الرفاعي: أدب الطفل العربي لا يزال يدور في خانة الصياد والحمار

أصدر مجموعة موجهة للأطفال وأطلق جائزة للقصة القصيرة

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
TT

الرفاعي: أدب الطفل العربي لا يزال يدور في خانة الصياد والحمار

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي

بعد سنوات من الأعمال السردية والروائية المتميزة غالبا، يتجه الروائي الكويتي طالب الرفاعي إلى عالم الطفل، عبر مجموعة جديدة موجهة للأطفال تحمل اسم «نوّير»، يريد من خلالها «أن يخاطب هذا العالم الصغير بلغة وسطى، وثقافة تمزج بين الأصالة والحداثة، بين التراث الذي يلهم خيال الأطفال، والتصالح مع المستقبل بما يحمله من تطور تقني وعلمي».
طالب الرفاعي كان في جناح داخل معرض أبوظبي الدولي للكتاب ليدشن مشروعا موجها للطفل. وكان قد أطلق قبل أشهر أحدث مبادراته من خلال الملتقى الثقافي الكويتي الذي يديره وبالتعاون من الجامعة الأميركية بالكويت، وهي: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية»، جائزة سنوية للقصة القصيرة العربية بقيمة 20 ألف دولار، وهي أول جائزة للسرد في المنطقة.
خلال تدشينه مجموعته الموجهة للطفل: «نوّير»، في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، التقت «الشرق الأوسط» بالروائي الكويتي طالب الرفاعي، وحاورته عن تجربته الجديدة.
‎> حدثنا عن تجربتك الجديدة في الكتابة للطفل، ما الذي حفزك للتوجه للطفل؟
- منذ سنوات وأنا أفكر في الكتابة للطفل، فالكثير مما يقدم للطفل العربي معاد، لم يعد مواكبا لنبض العصر وروحه، ولم يعد قادرا على مجاراة ما تقدمه دور النشر والمكتبات الأجنبية من مادة فكرية ثقافية علمية عصرية ومشوّقة ومغرية تتناسب ومخيلة وذكاء طفل يولد في القرن الواحد والعشرين، بينما أجهزة التقنية التكنولوجية تحيط به من كل جهة.
ما حفّزني حقيقة هو رغبتي في أن أقدم نصا، حكاية للطفل العربي، يقول شيئا عن عوالم اللحظة الراهنة، ويؤكد قيما إنسانية مهمة، وأخيرا يتنبه لخصوصية الطفل العربي، ويعامله بما يستحق من تفهّمٍ واهتمام واحترام. وهذا ما تحمله قصة «نوّير» الصادرة مؤخرا عن دار «كلمات»، الدار الرائدة في أدب الطفل في إمارة الشارقة، في الإمارات العربية المتحدة.
> ما الإضافة التي يحملها روائي بقامة طالب الرفاعي حين يكتب للطفل؟
- تقدير الإضافة متروك للقراء وليس لي أنا؛ القراء أطفالا وناشئة وكبارا. لكن، فيما يخصني فلقد سعيت ما أمكنني إلى تقديم نص يحتوي على الحكاية والتسلية أولا، ويحمل في طياته إشارات إنسانية واضحة لموقف الطفل من البيت والأسرة والأصدقاء والوطن.
> ما الذي يستوقفك في النوعية الأدبية والمعرفية لأدب الطفل في المكتبة العربية؟
