مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق: إيران تستخدم «مكافأة» النووي للتآمر على السعودية

روبرت جوزيف قال لـ«الشرق الأوسط» إن التاريخ سيذكر للرئيس أوباما فشله في وقف البرنامج النووي الإيراني

في الإطار السفير روبرت جوزيف (غيتي) - أميركيون يعاينون آثار الدمار الذي لحق بالشوارع بعد انهيار مبنى التجارة العالمي إثر هجمات 11 سبتمبر في نيويورك (غيتي)
في الإطار السفير روبرت جوزيف (غيتي) - أميركيون يعاينون آثار الدمار الذي لحق بالشوارع بعد انهيار مبنى التجارة العالمي إثر هجمات 11 سبتمبر في نيويورك (غيتي)
TT

مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق: إيران تستخدم «مكافأة» النووي للتآمر على السعودية

في الإطار السفير روبرت جوزيف (غيتي) - أميركيون يعاينون آثار الدمار الذي لحق بالشوارع بعد انهيار مبنى التجارة العالمي إثر هجمات 11 سبتمبر في نيويورك (غيتي)
في الإطار السفير روبرت جوزيف (غيتي) - أميركيون يعاينون آثار الدمار الذي لحق بالشوارع بعد انهيار مبنى التجارة العالمي إثر هجمات 11 سبتمبر في نيويورك (غيتي)

قال روبرت جوزيف، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الحد من التسلح النووي والأمن الدولي، إن إيران تستخدم «مكافأة» الاتفاق النووي، مع أميركا والغرب، من أجل الضغط و«التآمر» على السعودية، مشيرا إلى أن التاريخ سيذكر للرئيس أوباما بأنه فشل في وقف البرنامج النووي الإيراني. وقال جوزيف الذي عمل رئيسًا لفريق المفاوضين الأميركيين في ليبيا عام 2003، وأقنع العقيد معمر القذافي بالتخلي عن برامجهم للحصول على أسلحة دمار شامل، إن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج باتوا يشككون بشدة في مصداقية الولايات المتحدة، جراء العجز عن التصرف بحزم في سوريا، وبشأن الاتفاق الإيراني المعيب، وأضاف: «لو كنت مستشارًا للأمن القومي السعودي فسوف أفكر بجدية بالغة في امتلاك قدرات نووية رادعة للتهديد والابتزاز الإيراني». يوصف جوزيف بأنه مهندس المبادرة العالمية لمكافحة الإرهاب النووي، وهو حاليًا عالم في المعهد الوطني للسياسات العامة، وأستاذ في جامعة ولاية ميسوري.

