الدوافع وراء ابتعاد السوريين عن «داعش»

أحد العوامل الرئيسية هو معاملة تفضيلية من جانبه للمقاتلين الأجانب على أهل البلاد

عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)
عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)
TT

الدوافع وراء ابتعاد السوريين عن «داعش»

عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)
عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)

تخلى عمار عن ولائه وثقته بعد سنتين من انضمامه إلى تنظيم داعش. كان عمار طالبا سابقا يدرس القانون في محافظة دير الزور السورية، وانخرط في الاحتجاجات الشديدة التي اجتاحت مختلف المحافظات السورية ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد عام 2011. ثم التحق بصفوف تنظيم داعش في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014. بعدما رأى الثورة تسقط في هوة الحرب الأهلية. وكانت «الخلافة»، كما ظن، هي القوة الوحيدة القادرة على تحدي نظام الأسد واستعادة الكرامة لجموع المسلمين بعد عقود من الاضطهاد والهوان على أيدي الغرب. وكان يعتقد حقا أن «داعش» يسعى فعلا إلى تحقيق العدالة والأمن لبلاده.
ولكن بعد من العنف المستمر الذي لا تبدو نهاية له في الأفق القريب، أصيب عمار بخيبة أمل شديدة في التنظيم الذي واصل، على نحو متزايد، معاملة المقاتلين السوريين كمواطنين من الدرجة الثانية، وكان يتعامل مع المدنيين السوريين بما هو أسوأ من ذلك. لقد شاهد عمار «داعش» وهو يعدم أصدقاءه الذين كان يعرفهم منذ نعومة أظفاره، وازداد إثر ذلك حنقه وسخطه على المقاتلين الأجانب الذين استقدمهم التنظيم من أوروبا ومنطقة الخليج العربي، والذين يتلقون رواتبهم بأضعاف ما يتلقاه نظراؤهم من السوريين ويحاولون احتكار المناصب القيادية في التنظيم. وفي الجماعة التي تدعي الجدارة واحترام الشريعة، فإن المعاملة التفضيلية «المنافقة» من جانب «داعش» للمقاتلين الأجانب على أهل البلاد الأصليين أصابت عمار بصدمة عميقة وشديدة.
في تقرير رصدته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية المرموقة تظاهر عمار، إثر ذلك، في يناير (كانون الثاني) من هذا العام، بأنه ذاهب للقتال في الخطوط الأمامية في العراق، ولكنه بدلا من ذلك غادر وحدته المقاتلة وفر إلى تركيا. وبفعلته هذه فهو قد انضم إلى عدد متزايد من مقاتلي «داعش» السوريين الذين فقدوا إيمانهم بادعاءات الجماعة الكاذبة التي باتوا يعتبرون تكتيكاتها أبعد ما تكون عن الإسلام ولا تمت للإنسانية بصلة. ورغم أن البيانات المتاحة حول هذا التوجه غير كافية، فإن المئات من مقاتلي «داعش» قد انشقوا بالفعل عن صفوف التنظيم في محافظتي الرقة وحلب خلال شهر مارس (آذار) وحده. ونسبة كبيرة منهم من السوريين، الذين انضم بعضهم إلى جماعات المعارضة المعتدلة، مثل الجيش السوري الحر، وبعضهم الآخر تخلى عن الصراع السوري بالكلية عن طريق عبور الحدود إلى تركيا أو الأردن.
وعلى الرغم من صدق عمار في أن غالبية قادة «داعش» في سوريا هم من المقاتلين الأجانب أو العراقيين، فإن التنظيم المتطرف ورغم ذلك يعتمد وبشكل كبير على عناصر سوريا في مهام الاستخبارات، وبناء العلاقات مع المدنيين، والتوسط في عقد التحالفات مع العشائر، وإدارة المؤسسات الحيوية، بما في ذلك الضرائب، التي تستلزم وجود معرفة عميقة وداخلية بالسكان المحليين وجغرافية المكان.