- ما يستوقفني في كتب الأطفال هي تلك الكتب التي تحاكي مخيلة الطفل، الكتب التي تتعامل مع الطفل بوصفه كائنا إنسانيا واعيا ومتفاعلا مع ما يقرأ، وليس متلقيا سلبيا يكتفي بالمرور على الحكاية. ما يستوقفني في كتب الأطفال هو ما نشاهده في الغرب من كتب تفاعلية بمادتها الحكائية وبصناعتها، وبما يجعل الطفل يقدِم عليها فرحا متشوقا للدخول في عوالمها الساحرة. وأخيرا ما يستوقفني في كتب الأطفال هو أن الآخر، في شتى بقاع الأرض، استطاع أن يحفظ ويؤكد على حكايا تراثه، وينتقل بها من جيل إلى جيل، إلا نحن في الوطن العربي، فإننا، وللأسف، لم نقدم شيئا علميا منهجيا يذكر لحفظ التراث العربي، أو في الحد الأدنى، يوثّق لكل قطر من أقطار الوطن العربي خصوصيته في شكل قصص للأطفال والناشئة وبشكل إنساني يحترم مخيلة وذكاء وولع الطفل.
> ما التقنية الفنية التي ميّزت «نوير»؟
- كي أقدم شكلا جديدا على قصص الأطفال والناشئة العربية، فلقد استخدمت صيغة ضمير المخاطب، وهي صيغة كتابة نادرة الاستخدام في قصص الأطفال في عالمنا العربي. حيث يقوم المؤلف بمخاطبة بطل أو بطلة قصته قائلا؛ «أنتَ، أو أنتِ»، وهو في الآن نفسه وفي مستوى ثان للتلقي إنما يخاطب الطفل القارئ. وبذا يشعر الطفل بأنه المعني بالقصة وأنه بطلها.. قد تبدو صيغة الكتابة صادمة في أسطرها الأولى، لكن القارئ سرعان ما يجد نفسه وقد فهم واندمج فيما يقرأ. كما أنني حاولت جاهدا أن أقدم نموذجا لطفلة خليجية عربية ذكية ومتعاطفة مع من حولها في عالمها الخاص من جهة، ومتسائلة عما يدور حولها من جهة ثانية. نوّير طفلة خليجية عربية مزروعة في بيئتها وبيتها ومتواصلة مع كل ما يحيط بها.
> «نوّير»، هل هي استلهام للتراث الكويتي الخليجي؟ وهل ترى دورا للتراث في إثراء خيال الطفل؟
- قصة «نوّير» تحاول المواءمة بين التراث والحداثة. التراث الخليجي واللحظة الراهنة. القصة تقدم حالة قائمة في المجتمعات الخليجية بشكل خاص وملحوظ. حيث انتقال أسرة من بيت قديم إلى بيت عصري جديد. الانتقال من بيئة حميمة إلى بيئة جديدة قد تكون متوحشة. ولذا؛ تأتي أسئلة كثيرة على ذهن بطلة القصة «نوّير»؛ بداية كيف يترك الإنسان بيته؟ وكيف تترك هي أصدقاء غرفتها؟ وكيف تتخلى عن شجرة بيتهم وعصافيرها التي يحاكونها في كل زغزغة؟ ومن سيحل محل صديقتها الأقرب ابنة الجيران؟ وكيف تهجر مدرستها ومدرساتها؟ وأخيرا أين موقع الكتاب والكتب في حياة طفلة عربية، تعيش في عالم ملون وراكض؟ أسئلة كثيرة تحاول قصة «نوّير» الإجابة عنها، وبمساعدة رسومات ناطقة بريشة الفنان المبدع فادي فاضل.
> كيف تفسر فقر المكتبة العربية لهذا النوع من الأدب؟
- فقر المكتبة العربية كبير، وكبير جدا فيما يخص كتب الأطفال العصرية، كتب الأطفال التي تليق بطفل عربي منكشف على تقنيات ثورة المعلومات وأجهزة الكومبيوتر والتلفون الذكي. للأسف، ما زالت المكتبة العربية لأدب الطفل، تدور في خانة الصياد والحمار والحمامة والديك والقرية، وهذه الأشياء على أهميتها ما عادت تمثل الواقع الحياتي الراهن. كما أنها تُقدم للطفل بطريقة بائسة محمولة على الوعظ والإرشاد. تجارة الكتاب في العالم العربي بأسره هي تجارة رابحة إلى حدٍ ما، وهذا ما يفسر إقبال الناشر والقارئ على معارض الكتب العربية، ولكن في الآن نفسه فإن الكاتب والناشر العربي المتخصص بأدب الطفل ليس لهما وجود ملحوظ. وتبدو الدلالة واضحة وصارخة بعدم وجود كاتب عربي متخصص في أدب الطفل ومعروف بذلك.

