حلب.. دماء وشقاء وأمل

أقدم مدن العالم وملتقى حضارات عالمية أصبحت معزولة

أحد عناصر الدفاع المدني يجمل طفلا انتشله من تحت ركام أحد المباني المدمرة في الجزء القديم من مدينة حلب اثر القصف الجوي من قبل طائرات النظام (رويترز)
أحد عناصر الدفاع المدني يجمل طفلا انتشله من تحت ركام أحد المباني المدمرة في الجزء القديم من مدينة حلب اثر القصف الجوي من قبل طائرات النظام (رويترز)
TT

حلب.. دماء وشقاء وأمل

أحد عناصر الدفاع المدني يجمل طفلا انتشله من تحت ركام أحد المباني المدمرة في الجزء القديم من مدينة حلب اثر القصف الجوي من قبل طائرات النظام (رويترز)
أحد عناصر الدفاع المدني يجمل طفلا انتشله من تحت ركام أحد المباني المدمرة في الجزء القديم من مدينة حلب اثر القصف الجوي من قبل طائرات النظام (رويترز)

على أطراف القلعة القديمة في حلب، اجتمعت «زهرة» وأسرتها داخل شقتهم التي كانت فخمة ذات يوم، لكنها الآن أصبحت في مواجهة خطوط العناصر المسلحة.
وغطت ألواح بلاستيكية النوافذ الطويلة بالداخل، في محاولة لحماية مَن بالداخل مِن نيران القناصة. وبينما دوت أصوات القذائف بالخارج، كانت زهرة (25 عامًا) والتي لم تفصح سوى عن اسمها الأول فحسب، تقلب عينيها في صورتين على هاتفها النقال. كانت الصورة الأولى لزوجها، الجندي بجيش النظام السوري ووالد طفلها الذي لم يأت للحياة بعد. وقالت زهرة بينما كانت تضع يدها على بطنها المنتفخة: «أنا في الشهر السابع». أما الصورة الثانية فكانت لزوجها أيضًا، لكنه كان ساقطًا على الأرض مضرجًا في دمائه، وبجواره جنديان آخران، حيث لقي مصرعه منذ أسبوعين. وعلقت زهرة على الصورة بنبرة تحمل قدرًا لا يستهان به من العزيمة: «أتمنى أن يلقى من فعلوا هذا المصير ذاته».
الواضح أن 4 سنوات من الحرب والقتال زادت قلوب أبناء حلب قوة وتحجرًا، وخصوصا القتال المحتدم الذي استمر طيلة الأسبوع الماضي. كانت هدنة هشة في سوريا اضطلعت بدور الوساطة فيها الولايات المتحدة وروسيا قد انهارت، لتفتح الباب أمام أسوأ موجة عنف منذ شهور. من جانبها، حامت طائرات روسية مقاتلة الأجواء، موجهة ضربات متتالية لأهداف داخل المناطق التي يسيطر عليها المسلحون. في المقابل، أطلق المسلحون وابلاً من قذائف الهاون والصواريخ المصنوعة يدويًا على أحياء سكنية مزدحمة. وقد تسببت الحرب في تأجيج توترات طائفية، وتحولت لمعركة تجري بالوكالة عن مصالح إقليمية وعالمية.
الملاحظ أن معظم القتلى من المدنيين، فقد سقط أكثر من مائتي قتيل خلال الأسبوع الماضي، كان ثلثاهم تقريبًا بالمناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة المسلحين، بينما الباقي بالجانب الغربي الخاضع لسيطرة النظام، تبعًا لما أعلنت جماعات تراقب الوضع بالمدينة. من جهته، قال زيد الرعد الحسين، أحد كبار المسؤولين المعنيين بحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، إن أعمال العنف «كشفت تجاهلاً فاضحًا لأرواح المدنيين».
يذكر أن حلب تعد واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان، واشتهرت على مدار قرون بكونها ملتقى حضارات متنوعة، مع وجود تأثيرات عثمانية وأرمينية ويهودية وفرنسية واضحة بها. اليوم، أصبح السبيل الوحيد لدخول المدينة من الجانب الذي تسيطر عليه القوات الحكومية عبارة عن طريق ضيق وعر تحده قرى مهجورة، ومواقع أمامية متفرقة للقوات الحكومية.
من جانبي، كنت أتجول برفقة مترجمي الخاص وحارس يعمل لدى الحكومة السورية. وكانت حركة المرور نشطة عبر طريق تسيطر الجماعات المسلحة على شرقه، ويسيطر مسلحو تنظيم داعش على غربه.
وكان أول مشهد من حلب وقعت عليه أعيننا الضواحي الجنوبية المدمرة، صورة تعكس دمارا هائلا، أصبحت مألوفة جراء الصراعات المتعددة المستعرة داخل البلاد.