* قدمت شهادة تفصيلية أمام مسؤولين أميركيين منتخبين بشأن الاتفاق النووي الإيراني وآثاره. فما هي بعض النقاط الأساسية التي ذكرتها؟
- أدليت في الصيف الماضي بشهادتي ثلاث مرات، وجميعها أمام لجان مجلسي النواب والشيوخ بشأن الاتفاق الإيراني، معارضا للاتفاق الإيراني. وفي كل مرة أشرت إلى عدد من أوجه القصور التي أعتقد أنه سيكون لها تأثيرات واضحة على احتمالات حدوث مزيد من الانتشار للسلاح النووي في المنطقة.
أحد الأخطاء الرئيسية في الاتفاقية هو السماح لإيران باستعادة بنيتها التحتية النووية الواسعة، التي، إذا كنت تنظر من جهة السعودية أو أي قوة إقليمية أخرى، تقدم لإيران إمكانية الاختراق، إذا اختارت ممارسة الغش في المنشآت الخاضعة للمراقبة، أو التسلل، حيث يمكنها الغش في المواقع المشتبه بها. وكما تعلم فإن الاتفاق معيب في الأساس بسبب إقراره للإطار الذي تُمنع فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تفتيش المواقع التي أعلن القادة الإيرانيون أنه ممنوع دخولها، مثل المواقع العسكرية أو المتعلقة بالأمن القومي، التي حددوها بأنفسهم. وهي مواقع لها تاريخ اشتباه بوجود أنشطة تسليح وفقا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011. وتقارير أخرى تالية.
هناك أيضًا هذه الفكرة الخاطئة عن تغيير زمن الاختراق الذي قال (وزير الخارجية جون) كيري إنه بدلا من شهرين إلى ثلاثة، أصبح 12 شهرًا، وهي فترة أعتقد أنها وهم محض، لأنه ليس من المرجح أن نعلم متى سوف تتخذ إيران قرارها بتصنيع سلاح نووي، ولا نعرف ما هو الخط الأساسي الذي ستبدأ منه. أي أننا لا نعرف النقطة التي ستبدأ منها خطواتها لتصنيع قنبلة، نظرًا لأنه سُمح لإيران بعدم التعاون مع تحقيقات الوكالة الدولية حول أنشطة عسكرية ممكنة أو محتملة كانت الوكالة تشتبه في ممارسة إيران لها.
كذلك أحد الأخطاء الأساسية أن الصواريخ الباليستية ليست مغطاة، وهو ما يتضح أمامنا اليوم. تستمر إيران في تجربة الصواريخ الباليستية ومنها صواريخ ذات مدى منطقي فقط لحمل سلاح نووي. وتم تخفيض العقوبات على أنشطة الصواريخ الباليستية الإيرانية وسحبها تدريجيًا. أما آخر قرارات مجلس الأمن فهو أضعف بكثير، وهو في الحقيقة لا يمنع إيران قانونًا من ممارسة تلك الأنشطة.
ولدينا أيضًا ما يسمى بمكافأة التوقيع الممثلة في مليارات الدولارات- من 100 إلى 150 مليار دولار وأكثر- التي أصبحت متاحة للنظام نتيجة للاتفاقية. يستخدم النظام تلك الأموال لتمويل برنامجها الصاروخي، وبرنامجها النووي، والأنشطة الإرهابية، والتآمر على دول المنطقة في مقدمتها السعودية ثم البحرين واليمن. أعدت إيران عدتها للحرب مرة أخرى، وهي الآن تستخدم هذا الكنز النقدي لتوسعة نفوذها ووجودها- انظر إلى نفوذ إيران ووجودها العسكري في سوريا على سبيل المثال. استغلت إيران الاتفاق النووي ضوءًا أخضر لمتابعة تنفيذ أجندتها بعدوانية. وفكرة أنك يمكن أن تعيد فرض العقوبات واهمة، فالوضع ليس كذلك ببساطة.
* في تقديرك، ما نتائج توقيع الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني حتى الآن؟
- عندما تنظر كيف تطورت الأحداث منذ يوليو (تموز) الماضي، ستجد أن إيران تمضي قدمًا في أبحاث وتطوير جيل جديد من أجهزة طرد مركزي، أكثر من نماذج الجيل الأول. وفي حين أنه من الأفضل بالتأكيد أن تشغل إيران من 5 إلى 6 آلاف جهاز طرد مركزي وليس 19000. إلا أن تلك الأجهزة من الجيل الأول. ولا تنسَ أن إيران لم تفكك جهازا واحدا. بل وضعت ببساطة الأجهزة الإضافية في المخازن، وتستطيع الوصول إذا رغبت. وضعت إيران خطا أحمر بعدم تفكيك أي شيء ببرنامج الطرد المركزي، وفي الواقع لم تفعل.
فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، هم مستمرون في إجراء التجارب الصواريخ الباليستية. احتجت الولايات المتحدة، ولكن هناك أساس قانوني ضعيف للغاية يمكن الاستناد إليه بعد أن وافقت الولايات المتحدة قرار مجلس الأمن الجديد. بدلا من إعادة فرض عقوبات فعالة بسبب أنشطتها الصاروخية، تفعل إدارة أوباما كل ما في وسعها لإرضاء إيران عن طريق تخفيف العقوبات. وكل ذلك لحماية ما يعده الرئيس إرث إنجازات الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني. ومن المرجح أن يتضمن ذلك تعاملات بالدولار الأميركي. قد تكون تلك المعاملات خارجية، ولكن رغم ذلك سوف تملك طهران فرصة للدخول إلى النظام المالي الأميركي. الأهم من ذلك أن العقوبات التي يتم رفعها لم تُفرض فقط بسبب أنشطة إيران النووية، ولكن أيضًا ردًا على برنامجها الصاروخي، ودعمها للإرهاب وعلى سجلها الشائن في حقوق الإنسان. إنه واحد من أكثر الأنظمة الشمولية القمعية في العالم اليوم، ولكننا نخفف عنه جميع العقوبات القائمة.
* في ضوء خبرتك في قضايا منع انتشار السلاح النووي، أرجو أن توضح مضامين الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني فيما يتعلق بسبب منع دول أخرى من تطوير أو تقوية برامجها النووية.