غير أن تزايد عدد المقاتلين السوريين المنشقين عن التنظيم باتت تشكل تهديدا خطيرا على «حكومة (داعش)» وعلى العمليات العسكرية في سوريا. ولقد أجرينا مقابلات شخصية مع ثمانية من مقاتلي «داعش» السابقين في تركيا حول الدوافع التي حركتهم للانضمام إلى التنظيم في أول الأمر – ثم الدوافع التي أدت بهم إلى الانشقاق. وتعكس قصصهم صورة للتنظيم الذي يكافح وبشدة من أجل المحافظة على أبسط أدوات السيطرة على أفراد التنظيم ومقاتليه.
* نقائص «داعش»
إن إدراك الأسباب الكامنة وراء انشقاق السوريين عن «داعش» يستلزم بالضرورة إدراك أسباب الانضمام إلى التنظيم الإرهابي في المقام الأول. وتكشف المقابلات الشخصية التي أجريت مع مقاتليه السابقين من السوريين الدوافع الأولية وراء الانضمام.
- أولا، التحق بعض السوريين بـ«داعش» لأنهم من المؤمنين الحقيقيين والملتزمين فكريا بهدف إقامة «الخلافة» التي تحكم وفقا لأحكام ونصوص الشريعة. وبعد عقود طويلة من الحكم السلطوي والحرب الأهلية المتطاولة، كانت تلك الفئة من المقاتلين مقتنعة بالانضمام إلى «داعش» إيمانا بوعود التنظيم بتوفير الأمن، والرخاء، والعدالة الإسلامية. وكما أوضح أحد المنشقين - وهو من محافظة دير الزور - «تزعم الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات الغربية أنها تحارب الإرهاب، ولكنهم في حقيقة الأمر يستخدمون الإرهاب كذريعة ومبرر لقتل المزيد من المسلمين. و(داعش) هو المدافع والممثل الوحيد عن المسلمين في هذه المعركة القائمة بين الإسلام والغرب».
- ثانيا، انضم بعض السوريين إلى صفوف التنظيم بسبب إما أنهم مجرمون مطلوبون للعدالة أو من مقاتلي الأعداء المقبوض عليهم والذين تلقوا وعودا بالعفو مقابل تعهدهم بالولاء للتنظيم. وبالنسبة لتلك الفئة، كان الانضمام إلى «داعش» السبيل الوحيدة لتجنب مواجهة الموت المحقق والرهيب. وفي بعض المناطق السورية، أطلق «داعش» وعفا بالفعل عن مئات من المجرمين المدانين سابقا من جانب محاكم النظام السوري شريطة انضمامهم إلى صفوف التنظيم كمقاتلين. ولقد انضم اثنان من أفراد «الجيش السوري الحر» إلى «داعش»، وأجريت معهما المقابلة الشخصية لأجل هذا المقال، بعدما أجبرت الألوية التي كانوا يحاربون فيها على الاستسلام للتنظيم الإرهابي، وكان أحدهما بالقرب من مطار دير الزور الحربي، والآخر في محافظة الحسكة. وعندما عرض «داعش» عليهما العفو مقابل خضوعهما لدورات الاستتابة، قبلا الصفقة على الفور.
وقال أحد هذين الرجلين «لم أؤمن قط بدعوى (داعش)، لكنني كنت محاصرا في المدينة، ولم أتمكن من الفرار. وكنت على يقين من أنهم سيقتلونني لو رفضت الانضمام إليهم، ولذلك قررت الانضمام للبقاء على قيد الحياة، ثم بدأت في إعداد الخطط للفرار منهم».
