كيف ضحى هنري الرابع بمشاعره الدينية لتوحيد فرنسا؟

معارك ضارية دارت بينهما مائتي عام حول «الحقيقة المسيحية»

باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
TT

كيف ضحى هنري الرابع بمشاعره الدينية لتوحيد فرنسا؟

باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع
باريس في بداية القرن الثامن عشر .. وفي الاطار هنري الرابع

كانت حلقات طويلة من السلالات المالكة قد تعاقبت على عرش فرنسا حتى اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط النظام الملكي وبداية النظام الجمهوري، الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن. وقد حصل ذلك عام 1789 كما هو معلوم. والواقع أن عمر النظام الجمهوري الحالي لا يزيد عن المائتي سنة، هذا في حين أن تاريخ الملوك يزيد على الألف سنة. وهنا ينبغي أن نتوقف عند ما يمكن أن ندعوه بالملوك الكبار، أي فرنسوا الأول، وهنري الرابع، ولويس الرابع عشر الملقب باسم الملك الشمس، وهو الذي بنى قصر فرساي الشهير الذي يُعد من أروع معالم فرنسا السياحية إن لم يكن أروعها وأفخمها. وهو حفيد هنري الرابع الذي يلقبه الفرنسيون بالملك الطيب. ولكنه كان مضادًا له تمامًا فيما يخص المسألة الطائفية أو المذهبية كما سنرى لاحقًا.
وفيما يخص هذا الملك الشهير الذي عاش في القرن السادس عشر ومات مقتولا في بداية السابع عشر يمكن أن نقول ما يلي: لقد تحول هنري الرابع إلى أسطورة بعد اغتياله من قبل متعصب كاثوليكي عام 1610. ومعلوم أن هذا الملك كان قد ولد عام 1553، أي أنه لم يعش أكثر من سبعة وخمسين عامًا. ومع ذلك فقد ترك بصماته على صفحات التاريخ الفرنسي بصفته واحدًا من أعظم الملوك وأكثرهم نفعا لشعبه. لماذا؟ لأنه هو الذي صالح بين شقّي فرنسا المتصارعين، أي الشق الكاثوليكي والشق البروتستانتي. ومعلوم أن فرنسا كانت منقسمة آنذاك انقسامًا خطيرًا إلى مذهبين أساسيين يتصارعان على الحقيقة المسيحية. فكل واحد منهما يدعي أنه يمثل المسيحية الصحيحة أو الحقيقة الأرثوذكسية القويمة المستقيمة التي لا تشوبها شائبة. وكان يتهم الطرف الآخر بالضلال والانحراف عن الاعتقاد المسيحي الصحيح. وهي المشكلة نفسها التي يتخبط فيها العالم الإسلامي حاليا والتي تشعل حروبه المذهبية في كل مكان، خصوصًا في المشرق العربي.
يقول لك المؤرخون الفرنسيون الكبار ما معناه: لقد دارت المعارك الضارية والحروب بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين على مدار مائتي سنة. بل وسالت الدماء أنهارًا حتى جاء هذا الملك الطيب وأوقف نزف الدم بطريقة تشبه المعجزة. فالأحقاد كانت كبيرة جدا بين الطرفين، وما كان أحد يتوقع أن يستطيع أي شخص مهما علا شأنه أن يطفئ نار العصبيات الطائفية المشتعلة. ولكنه استطاع تحقيق ذلك بذكائه وحكمته وعمق تفكيره. ومعلوم أنه كان شخصيا من أتباع المذهب البروتستانتي، أي مذهب الأقلية المضطهدة في البلاد. ولم يصبح ملكا إلا بعد أن تخلى عن مذهبه الأصلي واعتنق مذهب الأغلبية الكاثوليكية. وكان ذلك قبيل دخوله باريس بلحظات حيث لفظ عبارته الشهيرة: باريس تستأهل قداسًا كاثوليكيًا! فذهبَتْ مثلاً. وكان يقصد بذلك أن من يريد أن يحكم باريس ويصبح سيدها وقائدها ينبغي أن يعتنق مذهب الأغلبية، وأن حكمها