- أعتقد أن هناك تداعيات مهمة للغاية في مجال الانتشار النووي. عندما أنظر إلى تلك القضايا من منظور منع الانتشار، أرى أن هذا الاتفاق ومتابعة تنفيذه- والتنازلات الأخرى التي تتم- تشجع على مزيد من الانتشار النووي. لو كنت مستشارًا للأمن القومي السعودي، لشعرت بقلق بالغ من قدرة إيران على الحصول على سلاح نووي في غضون فترة قصيرة للغاية، ومن تمكنها من حملها على صاروخ باليستي. سوف أفكر بجدية بالغة في امتلاك قدرات نووية كوسيلة رادعة للتهديد والابتزاز النووي الإيراني.
قد تجري دول أخرى في المنطقة حسابات مشابهة. وبعيدًا عن الخليج والشرق الأوسط الكبير، أعتقد أن ناشري السلاح النووي المحتملين سوف ينظرون إلى هذا الاتفاق ويقولون: يمكننا أن نحصل عليه جميعا. يمكننا أن نملك سلاحا نوويا وصواريخ باليستية ونتخفف من العقوبات. وفي الحقيقة، ما رأيناه أخيرا يتجاوز كثيرا تخفيف العقوبات. يتردد الآن أن الولايات المتحدة تساعد في برنامج إيران النووي من خلال شراء مواد نووية. من وجهة نظر منع انتشار السلاح النووي، يعد ذلك كارثة بكل المقاييس.
يجب النظر إلى سلوك كوريا الشمالية- من بياناتها بالإضافة إلى تجاربها الصاروخية والنووية- ضمن هذا الإطار الواسع. ببساطة لا يوجد مخاوف في بيونغ يانغ من وقوع تبعات كبيرة نتيجة لنشاطها النووي. قد تجرأت كوريا الشمالية بسبب رد الفعل الأميركي والدولي على برامج إيران النووية والصاروخية.
* وما تأثير ذلك على مصداقية الولايات المتحدة كصاحبة رأي في منع انتشار السلاح النووي؟
- أعتقد أن حلفاءنا في الخليج، وفي آسيا، وفي كل مكان يشككون بشدة في مصداقية الولايات المتحدة. في الخليج على وجه التحديد، تسبب الفشل المتعلق بالخط الأحمر الذي وضع على استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا في ضرر بالغ لسمعة الولايات المتحدة كحليف جدير بالثقة. كذلك التخلي عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك والعجز عن التصرف بحزم في سوريا، والاتفاق الإيراني المعيب، كلهم بعثوا برسالة قوية تفيد بأنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة للوفاء بضماناتها الأمنية، وسوف يكون لذلك تأثير كبير على انتشار السلاح النووي المحتمل.
* في تقديرك، ما الخطوات التي سوف تتخذها القوى النووية حاليا من أجل برامجها الخاصة في ضوء «النموذج الإيراني»؟
- أعتقد أنه من المرجح أن تسعى عدد من الدول إلى نوع مشابه من «البرنامج النووي السلمي» الذي أرادته إيران. بمعنى أنهم سوف يسعون إلى الحصول على قدرات نووية تتيح لهم اختراقًا سريعًا. وما فعلته الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني هو إضعاف السياسة الأميركية لحظر انتشار السلاح النووي الممتدة منذ عقود وترجع إلى عهد جيمي كارتر، التي منعت أصدقاء وحلفاء وآخرين من الحصول على قدرات إعادة المعالجة أو التخصيب. كما أننا نشارك باستمرار في تثبيط الدول عن ممارسة هذا النوع من الأنشطة. وبمجرد أن منحنا ختم القبول إلى إيران لكي تستكمل نشاط التخصيب، كيف يمكننا أن نقول بجدية لدول أخرى، وخصوصًا أصدقاءنا، إنهم لا يجب أن يفعلوا ذلك. لقد تمت التضحية بسياسة أميركية قديمة الأزل لصالح إرث سيتركه الرئيس الحالي.
* وما الدول التي ترى أنها تندرج تحت تلك الفئة؟
- أعتقد أن السعودية والإمارات قد تنضمان إلى تلك الفئة. وبعيدا عن الشرق الأوسط، إذا نظرت إلى استطلاعات الرأي في كوريا الجنوبية على سبيل المثال، فسوف تجد أن غالبية المشاركين يشيرون إلى وجوب امتلاك كوريا الجنوبية لقدرات نووية خاصة لردع كوريا الشمالية. هناك عدة أمثلة على أصدقاء وحلفاء لأميركا ممن يشككون في مصداقيتنا. ولا يريدون أن يفعلوا ذلك علنا، ولكنهم لن يخجلوا من أن يفعلوا ذلك علنا.
في نصف الكرة الغربي، لا توجد مخاوف ملحة من انتشار السلاح النووي. توجد قضايا قديمة مرتبطة بالبرازيل والأرجنتين، ولكن لا يبدو أن أيًا من الدولتين ستمضي قدما في برنامج للسلاح النووي. كانت كلتاهما مهتمة في الماضي، ولكن بسبب تغيير العلاقات الأمنية الخاصة بينهما، تخلتا عن السعي إلى أسلحة نووية. قد يتغير ذلك في المستقبل لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أو رغبة في النفوذ. من يدري ماذا سيحدث في المستقبل. ولكن تلك ليست مشكلة تثير اهتماما ملحا.
* شاركت بقوة في عملية نزع برامج أسلحة الدمار الشامل في ليبيا أثناء حكم القذافي. فهل هناك تناقض جدير بالدراسة بين التجربتين الليبية والإيرانية؟
- من المفيد المقارنة بين إيران وليبيا. من الواضح أن إيران وليبيا ليستا متشابهتين. هناك اختلافات كثيرة يجب وضعها في الاعتبار. ولكن هناك عدد من الدروس المهمة المستفادة في التجربة الليبية التي فشلنا في تطبيقها مع إيران. في ليبيا، أصررنا على صدور قرار استراتيجي من جهة القذافي للتخلي عن برامجه للحصول على أسلحة دمار شامل. وأرسلنا سفينة حملنا عليها مئات الأطنان من المعدات النووية، وكل شيء مرتبط بأجهزة الطرد المركزي وجميع معدات التحويل ومكونات برنامج الأسلحة. كان البرنامج أكبر كثيرا وأكثر تطورا مما كنا نعتقد. وأخذنا جميع تلك المواد خارج ليبيا ومعها صواريخها طويلة المدى. وهكذا تصبح المقارنة مع إيران صارخة للغاية، حيث قالوا: إن قوتهم الصاروخية غير قابلة للتفاوض، وكذلك أيضًا مع تفكيك أجهزة الطرد المركزي. وفي الحالتين، وفي غيرهما، وضعت إيران خطا أحمر وتمسكت به. وقدمت الدول 5+1 بقيادة الولايات المتحدة تنازلا تلو الآخر.