- ثالثا، هناك عدد كبير من السوريين ينضمون لـ«داعش» لأسباب اقتصادية. ففي سوريا، حيث سجل أعلى معدل للبطالة بين كل الدول العربية، يستميل «داعش» المواطنين من خلال توفير فرص العمل ذات الرواتب الجيدة التي تعتبر أفضل من كل البدائل المتاحة. ووفقا لوثائق التنظيم الرسمية، فإن الراتب الأول للمقاتل يبدأ من 50 دولارا في الشهر، مع 50 دولارا أخرى تدفع للزوجة أو الجارية، و50 دولارا لكل أو أي من الوالدين، ثم 35 دولارا لكل طفل من الأطفال. وإذا ما وضعنا هذه المزايا في الحساب، تقدر بعض المصادر أن الرواتب النموذجية في «داعش» تتراوح بين 400 إلى 1200 دولار في الشهر. وبالإضافة إلى الراتب الأساسي، يتلقى المقاتلون في التنظيم مزايا مادية أخرى، بما في ذلك الغذاء، والغاز، والإسكان. ويقول المقاتلون السابقون المنشقون عن التنظيم الإرهابي إن أصحاب المهارات أو الخبرات الخاصة، وهم في العادة من الأجانب، يتلقون رواتب أكثر من غيرهم.
في المقابل، ما يدفعه «الجيش السوري الحر» من رواتب لمقاتليه لا يتجاوز 36 دولارا في الشهر، مع انعدام المزايا الإضافية الأخرى التي يوفرها «داعش» لمقاتليه، وتبدأ رواتب الجيش النظامي السوري من 63 دولارا في الشهر، بينما تدفع «جبهة النصرة» متوسط 100 دولار للمقاتلين في الشهر. وأوضح أحد المنشقين عن «داعش» في دير الزور أنه انضم إلى التنظيم بسبب أنه كان يتحمل مسؤولية إعالة 6 شقيقات ولم يكن قادرا على توفير الغذاء والحماية لهن. وعندما توقف النظام الحاكم في سوريا عن سداد رواتب المواطنين في دير الزور وأجبرت منظمات الإغاثة الإنسانية على الانسحاب من المدينة، انهار الاقتصاد المحلي تماما. وقال المقاتل المنشق عن التنظيم «أمضيت شهرين كاملين أبحث عن عمل وعندما تمكنت من العثور على وظيفة، كنت أعمل 12 ساعة في اليوم مقابل راتب هزيل لم أتمكن به من شراء ما يكفي من الخبز لعائلتي. لم أكن لأترك عائلتي تتضور جوعا، ولذلك لم يكن أمامي من خيار سوى الانضمام إلى (داعش)». وللعلم، من أحد العوامل التي دفعته للانضمام أيضا كان الخوف من إجبار شقيقاته على الزواج من مقاتلي «داعش» رغما عن إرادتهن، إذ أضاف المقاتل السابق يقول: «انضممت للتنظيم لحماية شقيقاتي من رجال التنظيم».
- رابعًا، من فئات المقاتلين التي كانت تنضم إلى «داعش» من يعتبرون نظام بشار الأسد العدو الأول والأخير، وأن «داعش» هو التهديد الأكبر أمام بقاء واستمرار ذلك النظام. وهنا يقول عمار شارحًا «لقد تخلى العالم بأسره عن سوريا في محنتها. وكان «داعش» هو التنظيم الوحيد الذي يقف في وجه نظام بشار». بينما أحد المنشقين عن التنظيم كانت عائلته قد تعرضت للقتل على أيدي رجال الحكومة السورية، لأنه انضم إلى صفوف «داعش» من أجل «الانتقام». وأضاف أن أغلب أفراد التنظيم من أبناء مدينة حمص، التي شهدت أشرس عمليات القمع ضد الاحتجاجات، إنما انضموا لنفس السبب.