ومثلما الحال مع الكثير من مناطق الحروب، عكست أجزاء أخرى من المدينة بعض مظاهر الحياة الطبيعية، حيث عكف ضباط مرور على تنظيم حركة السيارات، بينما تدفق أطفال تعلو وجوههم الضحكات خارجين من المدارس، وتكدس المتسوقون داخل المتاجر التي تبيع أطعمة وعطورا. وبدا الناس كأنهم محصنين على نحو ما من الانفجارات التي تعلو أصواتها في الخلفية والتي تحولت لواحد من مشاهد الحياة اليومية بالمدينة.
ومع ذلك، فإن هذا التوجه غير المهتم في ظاهره من قبل أبناء المدينة، يعكس في حقيقته شعورًا بالسأم والإنهاك في مواجهة موت قد يقع في أي لحظة بأي مكان بالمدينة، تحمله صواريخ متساقطة من السماء.
في خضم انهيار محادثات السلام السورية، تعرضت مستشفى القدس في حلب لهجوم، مساء الأربعاء. أما السوق الأثرية بالمدينة القديمة المنتمية لحقبة القرون الوسطى، والتي تعد من بين الأجمل على مستوى العالم العربي، ومصنفة كموقع تراث عالمي من قبل منظمة «اليونيسكو»، فقد أصبحت خرابًا الآن. وفي أحد الشوارع المهجورة، جلست سيدة داخل أحد الخنادق يبدو عليها الإنهاك تتحدث بزهو عن كيف أنها كانت تعمل ذات يوم على رعاية النمور داخل حديقة الحيوان بحلب. وعرضت أمامنا صورا لها برفقة أسود وثعابين ضخمة ودب ونمر شبل. وقالت إن عملها كحارسة لحديقة الحيوانات انتهى فجأة مع سيطرة عناصر مسلحة على الحديقة منذ 4 سنوات، ما دفعها للمشاركة في القتال. والآن، أصبحت مقاتلة بالخطوط الأمامية.
أما أقرب النقاط الخاصة بالمسلحين فكانت على بعد نحو مائة قدم، حسبما ذكرت، مشيرة إلى أنه على الرغم من هدوء الأوضاع الآن، فإن هذا من غير المحتمل أن يدوم. وقالت: «لا يجرؤون على الخروج سوى ليلاً. إنهم مثل الخفافيش الجبانة».
وأثناء حديث الحارسة السابقة التي أشارت لنفسها باسم روز أبو جعفر، سقطت قذيفة على مبنى مجاور، مطلقة صوت انفجار مدويا، في الوقت الذي انطلقت مركبة عبر الشارع يقودها جندي آخر. ومع ذلك، لم يهتز جفن روز، لكنها نصحت المترجم المرافق لي بضرورة الانتقال لمكان آخر.
وعلى الرغم من أن الثورة في سوريا بدأت كحركة اعتراض ضد النظام الاستبدادي لبشار الأسد، الذي حكمت أسرته سوريا طيلة 46 عامًا، فإنها أثارت توترات طائفية وأحيت مشاعر سخط تاريخية تعود لقرن مضى. كانت غالبية سكان المدينة من الأرمن قد فروا إلى أوروبا وكندا، بينما يبدي الباقون منهم تأييدًا قويًا للأسد، والذي يعدونه أملهم الوحيد في مواجهة المقاتلين الذين لن يتركوهم يعيشون في سلام.
من ناحيته، يعيش إسكندر أسد، قس بالكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، في الميدان، وهي ضاحية تقع على الخطوط الأمامية وأصبحت شبه مهجورة الآن. قبل يوم مضى، سقطت قذيفة هاون على منزله، مخلفة وراءها فتحة كبيرة في السقف. وقال إن زوجته ظلت تبكي طوال الليل، لكنه لم يجد في نفسه طاقة تعينه على محاولة تهدئتها. وقال: «الشعور بالأسف لا يجدي شيئا. إننا بحاجة لحل. أما الأسف فلا يحل شيئا».
وقادنا الأب أسد نحو الطابق العلوي من منزله، بينما كان يتحدث عن الهدنة، قائلاً: «كانت الهدنة خطأ»، في إشارة لوقف إطلاق النار المتداعي. واستطرد بقوله: «بماذا خرجنا من هذه الهدنة؟ لقد جاء إلينا الإرهابيون الآن بأعداد أكبر وبأسلحة أكثر تطورًا. إن هؤلاء مجرد مرتزقة، وقد أتاحت لهم الهدنة الوقت لإعادة تجميع قواهم. والآن، نحن من يعاني جراء ذلك، وليس هم». بيد أنه في واقع الأمر، من الواضح أن المعاناة، وكذلك اللوم، ليسا حكرًا على مجموعة بعينها في إطار الحرب المستعرة في سوريا. كان رئيس النظام بشار الأسد، قد واجه اتهامات جديدة بالتورط في جرائم حرب بعدما تعرض مستشفى القدس، الكائن على الجانب الذي يسيطر عليه المسلحون من المدينة لضربات جوية، مساء الأربعاء قبل الماضي. بحلول الجمعة، قال عمال الإنقاذ إنهم انتشلوا 55 جثة من تحت الأنقاض، بينهم 29 من الأطفال والسيدات، بعضهن كن في حالة ولادة، تبعًا لما ذكرته إحدى الجماعات المعنية بتقديم المساعدات. من جهتها، أدانت منظمة «أطباء بلا حدود»، التي تدعم المستشفى، القصف، بوصفه عملا «فظيعا».