وفي مفارقة، على الرغم من أننا كنا نتفاوض من موقع قوة، وافقنا على نتيجة أعتقد أنها كارثية من وجهة النظر الداعية إلى منع انتشار السلاح النووي. إنه اتفاق يشجع على انتشار السلاح.
كانت العقوبات فعالة. وكان الاقتصاد متدهورا، مما يقوض شرعية النظام الإيراني. ولطالما كانت وجهة نظري أن الأنظمة القمعية الشمولية، مثل إيران، أكثر ما يخيفها شعبها قبل أي تهديدات أخرى. انظر مثلا نظام شاوتشيسكو في رومانيا. كان الخوف من انتفاضة الشعب بسبب الاقتصاد الذي أوشك على الإفلاس هو ما دفعهم إلى طاولة المفاوضات. ولكن بدلا من استمرار الضغط، خففناه عند طاولة المفاوضات. وأثبت الإيرانيون أنهم كمفاوضين أفضل ممن يجلسون أمامهم على الطاولة. كنا في حاجة ملحّة إلى الاتفاق. وحصل الإيرانيون على كل ما أرادوه، مقابل بعض التنازلات الظاهرية. لقد خالفنا جميع مبادئنا التي وضعناها للتفاوض فيما يتعلق بالنتائج. فلم نضع نهاية لبرنامجهم ولم نقيد صواريخهم الباليستية. تذكر مناقشة «أي شيء في أي وقت». لقد أخفقنا في تأكيد الحقيقة أو العودة إلى فرض عقوبات قوية. فشلنا في إجبار إيران على «تعديل سلوكها» بهذه الاتفاقية. في الواقع، ما حدث هو العكس. أصبحت إيران أكثر عدوانية وأكثر قدرة نتيجة للاتفاقية.
* ما أكثر الخيارات السياسية الواقعية المتاحة أمام الرئيس الأميركي القادم فيما يخص إيران؟
- بالتطلع إلى الرئيس المقبل، إذا أصررنا على الالتزام الصارم ببنود الاتفاقية، فسيكون هناك طريق لإلغاء الاتفاقية بناء على سلوك إيران. الخيانة موجودة في جينات القادة الإيرانيين. وإذا كنا جادين بشأن التنفيذ فسوف نطالبهم به، وسوف يؤدي ذلك إلى حل الاتفاقية. مثال واحد على ذلك، في حين أن الصواريخ الباليستية ليست مغطاة، لماذا يمكن أن يسعى أحد إلى امتلاك قدرات صاروخية طويلة المدى فائدتها الوحيدة هي حمل سلاح نووي. سيكون ذلك غباء من جانب الزعماء الإيرانيين، وهم ليسوا أغبياء.
الحل الوحيد للتحدي النووي الإيراني هو تغيير النظام. ويجب أن يأتي تغيير النظام من الداخل. لا يمكننا أن نفرض تغييرا على النظام في إيران. ولكن يمكننا بالتأكيد دعم قوات المعارضة التي تؤيد وجود إيران ديمقراطية غير نووية. يمكننا أن نعيد فرض عقوبات أميركية والضغط من أجل فرض عقوبات في الأمم المتحدة. سوف يستغرق ذلك وقتا وجهدا، ولكنه ممكن وواجب. وسيكون لذلك أثر في تقويض أكبر لشرعية نظام آية الله في طهران. لا نحتاج إلى أن نكون استفزازيين، ولكن يجب أن نكون أقوياء، وأن نلتزم بكلمتنا وندعم أصدقاءنا. يجب أن يكون لدينا وجود عسكري بقدرات كاملة في المنطقة لطمأنة حلفائنا والدفاع عن مصالحنا في منطقة ذات أهمية قصوى لأمننا القومي. يجب أن يعرف قادة إيران أن هناك تداعيات خطيرة لسلوكهم، وهو أمر غير موجود مطلقا في حساباتهم حاليا. بل يحصلون على مكافآت مقابل سلوكهم السيئ. وقد أوضح وزير الخارجية كيري لقادة إيران أنهم عندما يطلبون شيئا، فسوف يبحثون عن وسيلة ليعطيهم إياه.
* ما الذي ترى أنه «إرث أوباما» في السياسة الخارجية الأميركية؟
- سوف يذكر التاريخ الرئيس أوباما بأنه الرجل الذي فشل في وقف البرنامج النووي الإيراني وأسهم في مزيد من الانتشار للسلاح النووي في المنطقة، وقد يؤدي إلى تفكك منظومة منع انتشار السلاح النووي بالكامل، وهو مناقض تماما للأولوية التي حددها لإدارته.
* إذا رغب حلفاء أميركا التقليديون من العرب في السعي إلى برامج سلاح نووي خاص بهم، ما السياسات الأميركية التي ترى أنها ستكون ملائمة؟
- من أجل تجنب مزيد من الانتشار للسلاح النووي في الشرق الأوسط، نحتاج إلى أن نكون جديرين بالثقة في دعمنا لأصدقائنا وحلفائنا. يجب أن نقدم لهم ما يطمئنهم بأن أمنهم وأمننا لا يتجزآن، وأنهم يستطيعون الاعتماد على الولايات المتحدة وقدراتها العسكرية. يجب أن ندعم أنشطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدلا من تقويضها. وقد أفسدت الاتفاقية النووية مع إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما تأكد ذلك من تجاوز الوكالة لإيران عن أنشطتها السابقة في التسلح. أعتقد أن الوكالة أصبحت متواطئة في هذا الانهزام. يجب أن نعود مرة أخرى كدولة تعني ما تقول، وتقول ما تقصد. يجب أن ندافع عن أصدقائنا، وأن نثني أعداءنا ونردعهم.
ولكن إذا قررت دول أخرى أن تمضي قدما للحصول على أسلحة نووية، سيكون لدينا عالم يزداد فيه انتشار السلاح النووي. وإذا استطاعت دولة مثل كوريا الشمالية الحصول على ترسانة نووية متنامية وكبيرة نسبيا، تستطيع أي دولة أن تفعل ذلك.
انظر إلى باكستان. كنا نفرض عقوبات كل فترة على باكستان، وخصوصا في أوقات لم تكن فيها باكستان ذات أهمية في حسابات أمننا القومي. وفي ظل الحرب على الإرهاب، بل وقبل ذلك مع الغزو السوفياتي لأفغانستان، زاد احتياجنا لباكستان. كان هناك شعور بالإذعان. عندما كشفت باكستان عن امتلاكها لقدرات نووية، فرضنا عليها عقوبات مرة أخرى. ولكن مع أحداث 11 سبتمبر (أيلول) رضخنا. وسوف يعتمد ردنا على الانتشار النووي في المستقبل على الظروف وعلى الدولة.
* ينشر بالتزامن مع الشقيقة مجلة «المجلة»



أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
TT

أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)

أعاد تعرّض قائد طائرة «فلاي دبي»، خلال رحلتها إلى تل أبيب، الأربعاء، لاعتداء من مساعده، التذكير بأن قمرة القيادة مكان بالغ الحساسية فيما يتعلّق بأمن الطيران، فكيف يمكن تجنُّب تحوُّل أحد شاغليها مُنفِّذاً لعملية انتحارية؟

ماذا حصل؟

أظهرت المعطيات الأولية التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية أن مساعد الطيّار في الرحلة من دبي إلى تل أبيب اعتدى، بصورة مفاجئة، على قائد الطائرة، وهي من طراز «بوينغ 737»، خلال تحليقها فوق شمال غربي المملكة العربية السعودية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمحطة «سي بي إس» التلفزيونية الأميركية، مساء الأربعاء، إن «أحد مساعدي الطيار طَعَن الطيار الآخر، وهو هندي الجنسية، أو ضربه بفأس»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن الإلزامي أن تحوي كل قمرة قيادة فأساً صغيرة مخصّصة لحالات الطوارئ التي قد يحتاج فيها الطيارون إلى قطع شيء.

وبصرف النظر عن الأداة التي استخدمها الجاني وطريقة تنفيذه اعتداءه، تمكّن أفراد الطاقم من السيطرة عليه، ومن الهبوط بالطائرة اضطرارياً في مطار تبوك السعودي، في حين نُقل الطيار المعتَدى عليه إلى المستشفى وهو خارج دائرة الخطر.

وباشر القضاء الإماراتي تحقيقاً في واقعة طائرة «فلاي دبي» واحتمال ارتباطها بـ«نشاط أو غرض إرهابي»، في حين كان نتنياهو جازماً إذ أشار إلى تفادي اصطدام «آخَر من نوع 11 سبتمبر (أيلول)» عام 2001.

كيف يجري تفتيش الطيارين في المطارات؟

من حيث المبدأ، تنطبق على أفراد الطاقم إجراءات السلامة نفسها التي تهدف إلى التأكد من أن الركاب لا يحملون أي شيء يمكن أن يهدد أمن الطائرة. ولا يمكن للطيارين أن يتجنبوا هذه الإجراءات.

وتبعاً لحجم مطار الإقلاع، يمرّ الطيارون إما عبر نقاط التفتيش نفسها التي يمرّ عبرها الركاب، أو يسلكون مسارات مخصصة لهم. ويُفترض أن تتيح هذه المرحلة رصد أي سلوك غير طبيعي، كأن يكون الطيار ثملاً أو متوتّراً بشكل غير مألوف. كذلك تُفحص بالأشعة السينية حقائب اليد التي يُبقيها الطيارون داخل المقصورة، ويمرّون عبر بوابات الكشف عن المعادن.

وتُعدّ إسرائيل وجهة حساسة من حيث أمن الطيران منذ عمليات خطف بعض الطائرات أو عمليات مهاجمة عدد آخر في سبعينات القرن العشرين، مما يفرض مستوى عالياً من اليقظة اعتاده مطار كبير ومرموق كمطار دبي.

ما التدابير المتخَذة لمنع دخول قمرة القيادة؟

في 11 سبتمبر 2001، تمكّن ركاب رحلات داخلية أميركية من أن يستولوا بسهولة كبيرة على قيادة طائرات مدنية، بهدف تنفيذ عمليات منسّقة. ومنذ ذلك الحين أصبح دخول قمرة القيادة أكثر صعوبة، إذ يستطيع الطيارون، إذا أُبلغوا بوجود تهديد مصدره مقصورة الركاب، أن يوصدوا بإحكامٍ الباب الذي يكون دائماً مدرّعاً.

وهذه المرة، جاء التهديد من داخل قمرة القيادة نفسها، وهو وضع نادر جداً، فقد تمكّن الطيار المعتَدى عليه الهندي سميت ماشار، وفقاً للروايات الأولية، من فتح باب قمرة القيادة، ما جعل زملاءه يتنبهون لما يحصل، وأتاح للركاب وأفراد الطاقم إنقاذ الطائرة، وهذا ما جعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصفه بأنه «بطل».

كيف تتأكد شركات الطيران من أن طياريها غير خطِرين؟

هذه المسألة هي الأكثر صعوبة؛ لأنها تتطلب اكتشاف خطر قد لا تَظهر سلفاً أي مؤشرات واضحة على وجوده، بل قد يبرز فجأة دون سابق إنذار.

والحالة الأشهر من هذا النوع هي تحطُّم طائرة تابعة لشركة «جيرمان وينغز» في جبال الألب الفرنسية عام 2015، وقد تسبَّب به عن سابق تصوّرٍ وتصميم أحد الطيارين. وأظهر التحقيق أن ميولاً انتحارية كانت تطبع شخصية هذا الشاب الألماني البالغ السابعة والعشرين، والذي كان يعاني الاكتئاب، لكنها لم تكن بادية بقدر كاف لدى الشركة التي كان يعمل لحسابها.

