كيف ضحى هنري الرابع بمشاعره الدينية لتوحيد فرنسا؟

معارك ضارية دارت بينهما مائتي عام حول «الحقيقة المسيحية»

باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
TT

كيف ضحى هنري الرابع بمشاعره الدينية لتوحيد فرنسا؟

باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع

كانت حلقات طويلة من السلالات المالكة قد تعاقبت على عرش فرنسا حتى اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط النظام الملكي وبداية النظام الجمهوري، الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن. وقد حصل ذلك عام 1789 كما هو معلوم. والواقع أن عمر النظام الجمهوري الحالي لا يزيد عن المائتي سنة، هذا في حين أن تاريخ الملوك يزيد على الألف سنة. وهنا ينبغي أن نتوقف عند ما يمكن أن ندعوه بالملوك الكبار، أي فرنسوا الأول، وهنري الرابع، ولويس الرابع عشر الملقب باسم الملك الشمس، وهو الذي بنى قصر فرساي الشهير الذي يُعد من أروع معالم فرنسا السياحية إن لم يكن أروعها وأفخمها. وهو حفيد هنري الرابع الذي يلقبه الفرنسيون بالملك الطيب. ولكنه كان مضادًا له تمامًا فيما يخص المسألة الطائفية أو المذهبية كما سنرى لاحقًا.
وفيما يخص هذا الملك الشهير الذي عاش في القرن السادس عشر ومات مقتولا في بداية السابع عشر يمكن أن نقول ما يلي: لقد تحول هنري الرابع إلى أسطورة بعد اغتياله من قبل متعصب كاثوليكي عام 1610. ومعلوم أن هذا الملك كان قد ولد عام 1553، أي أنه لم يعش أكثر من سبعة وخمسين عامًا. ومع ذلك فقد ترك بصماته على صفحات التاريخ الفرنسي بصفته واحدًا من أعظم الملوك وأكثرهم نفعا لشعبه. لماذا؟ لأنه هو الذي صالح بين شقّي فرنسا المتصارعين، أي الشق الكاثوليكي والشق البروتستانتي. ومعلوم أن فرنسا كانت منقسمة آنذاك انقسامًا خطيرًا إلى مذهبين أساسيين يتصارعان على الحقيقة المسيحية. فكل واحد منهما يدعي أنه يمثل المسيحية الصحيحة أو الحقيقة الأرثوذكسية القويمة المستقيمة التي لا تشوبها شائبة. وكان يتهم الطرف الآخر بالضلال والانحراف عن الاعتقاد المسيحي الصحيح. وهي المشكلة نفسها التي يتخبط فيها العالم الإسلامي حاليا والتي تشعل حروبه المذهبية في كل مكان، خصوصًا في المشرق العربي.
يقول لك المؤرخون الفرنسيون الكبار ما معناه: لقد دارت المعارك الضارية والحروب بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين على مدار مائتي سنة. بل وسالت الدماء أنهارًا حتى جاء هذا الملك الطيب وأوقف نزف الدم بطريقة تشبه المعجزة. فالأحقاد كانت كبيرة جدا بين الطرفين، وما كان أحد يتوقع أن يستطيع أي شخص مهما علا شأنه أن يطفئ نار العصبيات الطائفية المشتعلة. ولكنه استطاع تحقيق ذلك بذكائه وحكمته وعمق تفكيره. ومعلوم أنه كان شخصيا من أتباع المذهب البروتستانتي، أي مذهب الأقلية المضطهدة في البلاد. ولم يصبح ملكا إلا بعد أن تخلى عن مذهبه الأصلي واعتنق مذهب الأغلبية الكاثوليكية. وكان ذلك قبيل دخوله باريس بلحظات حيث لفظ عبارته الشهيرة: باريس تستأهل قداسًا كاثوليكيًا! فذهبَتْ مثلاً. وكان يقصد بذلك أن من يريد أن يحكم باريس ويصبح سيدها وقائدها ينبغي أن يعتنق مذهب الأغلبية، وأن حكمها يستأهل أن يغير الإنسان مذهبه وطائفته