- خامسا، وأخيرا، ينضم بعض السوريين إلى «داعش» لسبب بسيط ألا وهو الانتهازية. إذ يقول حسام، الذي انشق عن «داعش» في محافظة إدلب السورية «لمحاولة تحقيق أقصى قدر ممكن من السلطة والمال». وعلى وجه الخصوص، بذل «داعش» الكثير من المجهود لتجنيد المسؤولين العسكريين السابقين الذين يمتلكون خبرات مهمة في العمليات العسكرية وشؤون الاستخبارات. وهذه الفئة لم تشارك أساسًا في الثورة، وهم يعتبرون من المنبوذين في المناطق البعيدة عن سيطرة النظام الحاكم. ويروي حسام محادثة جرت بين أحد زعماء العشائر في الريف السوري في دير الزور وبين أحد المسؤولين الدينيين من «داعش» كان يحاول تجنيده لصالح التنظيم. وكان رد الزعيم القبلي قاطعا وحاسما إذ قال: «كيف يمكنني الانضمام لتنظيم لا يحتضن إلا اللصوص وقطاع الطرق من المجتمع؟ إذا ما أردتم فعليا أن تكونوا خلافة إسلامية، كيف يسعكم قبول هؤلاء الأشخاص بين صفوفكم؟» فأجابه المسؤول الداعشي بقوله إن التنظيم «يحاول إصلاحهم وتصحيح حياة أولئك المنحرفين عن طريق التعليم الديني». ولكن حسام قال إنه على الرغم من هذه الجهود، فإن الكثير من الانتهازيين ممن التحقوا بصفوف التنظيم كانوا من مثيري المشاكل والشغب ولم يتمكن التنظيم من إصلاح سلوكهم. وأضاف يقول: «80 في المائة من أعضاء (داعش) هم من سوء القوم وأشرارهم».
كذلك تشير المقابلات الشخصية التي أجريت مع أعضاء «داعش» السابقين إلى أن دوافع الانشقاق والفرار من التنظيم متعددة ومتنوعة مثل دوافع الانضمام. فبالنسبة لأحدهم، ينشق بعض المقاتلين عن «داعش» وينطلق إلى غيره من الجماعات المسلحة لأن التنظيم بدأ يواجه الهزائم المتكررة ويخسر. وكما أوضح أحد المنشقين قائلا: «إنهم يزدادون ضعفا يوما بعد يوم». ولقد فر إلى تركيا بسبب خوفه من الانتقام الحتمي إن ألقي القبض عليه من جانب النظام الحاكم أو من إحدى الجماعات المسلحة المتصارعة. والحال في سوريا لا يختلف في شيء عن العراق، حيث قطعت رؤوس سجناء «داعش» وتعرض بعضهم للتشويه والتعذيب في عمليات قتل انتقامية مروعة.
* مستبدون.. ومستبدون
وبالإضافة إلى ذلك، انجذب بعض المواطنين السوريين إلى «داعش» في الأساس إيمانا بتعهد التنظيم بتدمير ما وصفوه بالنظام الاستبدادي لبشار الأسد وغيره من الحكومات الديكتاتورية في الشرق الأوسط. ولكن الآن، يتساوى «داعش» من حيث الاستبداد والقمع مع مختلف حكومات المنطقة التي يسعى للقضاء عليها. وعلى غرار النظام الحاكم في سوريا، يمنع «داعش» تأسيس منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاصة. حتى إن التنظيم بات يقلد أساليب التعذيب ذاتها المستخدمة داخل سجون النظام السوري. وذكر أحد المنشقين عن التنظيم، وهو من محافظة إدلب، أنه انضم للتنظيم في أول الأمر تصديقا منه بوعود تطبيق العدالة الإسلامية التي أعلن عنها التنظيم، إلا أنه بعد معاينة الواقع المزري للحكم تحت ظلال «داعش»، بما في ذلك إعدام أفراد التنظيم المشكوك في ولائهم، أصيب بخيبة أمل عظيمة، وهكذا «شعرت بحجم الكذب الذي تعرضت له، وأن تفسيرهم لدين الإسلام ليس صحيحا بالمرة. إنهم استبداديون للغاية، تماما مثل النظام الحاكم، لا فرق بينهم».
