمة، لكنه ولاء لا يستطيع التعبير عن نفسه إلاً بوجود قيادة تتمتع بقليل من الجاذبية والدهاء. حتى من يستطيعون قيادة الحوار مع الآخر بينهم وضعت عليهم العقوبات ومنعوا من ممارسة السياسة، مثلما حدث مع (خيرت الشاطر). فتقدم منهم أشخاص صادقون ومؤهلون أكاديميًا لكنهم لا يملكون خبرة ودهاء الساسة.
* تحالف قوى المستقبل للتغيير الذي صنعته مكون من أحزاب صغيرة، أعدت به تقديم الخمر القديمة في أباريق جديدة، وكنت مركزة؟
- هي حالة تنطبق على جميع الأحزاب، وأعترف بأنها حالة مرضية لكني لست سببها، وضعنا نظامًا أساسيا وحددنا ولاية الرئيس بستة أشهر قابلة للتجديد لمرة وهذا تقدم كبير.
هذا من آفات السياسة السودانية، وليس الأمر مقتصرًا على تحالف قوى المستقبل، فالزعم بتمثيل قطاع واسع شائع بين القوى السياسية، ولا يمكن التحقق منه إلا بالانتخابات. لذا فلندعه جانبا ونعمل معيار النفوذ والفاعلية. أنا مشغول بتأسيس علاقات داخلية قوية تقوم على الحد الأدنى المعقول بين الناس من أقصى اليسار إلى اليمين، وعلى إزالة الجفوة بيننا والأحزاب التي تنظر إلينا تقليديًا بريبة، ووضع الفاعلية والنفوذ السياسي الإيجابي بمواجهة أدواء السياسة السودانية ومعالجتها، والاتفاق على برنامج حد أدنى.
* نعيت الحوار الوطني وقلت إنه معلق بين السماء والأرض؟
- الحديث عن الحوار الوطني ذو شجون، وأمارسه بدرجة من الألم والمعاناة. حين أطلق الرئيس الحوار كان إرهاصا بمفاجأة يتوقعها الشعب، للأسف لم تكن هناك مفاجأة، كان كلامًا معمما حول الوثبة والحوار، ومع هذا تركنا الخصومة وشاركنا فيه بفاعليه، فأثمر (خريطة الطريق واتفاق أديس أبابا). مضى أكثر من عامين وما زال حوارًا للتعاطي السياسي أكثر من كونه التزامًا أخلاقيًا وسياسيا. اعتراضي ليس على الأوراق ولا الشخصيات القومية، بل لأنه يقترح إيقاف الحرب، فإذا وصل لنهايته بهذه الصورة لن يؤدي لوقف الحرب، لأن هناك أطرافا مهمة غير ممثلة. كان متاحًا للحكومة القيام بحملة لتجديد الثقة تزيل ظلال الشك في النوايا. لكنها أطلقت الحوار المحلي بمن حضر، وما زالت توصياته النهائية لم تسلم ولم يصل لنتيجة، ولا ندري أين يذهب، لهذا قلت إنه معلق بين السماء والأرض.
تطحن المشكلة الاقتصادية المواطن، ولا حل إلا بتصحيح العلاقات مع المجتمع السياسي والاقتصادي الدولي وبوقف الحرب. الحرب وسوء العلاقات الخارجية مشكلات سياسية داخلية. وأخشى استمرار الحرب والأزمات في غيبه حوار حقيقي ومشروع وطني.
* عطفًا على الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها البلاد، هل تنتابك مخاوف انهيار الدولة؟
- على السياسي أن يضع حسابًا لأسوأ الاحتمالات، لذا لا أستبعد شيئا، ربما لو سألتني سؤالاً مباشرا هل تتوقع انتفاضة شاملة، فسأقول لك هذا قد لا يبدو قريبًا أو متاحًا في اللحظة، لكن كل شيء ممكن، فقد رأينا في السودان وغيره أنها تأتي بغتة لكن علينا تجنب سيناريوهات الفوضى. يمكن أن يكون التغيير في الأفراد أو السياسات والأجهزة والمؤسسات، أو التعويل على الحرب وحمل السلاح، أو قبول الواقع بصورة قدرية جبرية. هناك منطقة متوسطة بالوسائل السياسية المكفولة دستورًا لنتجنب العنف. لو أن هنالك عقلية مرنة واقعية تدرك أن المشكلة ليست مع القوى والشخصيات السياسية، بل مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية على مستوى الشعب فيمكن تجنب كل هذا، أما أن يكون الحوار في مقام حيث لا حيث وعند لا عند، فكيف أتعامل معه الآن؟
* لكنك متمسك به..
- متمسك به من حيث المبدأ، فقد تطرأ ظروف تغير عقلية الطرف الممسك بآلية الحوار، ولأنه أفضل المتاح الذي أراه كحزب، ولممارسة الضغوط لجعل الحكومة تتعامل معه بجدية.



انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.