من أجلها. فهي مدينة المدائن وعاصمة العواصم. لكي نشرح مدى عظمة هذا الملك وأهميته بالنسبة لتاريخ فرنسا ينبغي أن نقول ما يلي: لم يكن من السهل عليه أن يتخلى عن مذهبه الأقلوي ويعتنق مذهب الأغلبية. لقد كان ذلك أصعب عليه من تجرع السم الزعاف. ولكنه تجرع السم وضحى بمشاعره الدينية العميقة بغية توحيد فرنسا، ووضع حدًا للدم النازف مدرارًا. لقد كان هذا هو الثمن الذي ينبغي دفعه لكي يقيم المصالحة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. ولكن المشكلة هي أن كلا الطرفين كان مصرًا على موقفه. فالأغلبية الكاثوليكية كانت تعتبر البروتستانتيين هراطقة بل وكفارًا ينبغي استئصالهم كليًا وتطهير أراضي المملكة الفرنسية الطاهرة منهم. وأما الأقلية البروتستانتية التابعة للإصلاح الديني فكانت تعتبر الكاثوليكيين البابويين رجسا يصل إلى حد الوثنية. والبابا كان بالنسبة لها هو الشيطان بعينه. حلَّها بقى!
وهكذا وجد هنري الرابع نفسه في حالة لا يُحسد عليها. فعندما اعتنق بعد تردد شديد مذهب الأغلبية لكي يستطيع اعتلاء العرش أغضب الأقلية التي ينتمي إليها قلبا وقالبا. بل واعتبرته خائنًا لأنه تخلى عن مذهب آبائه وأجداده واعتنق مذهب الأعداء الألداء. وفي الوقت ذاته، كان المتعصبون من أبناء المذهب الكاثوليكي غير واثقين من إيمان الملك هنري الرابع، أو من صدق تحوله إلى مذهبهم. كانوا يعتبرون ذلك بمثابة الغش والخداع لكي يحكم فرنسا. وكانوا يقولون: إنه لم يغير مذهبه إلا ظاهريا وإنه في أعماقه بقي على عقيدة المذهب البروتستانتي الخاطئة بل والكافرة. هكذا تلاحظون أن الرجل أصبح مشبوها من قبل متعصبي كلتا الجهتين. والواقع أن التعصب حليف التعصب المضاد من الناحية الموضوعية ويشد من أزره.
وربما لهذا السبب فإن الأصوليين الكاثوليكيين قرروا اغتيال هنري الرابع الذي سطا على عرش فرنسا بشكل غير شرعي، بحسب زعمهم. فهو هرطيق زنديق على الرغم من كل إعلاناته الظاهرية بأنه اعتنق مذهب الأغلبية. وعلى الرغم من أنه كان يصلي في المناسبات العامة في الكنيسة الكاثوليكية لا في المعابد البروتستانتية، فإنهم لم يصدقوه.
ولهذا السبب أطلق الكهنة الكبار فتوى تبيح اغتياله. ولكن بما أنه كان محروسا جيدا فإن محاولات الاغتيال كلها باءت بالفشل. وأخيرا نجحت إحداها على يد متعصب شهير يدعى: فرنسوا رافاياك الذي دخل التاريخ من أسوأ أبوابه. وقد أصبح اسمه مشهورا في تاريخ فرنسا. ولا يزال الشعب الفرنسي يلعنه حتى الآن ويرى فيه رمز الشر والتعصب الأعمى كلما ذُكر اسمه. وكان رجلا شابا قوي البنية جدا. وقد سلحوه بخنجر مسموم شديد الفتك. واستطاع أن يعترض عربة الخيول التي يركبها الملك مع بعض مساعديه. فقد اضطرت العربة إلى التوقف في شارع «ريفولي» الشهير وسط العاصمة الفرنسية بسبب الزحام، وعندئذ اقترب رافاياك ووجّه الطعنة الأولى إلى الملك من الخلف، ثم أتبعها بعدة طعنات أخرى قاتلة. وهكذا سقط واحد من خيرة رجالات فرنسا تحت ضربات التعصب الطائفي الذي حاول معالجته أو وَضْع حد له لكي يعيش الشعب الفرنسي بأمان وسلام بكل طوائفه ومذاهبه. ولم تتخلص فرنسا من التعصب الطائفي إلا بعد قرنين من ذلك الزمان، وبعد انتصار التنوير الفكري والثورة السياسية الفرنسية الكبرى. هكذا تلاحظون يا سادة يا كرام أن مسألة التعصب الديني ليست مزحة، وليست مقصورة على دين واحد دون سواه. إنها موجودة في كل الأديان. ولهذا السبب فكرت يوما ما في تدشين علم جديد يدعى: علم الأصوليات المقارنة.