مجموعة أخرى من حالات الانشقاق عن التنظيم كانت تتعلق بحقيقة مفادها استمالة «داعش» للكثير من المواطنين السوريين، في بادئ الأمر، بحجة القضاء على الفساد – وهي أحد المظالم الرئيسية التي أشعلت الثورة السورية في عام 2011. ومن المواضيع المتكررة في دعاية «داعش» الزعم بأن لكل المواطنين الحق في المساواة في المعاملة. وكما يظهر من إحدى وثائق التنظيم في ولاية الرقة: «الناس سواسية مثل أسنان المشط. لا فرق بين الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء». وهناك نص آخر من نصوص التنظيم يشير إلى الحياد المفترض في النظام القانوني لـ«داعش» جاء فيه: ينتخب أعضاء الشرطة المحلية من بين أكثر الناس خشية وتقوى لله والذين لا يظهرون أي محاباة لأحد، مثل الشخص الذي ارتكب جريمة تستلزم حدا من الحدود الشرعية (وهي نوعية الجرائم التي يوجد بشأنها نص محدد في القرآن)، فإنه يتلقى العقوبة المنصوص عليها كاملة بلا تخفيف. ويزعم التنظيم أن هذا المبدأ من المعاملة المنصفة ينطبق ليس فقط على المدنيين، بل على أعضاء التنظيم كذلك. وينص أحد الأدلة الإرشادية الرسمية للتنظيم على تعيين الموظفين الحكوميين المدنيين والعسكريين وفق معايير الجدارة الصارمة. والأفراد المسؤولون عن اتخاذ قرارات التوظيف ممنوعون من تفضيل الأصدقاء والأقارب في تلك القرارات، وممنوعون كذلك من حرمان المرشحين الأكثر تأهيلا بسبب العداء أو سوء الطوية تجاهه.
ولكن، على الرغم من سياسات «داعش» الرسمية ضد المحسوبية والفساد، فإن المقاتلين من ذوي الصلات مع كبار قادة التنظيم يحصلون على الأفضلية في المعاملة ويجري العفو عنهم بصورة روتينية حيال سوء السلوك، مثل التدخين وتعاطي المخدرات. وأكثر المستفيدين من معايير المعاملة المزدوجة هم المقاتلون الأجانب. ولذا أصيب خالد، وهو أحد المقاتلين السابقين لدى «داعش» من أبناء دير الزور، بخيبة أمل كبيرة عندما اكتشف أن أعضاء التنظيم من الخليج العربي، أو أوروبا، أو آسيا الوسطى يتلقون رواتب أكثر بكثير من السوريين أهل البلاد، كما يحصلون على مزايا خاصة أخرى من التنظيم. ويقول خالد «هناك مكتب خاص في الإدارة العسكرية لـ«داعش» يشرف على شؤون المهاجرين (المقاتلين الأجانب). وإذا ما رغب أحد المهاجرين في هاتف ذكي «آيفون»، يمكنه طلب الهاتف من ذلك المكتب ويحصل عليه مجانا، ومن دون توجيه أي أسئلة». وفي حين أن المقاتلين الأجانب يرقون بسرعة إلى مختلف المناصب القيادية داخل التنظيم، فإن المقاتلين السوريين غالبا ما يكلفون بأخطر المهام في الخطوط الأمامية – ولا سيما تلك الفئة من المقاتلين السوريين الذين لا يحظون بالثقة الكاملة من جانب قادتهم إما بسبب الشكوك في تخطيطهم للفرار من التنظيم أو لاعتبارهم غير ملتزمين بما فيه الكفاية لهذه القضية. ومن السهولة بمكان تعرض المقاتلين السوريين لاتهامات بأنهم «قريبون للغاية» من المدنيين. وأولئك المشكوك في ولائهم يجري في أغلب الأحيان تكليفهم بأخطر وأصعب المهام – وهي وسيلة من