يستأهل أن يغير الإنسان مذهبه وطائفته من أجلها. فهي مدينة المدائن وعاصمة العواصم. لكي نشرح مدى عظمة هذا الملك وأهميته بالنسبة لتاريخ فرنسا ينبغي أن نقول ما يلي: لم يكن من السهل عليه أن يتخلى عن مذهبه الأقلوي ويعتنق مذهب الأغلبية. لقد كان ذلك أصعب عليه من تجرع السم الزعاف. ولكنه تجرع السم وضحى بمشاعره الدينية العميقة بغية توحيد فرنسا، ووضع حدًا للدم النازف مدرارًا. لقد كان هذا هو الثمن الذي ينبغي دفعه لكي يقيم المصالحة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. ولكن المشكلة هي أن كلا الطرفين كان مصرًا على موقفه. فالأغلبية الكاثوليكية كانت تعتبر البروتستانتيين هراطقة بل وكفارًا ينبغي استئصالهم كليًا وتطهير أراضي المملكة الفرنسية الطاهرة منهم. وأما الأقلية البروتستانتية التابعة للإصلاح الديني فكانت تعتبر الكاثوليكيين البابويين رجسا يصل إلى حد الوثنية. والبابا كان بالنسبة لها هو الشيطان بعينه. حلَّها بقى!
وهكذا وجد هنري الرابع نفسه في حالة لا يُحسد عليها. فعندما اعتنق بعد تردد شديد مذهب الأغلبية لكي يستطيع اعتلاء العرش أغضب الأقلية التي ينتمي إليها قلبا وقالبا. بل واعتبرته خائنًا لأنه تخلى عن مذهب آبائه وأجداده واعتنق مذهب الأعداء الألداء. وفي الوقت ذاته، كان المتعصبون من أبناء المذهب الكاثوليكي غير واثقين من إيمان الملك هنري الرابع، أو من صدق تحوله إلى مذهبهم. كانوا يعتبرون ذلك بمثابة الغش والخداع لكي يحكم فرنسا. وكانوا يقولون: إنه لم يغير مذهبه إلا ظاهريا وإنه في أعماقه بقي على عقيدة المذهب البروتستانتي الخاطئة بل والكافرة. هكذا تلاحظون أن الرجل أصبح مشبوها من قبل متعصبي كلتا الجهتين. والواقع أن التعصب حليف التعصب المضاد من الناحية الموضوعية ويشد من أزره.
وربما لهذا السبب فإن الأصوليين الكاثوليكيين قرروا اغتيال هنري الرابع الذي سطا على عرش فرنسا بشكل غير شرعي، بحسب زعمهم. فهو هرطيق زنديق على الرغم من كل إعلاناته الظاهرية بأنه اعتنق مذهب الأغلبية. وعلى الرغم من أنه كان يصلي في المناسبات العامة في الكنيسة الكاثوليكية لا في المعابد البروتستانتية، فإنهم لم يصدقوه.
ولهذا السبب أطلق الكهنة الكبار فتوى تبيح اغتياله. ولكن بما أنه كان محروسا جيدا فإن محاولات الاغتيال كلها باءت بالفشل. وأخيرا نجحت إحداها على يد متعصب شهير يدعى: فرنسوا رافاياك الذي دخل التاريخ من أسوأ أبوابه. وقد أصبح اسمه مشهورا في تاريخ فرنسا. ولا يزال الشعب الفرنسي يلعنه حتى الآن ويرى فيه رمز الشر والتعصب الأعمى كلما ذُكر اسمه. وكان رجلا شابا قوي البنية جدا. وقد سلحوه بخنجر مسموم شديد الفتك. واستطاع أن يعترض عربة الخيول التي يركبها الملك مع بعض مساعديه. فقد اضطرت العربة إلى التوقف في شارع «ريفولي» الشهير وسط العاصمة الفرنسية بسبب الزحام، وعندئذ اقترب رافاياك ووجّه الطعنة الأولى إلى الملك من الخلف، ثم أتبعها بعدة طعنات أخرى قاتلة. وهكذا سقط واحد من خيرة رجالات فرنسا تحت ضربات التعصب الطائفي الذي حاول معالجته أو وَضْع حد له لكي يعيش الشعب الفرنسي بأمان وسلام بكل طوائفه ومذاهبه. ولم تتخلص فرنسا من التعصب الطائفي إلا بعد قرنين من ذلك الزمان، وبعد انتصار التنوير الفكري والثورة السياسية الفرنسية الكبرى. هكذا تلاحظون يا سادة يا كرام أن مسألة التعصب الديني ليست مزحة، وليست مقصورة على دين واحد دون سواه. إنها موجودة في كل الأديان. ولهذا السبب فكرت يوما ما في تدشين علم جديد يدعى: علم الأصوليات المقارنة.