أما سكان المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، فأصبح خوفهم الأكبر من نمط من الصواريخ البدائية المصنوعة من أسطوانات غاز بروبان معدلة محشوة بمتفجرات وأجسام معدنية تستخدمها الجماعات المسلحة، بما في ذلك تلك التي تتلقى دعمًا أميركيًا.
الواضح أن الجانبين عصفت بهم التفجيرات، وإن كانت الطائرات النفاثة والمروحية تبقى حكرًا على جانب النظام، ما أدى لتحويل أجزاء واسعة من المناطق التي تسيطر عليها جماعات مسلحة إلى مجرد ركام.
والواضح أن الاستخفاف بأرواح المدنيين عنصر مشترك بين جميع الأطراف المتحاربة، ذلك أنه بعد الهجوم الذي تعرض له المستشفى، أمطرت صواريخ المسلحين جميع الضواحي الواقعة تحت السيطرة الحكومية في حلب، في حمى هجومية حادة خلفت عشرات القتلى. وتكدست سيارات الإسعاف والأجرة خارج مستشفى الراضي بينما هرع الأقارب الملتاعون حاملين أجساد ذويهم مضرجة بالدماء ويعلوها الغبار، وكثير منهم من الأطفال، إلى داخل قسم الطوارئ.
في اليوم التالي، استهدفت القوات الحكومية 3 منشآت طبية شرق المدينة. من جهتهم، يتهم بعض سكان الجانب الحكومي من المدينة الولايات المتحدة وحلفاءها بالغضب الانتقائي، حيث يتعمدون غض الطرف عن تجاوزات الحلفاء لهم، عن هذا، قال المبجل إبراهيم نصير، الراعي بالكنيسة المشيخية: «يتبع مجلس الأمن معايير مزدوجة، فهم لا يرون ضحايانا. ويطالبون بإقرار الديمقراطية في سوريا فقط».
من ناحية أخرى، لا يعلم أحد على وجه التحديد كم تبقى من المليونين الذين كانوا يسكنون حلب قبل اشتعال الحرب. المعروف أن كثيرين قد فروا إلى أوروبا ولبنان وأجزاء أخرى من سوريا. أما من تبقوا بالمدينة فيعتمدون على أنظمة ارتجالية لتوفير المياه والكهرباء. وقد حذر فالتر غروس، رئيس «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في حلب من أن أي تصعيد للقتال يحمل معه احتمالات وقوع «كارثة إنسانية». وقال: «أصبح الأمر أشد وطأة بكثير هذه الأيام. وأصبح كل شخص يشعر بالوضع على نحو مختلف». وفي تعليقه على حالة الهدوء التي يبدو عليها سكان حلب في الشوارع، قال غروس الذي ينتمي إلى البوسنة: «يبدو غريبًا أن تسمع أصوات قذائف الهاون من بعيد، بينما يلعب الأطفال الكرة الطائرة خارج نافذة مكتبي، لكن الحقيقة أن الناس يحاولون العيش بطريقة طبيعية وأن يشعروا بأنهم على قيد الحياة».
والواضح أن بعض أبناء حلب عازمين على المضي قدمًا في الحياة. على سبيل المثال، في غضون ساعات من استهداف مستشفى في حلب عبر ضربة جوية، اجتمع نحو مائة شاب في أحد المطاعم لحفل زفاف. ولمعت أشعة الشمس عبر زجاج النوافذ، بينما احتشد المدعوون داخل المطعم وتناولوا أطباق الفاكهة ودخنوا النرجيلة ورقصوا الدبكة الفلكلورية الشهيرة، وقد غطت أصوات الموسيقى المرتفعة على أصوات التفجيرات التي ترددت أصداؤها من حين لآخر بالخارج.
عن ذلك، قال عمر (21 عامًا) وهو طالب إدارة أعمال وإشبين العريس: «هناك حرب، ثم هناك حياة. لدينا قلبان داخل هذه البلاد، قلب للحزن وآخر للسعادة، ولكل حدث قصته المختلفة». إلا أنه في غضون ساعة واحدة، تذكر الجميع مخاطر العيش تحت وطأة نظام الأسد القمعي، لدى ظهور فرقة من رجال الاستخبارات العسكرية خارج المطعم، وسحبهم باستا للخارج لإعلان اعتراضهم على سماحه لعملائه بالرقص والغناء في يوم شهد مثل هذا القدر الهائل من العنف والدماء.

* خدمة «نيويورك تايمز»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.