والآن ماذا عن ملك آخر لا يقل شهرة وأهمية إن لم يزد هو: لويس الرابع عشر. وهو الملقب بلويس الكبير صاحب مشروع قصر فرساي العظيم، الذي لا معنى لزيارة فرنسا إن لم تره. إنه أهم من برج إيفل بألف مرة. كما أنه ملقب بالملك الشمس نظرًا لسطوته وهيبته وإشعاعه في تاريخ فرنسا. وقد حكم فرنسا ستين سنة تقريبا. وهو أطول العهود في تاريخ البلاد. ولكنه فعل عكس جده الكبير هنري الرابع. فبدلا من أن يصالح شقي فرنسا مع بعضهما البعض راح يستأصل الشق الآخر، أي الأقلية البروتستانتية، لكيلا يبقى في البلاد إلا مذهب واحد هو: مذهب الأغلبية الكاثوليكية. فهو كان كاثوليكيا بابويا مقتنعا (على عكس جده) الذي نشأ وترعرع في أحضان المذهب البروتستانتي. وعندئذ طرح الشعار الشهير: مذهب واحد، ملك واحد، قانون واحد. وبدءا من تلك اللحظة اتبع سياسة العصا الغليظة تجاه «الهراطقة» البروتستانتيين. وخيّرهم بين التخلي عن مذهبهم بشكل فردي وجماعي واعتناق المذهب الصحيح في رأيه، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني، أو الرحيل عن البلاد.
وكانت النتيجة أن استسلم قسم من البروتستانتيين له، وأعلنوا تخليهم عن مذهبهم. ولكن القسم الأكبر رفض ذلك. وعندئذ أرسل الملك جنوده ومخابراته لإجبارهم بالقوة على اعتناق مذهب الأغلبية. واستباح مدنهم وقراهم وقتل منهم أعدادًا كبيرة. ومن لم يقتله فرّ من البلاد إلى الدول الأوروبية المجاورة، وخصوصًا ذات المذهب البروتستانتي مثلهم كإنجلترا، وهولندا، وألمانيا.. وهكذا هربت من فرنسا ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف عائلة بروتستانتية بسبب هذا الاضطهاد الطائفي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل. ولا تزال فرنسا تأسف على هذه الصفحة السوداء من تاريخها. ومع ذلك فإن لويس الرابع عشر يُعتبر من أعظم ملوكها لأن فرنسا أصبحت في عهده أقوى دولة أوروبية. وقد كان ملكا جبارا صاحب معارك وحروب لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. وكان الناس يقدسونه أو يعبدونه تقريبا وكأنه ظل الله على الأرض.
وكان يقول: الدولة هي أنا وأنا الدولة. أنا فرنسا وفرنسا هي أنا. وعندما اقترب أجله لم يصدق الناس أنه سيموت من كثرة ما حكمهم ومن كثرة قوته وجبروته. وعندئذ قال لمن حوله: هل ظننتم أني كائن مخلد؟ أنا أيضًا إنسان وسوف أموت كبقية البشر. وحده الله باقٍ. ثم لفظ أنفاسه الأخيرة عام 1715. وبعدئذ فتحت صفحة جديدة في تاريخ فرنسا. وهي التي ستقود مباشرة إلى التنوير الفلسفي فالثورة الفرنسية التي حسمت المشكلة الطائفية وأعطت الأقلية المضطهدة حقوقها، وساوت بين أبناء الأقلية وأبناء الأكثرية في الحقوق والواجبات أمام القانون. ولم يعد أحد يُحاسب على مكان ولادته وإنما على ميزاته الشخصية وأفعاله. وهكذا تحقق حلم هنري الرابع الكبير في تحقيق المصالحة التاريخية لفرنسا مع ذاتها، ولكن بعد أكثر من مائتي سنة على اغتياله.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.