والآن ماذا عن ملك آخر لا يقل شهرة وأهمية إن لم يزد هو: لويس الرابع عشر. وهو الملقب بلويس الكبير صاحب مشروع قصر فرساي العظيم، الذي لا معنى لزيارة فرنسا إن لم تره. إنه أهم من برج إيفل بألف مرة. كما أنه ملقب بالملك الشمس نظرًا لسطوته وهيبته وإشعاعه في تاريخ فرنسا. وقد حكم فرنسا ستين سنة تقريبا. وهو أطول العهود في تاريخ البلاد. ولكنه فعل عكس جده الكبير هنري الرابع. فبدلا من أن يصالح شقي فرنسا مع بعضهما البعض راح يستأصل الشق الآخر، أي الأقلية البروتستانتية، لكيلا يبقى في البلاد إلا مذهب واحد هو: مذهب الأغلبية الكاثوليكية. فهو كان كاثوليكيا بابويا مقتنعا (على عكس جده) الذي نشأ وترعرع في أحضان المذهب البروتستانتي. وعندئذ طرح الشعار الشهير: مذهب واحد، ملك واحد، قانون واحد. وبدءا من تلك اللحظة اتبع سياسة العصا الغليظة تجاه «الهراطقة» البروتستانتيين. وخيّرهم بين التخلي عن مذهبهم بشكل فردي وجماعي واعتناق المذهب الصحيح في رأيه، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني، أو الرحيل عن البلاد.
وكانت النتيجة أن استسلم قسم من البروتستانتيين له، وأعلنوا تخليهم عن مذهبهم. ولكن القسم الأكبر رفض ذلك. وعندئذ أرسل الملك جنوده ومخابراته لإجبارهم بالقوة على اعتناق مذهب الأغلبية. واستباح مدنهم وقراهم وقتل منهم أعدادًا كبيرة. ومن لم يقتله فرّ من البلاد إلى الدول الأوروبية المجاورة، وخصوصًا ذات المذهب البروتستانتي مثلهم كإنجلترا، وهولندا، وألمانيا.. وهكذا هربت من فرنسا ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف عائلة بروتستانتية بسبب هذا الاضطهاد الطائفي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل. ولا تزال فرنسا تأسف على هذه الصفحة السوداء من تاريخها. ومع ذلك فإن لويس الرابع عشر يُعتبر من أعظم ملوكها لأن فرنسا أصبحت في عهده أقوى دولة أوروبية. وقد كان ملكا جبارا صاحب معارك وحروب لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. وكان الناس يقدسونه أو يعبدونه تقريبا وكأنه ظل الله على الأرض.
وكان يقول: الدولة هي أنا وأنا الدولة. أنا فرنسا وفرنسا هي أنا. وعندما اقترب أجله لم يصدق الناس أنه سيموت من كثرة ما حكمهم ومن كثرة قوته وجبروته. وعندئذ قال لمن حوله: هل ظننتم أني كائن مخلد؟ أنا أيضًا إنسان وسوف أموت كبقية البشر. وحده الله باقٍ. ثم لفظ أنفاسه الأخيرة عام 1715. وبعدئذ فتحت صفحة جديدة في تاريخ فرنسا. وهي التي ستقود مباشرة إلى التنوير الفلسفي فالثورة الفرنسية التي حسمت المشكلة الطائفية وأعطت الأقلية المضطهدة حقوقها، وساوت بين أبناء الأقلية وأبناء الأكثرية في الحقوق والواجبات أمام القانون. ولم يعد أحد يُحاسب على مكان ولادته وإنما على ميزاته الشخصية وأفعاله. وهكذا تحقق حلم هنري الرابع الكبير في تحقيق المصالحة التاريخية لفرنسا مع ذاتها، ولكن بعد أكثر من مائتي سنة على اغتياله.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.