وسائل الخداع للتخلص منهم. ومن بين المظالم الأخرى التي استشهد بها المنشقون والفارون عن «داعش» كانت انخفاض الرواتب. ويتلقى المقاتلون السوريون في واقع الأمر رواتب أقل بكثير من المقاتلين الأجانب، وخلال الشهور الأخيرة، خفض التنظيم المتطرف رواتب كل المقاتلين بمقدار النصف. وبالنسبة للمقاتلين السوريين الذين انضموا للتنظيم لأسباب اقتصادية بالأساس، فإن مزايا العضوية لم تعد تستحق ما يقابلها من مخاطر. وحسب كلام أحد المقاتلين السابقين من دير الزور فإنه قرر الانشقاق عن التنظيم عندما أصبح غير قادر على تحمل تكاليف إطعام عائلته نتيجة للتخفيضات في الرواتب وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وأخيرا، ينشق بعض السوريين عن «داعش» لتجنب إعادة نشرهم في ساحات القتال البعيدة في العراق أو ليبيا، وتلك التي تعتبر التفافا غير مرغوب فيه عن المعركة الأساسية مع نظام الأسد. وقبل الانضمام إلى «داعش» في عام 2014، قاتل عمار في صفوف «الجيش السوري الحر». وكان عدوه الوحيد آنذاك هو النظام السوري – وليست الحكومة العراقية، أو قوات التحالف الدولي، أو أي قوات «مرتدة» أخرى كان التنظيم قد أعلن الحرب عليها من قبل.
ولقد أصيب عمار بإحباط شديد بسبب التناقضات الداخلية الكبيرة في «داعش» إلى جانب المعاملة القاسية والسيئة بحق المدنيين السوريين. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» لديه كان قرار قائده بإعادة نشره مع وحدته إلى الخطوط الأمامية في العراق. إذ فور علمه بخبر انتقاله إلى هناك، هرب عمار إلى تركيا. وبعض من المقاتلين السابقين الذين أجرينا معهم المقابلات في تركيا يقولون إنهم طالبوا بأن يقاتلوا ضد نظام بشار الأسد فقط، ولقد فروا من «داعش» عندما حاولت القيادات العليا إرسالهم للحرب ضد إخوانهم السوريين في الجيش السوري الحر.
* فراغ ويأس
مع ورود التقارير المختلفة عن الاقتتال الداخلي، وعن الصراع على السلطة، وارتفاع عدد الضحايا، يتخذ التنظيم الإرهابي تدابير صارمة جدا لردع الانشقاق عن صفوفه والفرار. وخلال الشهور الأخيرة، نفذ التنظيم أحكام الإعدام بحق المئات من مقاتليه بسبب محاولاتهم الهروب. ووفقا لبعض التقارير الواردة، تعرض المنشقون أو الفارون لعقوبات الموت حرقا أو بالتجمد في ثلاجات حفظ الموتى وهم أحياء.
ولكن من ناحية أخرى، على الرغم من أن الزيادة في الانشقاقات عن «داعش» قد تكون من قبيل الأنباء السارة بالنسبة للتحالف بقيادة الولايات المتحدة، فإن ذلك التوجه يحمل بعض العواقب المثيرة للقلق لدى السوريين. فبالإضافة إلى عمليات الإعدام ذات الإجراءات السريعة للمقاتلين أو المدنيين المشتبه في ولائهم للتنظيم، بدأ «داعش» تجنيد أعداد كبيرة من الأطفال لتغطية الفجوة الهائلة في صفوف المقاتلين. و«أشبال الخلافة» - ما يسميهم «داعش» الآن، - هم من المقاتلين الجدد الأرخص والأكثر طواعية من الناحية الفكرية عن الشباب أو الكبار.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.