ودفعَ هذا الحادث، الذي أودى بحياة 150 شخصاً، شركات الطيران في مختلف أنحاء العالم إلى إدراك ضرورة المتابعة اللصيقة للصحة النفسية لأفراد الطاقم. إلا أن هذه الشركات لا تُفصح كثيراً عن الإجراءات التي تتخذها في هذا المجال؛ لأسباب مختلفة، منها متطلبات السرية.


أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
TT

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

لم تعد قمرة قيادة الطائرات التجارية مجرد مساحة فنية لإدارة المحركات وتوجيه المسارات، بل تحولت على مدار الربع قرن الأخير إلى ما يشبه الحصن العسكري المعزول سيادياً عن بقية أجزاء الطائرة.

وأعادت الواقعة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي» فتح التساؤلات العميقة حول الهندسة الأمنية والقوانين الصارمة التي تحكم الدخول إلى هذا الجيب الاستراتيجي المعلق في السماء.

في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، تبدلت فلسفة الطيران المدني بالكامل، إذ استُبدلت الأبواب الخشبية الواهية بدروع مصفحة مقاومة للرصاص والانفجارات، وصيغت تشريعات دولية تحظر أي تواصل فيزيائي غير مصرح به بين الركاب وطاقم القيادة.

فما هي القوانين الدولية التي نظمت هذا التحول الجذري، ومن يملك الحق القانوني في تجاوز العتبة المحصنة، وكيف يُدار لغز فتح الباب المغلق من الداخل أو الخارج أثناء الأزمات؟

 

صورة من قمرة طائرة بوينغ 737-400 (ويكيبيديا)

الثورة التشريعية لما بعد سبتمبر وصناعة الدرع الفولاذي

قبل خريف عام 2001، كان نظام الأمان المحيط بقمرة القيادة مرناً إلى حد كبير، إذ كان بإمكان المسافرين، وخاصة الأطفال، زيارة الطيارين وتبادل الحديث معهم في أوقات الطيران المستقر كنوع من الترحيب. لكن اختطاف أربع طائرات تجارية وتحويلها إلى قنابل موجهة صدم العالم ودفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالتنسيق مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) ووكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) إلى صياغة الملحق السادس من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والذي فرض تعديلات هيكلية إلزامية على جميع الطائرات التي تزيد سعتها عن ستين راكباً. قضت هذه القوانين الصارمة بإعادة تصميم أبواب قمرات القيادة بالكامل لتصبح مقاومة للمقذوفات النارية والشظايا والانفجارات والقنابل اليدوية الصغيرة، وتتحمل صدمات فيزيائية هائلة تمنع أي محاولة لاقتحامها بالقوة الغاشمة.

ولم يتوقف الأمر عند التدريع المعدني، بل أُلزمت شركات الطيران بنظام إغلاق إلكتروني تلقائي يظل مقفلاً بشكل دائم طوال فترة الرحلة منذ لحظة إغلاق أبواب الطائرة الرئيسية على المدرج وحتى فتحها في وجهة الوصول، مما جعل القمرة بمثابة قلعة مستقلة بذاتها لا يمكن اختراقها من الخارج.

 

جغرافيا الصلاحيات ومن يملك حق العبور العتبة؟

تحدد القوانين الدولية بصرامة بالغة هوية الأشخاص الذين يُسمح لهم بعبور عتبة القمرة المحصنة أثناء الطيران، وتضيق هذه الدائرة إلى حد كبير لمنع أي ثغرة أمنية. يقع الحق الأول والمطلق لقائد الرحلة (Captain) ومساعده (First Officer) المعينين رسمياً لتشغيل الطائرة، بالإضافة إلى أفراد الطاقم الإضافيين في الرحلات الطويلة الذين يتناوبون على القيادة. ولا يملك أي راكب، مهما بلغت درجته في السفر أو نفوذه السياسي أو المالي، الحق في طلب الدخول أو حتى الاقتراب من المنطقة العازلة المحيطة بالباب.

أما الفئة الثانية التي ينظم القانون دخولها فتشمل المفتشين الجويين التابعين لهيئات الطيران الوطنية الذين يحملون بطاقات تفويض رسمية لمراقبة أداء الطاقم، أو مهندسي الطيران التابعين للشركة بشرط وجود حاجة تقنية ماسة يوافق عليها القبطان مسبقاً.

وبالنسبة لأفراد ضيافة الطائرة، فإن دخولهم لا يتم بصفة دائمة بل يخضع لبروتوكول خدمة وتفتيش دقيق ومعقد، حيث يمنع القانون وجود أي شخص في القمرة بخلاف هؤلاء، وتعتبر أي محاولة لتجاوز هذه الحدود جريمة فيدرالية تندرج تحت بند التهديد الإرهابي والتدخل غير المشروع.

صورة من قمرة طائرة إيرباص A320 (ويكيبيديا)

لغز «فلاي دبي» وكيف اخترق الذعر جدار القمرة؟

أثارت الحادثة المرتبطة برحلة «فلاي دبي» جدلاً واسعاً حول كيفية وصول التوتر أو الركاب إلى مسافة قريبة من القمرة دفع الطيارين لتفعيل الرموز التحذيرية المركبة.