جائزة القصة القصيرة

> أطلقتم من خلال الملتقى الثقافي الذي تديره، وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في الكويت «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» في أواخر السنة الماضية، فما الهدف من إطلاق جائزة عربية جديدة من الكويت؟ وماذا تراها تضيف إلى مشهد الجوائز العربية؟
- نعم، جاء الإعلان عن جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في نهاية العام الماضي. ولقد كان بمبادرة شخصية مني بصفتي عاشقا لفن القصة القصيرة، وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في الكويت. فكما تعلمون، فإن معظم الجوائز العربية تذهب لجنس الرواية، مما كرس هذا الجنس، وجعل الجميع؛ الكاتب والناشر والجمهور يلهثون خلفه، ولقد جاء ذلك على حساب باقي الأجناس الأدبية وعلى رأسها القصة القصيرة والشعر.
جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، هي جائزة كويتية جاءت لتُعلي من شأن فن القصة القصيرة الجميل والآسر. هي جائزة برزت لتعيد شيئا من الروح والاهتمام لفن يكتبه المئات من الكتاب العرب، وليس أصدق من أن المترشحين للدورة الأولى وصل إلى قرابة 200 مجموعة قصصية، وتحديدا 198 مجموعة، وبما فاق توقعنا بكثير، وأوضح تعطش الساحة الإبداعية العربية لجائزة رصينة للقصة العربية.
‎جائزة الملتقى هي مشاركة كويتية في ساحة الجوائز العربية، وهي تقدم للقاص الفائز مبلغ عشرين ألف دولار أميركي، كما وتحمل ترجمة مجموعته القصصية إلى اللغة الإنجليزية وربما لغات أخرى، وهي في آخر المطاف جائزة تذهب لكاتب عربي يحاكي الواقع بطريقة إبداعية معاصرة وبرؤية إنسانية واضحة. كما أن الجائزة في سابقة واضحة في آلية التعامل مع المترشحين قد أعلنت أسماء السادة أعضاء لجنة التحكيم لحظة إغلاق باب الترشيح ومع بيان أعداد المتقدمين للدورة الأولى، وبما يعني الشفافية تجاه الجائزة والكاتب وجمهور القراءة. ولقد تكونت لجنة الجائزة لهذا العام من السادة؛ أحمد المديني رئيسا، وعضوية كل من: عزت القمحاوي، ودكتورة فاديا الفقير، وسالمة صالح، ودكتور علي العنزي. هذا، وسيتم الإعلان عن القائمة الطويلة (10) مجاميع في بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وعن القائمة القصيرة (5) مجاميع في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وأخيرا سيعلن الفائز للدورة الأولى في بداية شهر ديسمبر (كانون الأول)، وسيكون ذلك في احتفال كبير يقام في الكويت.

سيرة أدبية

بدأ طالب الرفاعي، الكتابة الأدبية منذ منتصف السبعينات، أثناء دراسته الجامعية، وأصدر منذ ذلك الوقت الكثير من الأعمال الروائية والسردية، بينها: «أبو عجاج طال عمرك» دار الآداب، بيروت 1992، «أغمض روحي عليك» دار الآداب، بيروت 1995، «مرآة الغبش» دار المدى، دمشق 1997، «ظل الشمس» دار شرقيات، القاهرة 1998، «حكايا رملية»، دار المدى، دمشق 1999. كما صدرت له دراسة بعنوان «البصير والتنوير» دار قرطاس، الكويت 2000، «الثوب»، ومسرحية «عرس النار» دار المدى، دمشق 2001، و«رائحة البحر» دار المدى، دمشق 2002، التي حازت جائزة الدولة في الآداب. وله كتاب «المسرح في الكويت.. رؤية تاريخية» الكويت 2002. وكان آخر أعماله الروائية، رواية «في الهنا».



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.