تشير الأعراف الملاحية والتحقيقات الأولية في مثل هذه الحالات إلى أن الركاب لا يدخلون القمرة عبر كسر الباب المصفح، فالأبواب الحديثة مصممة هندسياً لمنع ذلك تماماً، ولكن الأزمة تبدأ غالباً في مقصورة الركاب الأمامية الخاصة بدرجة رجال الأعمال (Business Class) أو الممر المؤدي إلى دورة المياه الأمامية المحاذية للمطبخ وقمرة القيادة.

عندما يبدي أحد الركاب سلوكاً عدوانياً غير منضبط، أو يحاول الاندفاع نحو الممر الأمامي في توقيت متزامن مع خروج أحد الطيارين لقضاء حاجة بيولوجية، ينشأ ما يُعرف بـ«التهديد الوشيك».

في هذه اللحظة، تلجأ المضيفات إلى إطلاق صيحات التحذير واستخدام أجسادهن أو عربات الضيافة كحواجز فيزيائية مؤقتة لمنع الراكب من التقدم، بينما يقوم الطيار الموجود في الداخل بإغلاق الباب فوراً وحصاره إلكترونياً، مما يجعل الأزمة تدور خارج جدار القمرة المصفح لكنها تستدعي تفعيل الرموز التحذيرية نظراً لوجود مهدد أمني على بعد سنتيمترات قليلة من قمرة القيادة.

آليات التحكم الرقمي وكيف يُفتح الباب المغلق؟

يرتكز نظام إدارة أبواب الطائرات الحديثة، مثل «بوينغ» و«إيرباص»، على مفتاح تحكم ثلاثي المستويات يقع في المنصة المركزية لقمرة القيادة تحت السيطرة المباشرة للطيارين، ويحتوي على ثلاثة خيارات أساسية وهي: الإغلاق التام (LOCK)، والوضع التلقائي العادي (NORM)، ووضع السماح بالدخول (UNLKD). في الحالة الطبيعية، يكون المفتاح على الوضع التلقائي، مما يعني أن الباب مغلق بإحكام ولا يمكن فتحه بمجرد سحب المقبض الخارجي. إذا أراد أحد أفراد طاقم الضيافة الدخول لأمر روتيني كتقديم الطعام، يقوم باستخدام لوحة مفاتيح رقمية (Keypad) مثبتة خارج الباب، حيث يدخل رمزاً سرياً مخصصاً يطلق نغمة صوتية وإشارة ضوئية داخل القمرة.

ينظر الطيارون إلى الكاميرات الأمنية الخارجية للتحقق من هوية المضيفة، فإذا كان الوضع آمناً، يحركون المفتاح يدوياً إلى وضع السماح بالدخول (UNLKD) لعدة ثوانٍ ليفتح الباب إلكترونياً.

أما إذا استشعر الطيارون أي خطر أو لاحظوا وجود شخص غريب خلف المضيفة، فإنهم يحركون المفتاح فوراً إلى وضع الإغلاق التام (LOCK)، وهو إجراء يلغي فعالية اللوحة الرقمية الخارجية تماماً ويمنع فتح الباب لمدد زمنية متجددة تصل إلى عشرين دقيقة حتى لو أُدخلت الرموز الصحيحة.

الطوارئ القصوى وبروتوكول تجاوز عجز الطاقم

وضعت تشريعات السلامة الدولية سيناريو شديد الندرة والخطورة، وهو تعرض الطيارين معاً لحالة عجز طبي مفاجئ (كفقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين أو التسمم الغذائي) مما يجعلهم غير قادرين على الاستجابة للنداءات الأرضية أو نغمات طلب الدخول من طاقم الضيافة. لمواجهة هذا المأزق، يتضمن النظام الرقمي للباب كود طوارئ سري للغاية (Emergency Access Code) لا يعلمه إلا رئيس طاقم الضيافة. عند إدخال هذا الكود الخاص بالطوارئ القصوى في اللوحة الخارجية، يبدأ نظام الطائرة عداً تنازلياً صوتياً وبصرياً داخل القمرة يستمر لمدة تتراوح بين 30 إلى 60 ثانية.

صُمم هذا التأخير الزمني لمنح الطيارين فرصة لرفض الدخول إذا كان هناك خاطف يحاول استخدام الكود بالقوة، فإذا كان الطيارون في وعيهم ورفضوا الأمر بالضغط على (LOCK)، يظل الباب مغلقاً. أما إذا التزم الطيارون الصمت التام ولم يضغطوا على أي زر طوال فترة العد التنازلي بسبب عجزهم الطبي، يفترض النظام الإلكتروني وجود كارثة صحية داخل القمرة، ويقوم بفتح القفل التلقائي لمدة خمس ثوانٍ فقط، مما يسمح للمضيفين بالدخول لإنقاذ الطائرة والركاب وتولي السيطرة.

 

خط الدفاع البشري: بروتوكول التقييد وأدوات السيطرة في المقصورة

لا تتوقف هندسة الأمن الجوي عند التدريع الفولاذي لأبواب قمرة القيادة، بل تمتد لتشمل تدريب طواقم الضيافة بصفتهم «خط الدفاع البشري الأول» المؤهل للتعامل الفوري مع الركاب المشاغبين أو الذين يشكلون تهديداً أمنياً وشيكاً. ووفقاً للوائح المنظمة الدولية للنقل الجوي (IATA)، يخضع أفراد الضيافة لتدريبات مكثفة على تقنيات الدفاع عن النفس وإدارة الأزمات السلوكية الحادة فوق السحاب. وفي حال فشل محاولات التهدئة اللفظية وتصاعد سلوك الراكب إلى مرحلة الخطر الفيزيائي، يُفعل الطاقم بروتوكول السيطرة القسرية باستخدام أدوات تقييد قانونية معتمدة تحتفظ بها الطائرات التجارية في مقصوراتها بانتظام، مثل الأصفاد البلاستيكية المرنة شديدة التحمل (Flex-Cuffs) أو أحزمة التثبيت القماشية المعززة. يُثبت الراكب المشاغب بموجب هذا الإجراء في مقعده بشكل محكم يمنعه من الحركة أو التقدم نحو الممرات الأمامية، ويظل تحت رقابة لصيقة من الطاقم حتى تلامس الطائرة الأرض، حيث يُسلم فوراً إلى السلطات الأمنية وقوات إنفاذ القانون المرابطة على المدرج لمواجهة عقوبات جنائية دولية صارمة.


بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
TT

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتَّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا، في مجالات تقنية حساسة، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لمصلحة جهاز أمن الدولة الصيني.

وقال الجهاز، في تحذير أصدره يوم الأربعاء، إن المنظمة الصينية المعنية تربطها علاقات وثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، وإن الأبحاث التي موَّلتها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تعزيز القدرات التقنية لأجهزة الاستخبارات في بكين، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وفي «تنبيه بشأن التجسُّس»، أفاد جهاز «MI5» بأن أكثر من 100 أكاديمي مقيم في المملكة المتحدة شاركوا في مشاريع موّلتها منظمة «معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا» (CGTRI)، التي قال الجهاز إنها تتمتع بـ«علاقات وثيقة للغاية» مع وزارة أمن الدولة الصينية، وهي جهاز الاستخبارات المدني في بكين.

وجاء في التحذير: «لقد رصد جهاز MI5 أن الغرض الأساسي من معهد (CGTRI) هو تمويل أبحاث أكاديمية تعزِّز بشكل مباشر القدرات التقنية لوزارة أمن الدولة (MSS) في مجال التجسُّس».

وأضاف الجهاز أن أكاديميِّين بريطانيِّين شاركوا في مشروعات موّلتها المنظمة وتناولت موضوعات تشمل «الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات السرية، وتقنيات إخفاء المعلومات».

وأشار التحذير إلى أن هذه الأنشطة «تدعم عمليات التجسُّس التي تقوم بها وزارة أمن الدولة الصينية، مما يُشكِّل تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة».

ويقصد بـ«إخفاء المعلومات (Steganography)» تقنية تُستخدَم لإخفاء بيانات داخل رسائل أو ملفات أو وسائل أخرى.

ويُعدُّ هذا التحذير تطوراً لافتاً في تعامل الاستخبارات البريطانية مع ما تصفها بالتهديدات المرتبطة بأنشطة التجسُّس الصينية، إذ قال جهاز «MI5» إنه المرة الأولى التي يصدر فيها، بشكل مستقل، تنبيهاً عاماً من هذا النوع.

ويأتي التحذير في وقت تزداد فيه الاتهامات البريطانية المتعلقة بأنشطة التجسُّس الصينية، كما يسلط الضوء على التوتر القائم بين المخاوف الأمنية في المملكة المتحدة من جهة، ومساعي الحكومة البريطانية إلى الحفاظ على علاقات مع بكين وتعزيز التعاون معها من جهة أخرى.

الصين ترفض الاتهامات

في المقابل، رفضت السفارة الصينية لدى بريطانيا الاتهامات البريطانية، ووصفتها بأنها «خيالية، ومختلقة تماماً».

وقال متحدث باسم السفارة، في بيان، إن بلاده «تعارض بشدة مثل هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن السفارة قدَّمت «احتجاجاً رسمياً وشديد اللهجة إلى الجانب البريطاني».

وتابع المتحدث: «نحث أجهزة الاستخبارات البريطانية على الكفِّ عن نشر الأكاذيب، والتوقف عن تقويض التبادلات التعليمية والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».

وزير بريطاني يتعهد باتخاذ «إجراءات صارمة»

وفي سياق متصل، ذكر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أن كثيراً من الأكاديميين والمؤسسات ربما تعاملوا بحُسن نية مع منظمة (CGTRI)، التي تُترجم أحياناً باسم «الأكاديمية الصينية للتكنولوجيا العامة (CAGT)»، من دون أن يكونوا على دراية بصلاتها الوثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية.

غير أن الجهاز حذَّر من أنَّ مواصلة التعامل مع المنظمة قد تعرِّض المعنيين لخطر الملاحقة القضائية بموجب «قانون الأمن القومي» البريطاني، الذي أُقرَّ عام 2023 ومنح السلطات صلاحيات أوسع للتصدِّي لأنشطة التجسُّس الأجنبي والأعمال المرتبطة بالدول التي تعدُّها بريطانيا معادية.

وقال وزير الأمن البريطاني، دان غارفيس، إنه وجَّه رسائل إلى جميع رؤساء الجامعات في بريطانيا، لضمان إنهاء الموظفين أي علاقة لهم بالمنظمة الصينية.

وأضاف في بيان: «يكشف هذا التحذير عن محاولات تقوم بها الاستخبارات الصينية للاستفادة سراً من خبرات وأبحاث أكاديميينا، مما يقوض أمننا القومي وأمن حلفائنا».

وتابع: «تُعدُّ الشراكات الدولية أمراً حيوياً لضمان استمرار ازدهار جامعاتنا ومعاهدنا البحثية، لكننا سنتخذ إجراءات صارمة للتصدي للتهديدات التي نواجهها».