أمراض نفسية وعلاقات تتفكك بسبب الحصار على «معضمية الشام»

النظام يصادر أدوية البالغين من كل ما يدخل من مساعدات الأمم المتحدة

أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار
 على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
TT

أمراض نفسية وعلاقات تتفكك بسبب الحصار على «معضمية الشام»

أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار
 على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)

ثلاث سنوات قضاها أهالي مدينة معضمية الشام، ضمن ما عاشته غالبية بلدات ريف دمشق في حصار خانق، كان حجر الرحى الذي طحن العشرات من أبناء المدينة من غير رحمة، إذ لم يقتصر الحصار على نقص الطعام، بل شمل جميع جوانب الحياة الخدمية، والمعيشية، والطبية. وهو هاجس أدى تراكمه على مدى الوقت إلى ضغوطات نفسية وعقلية تبدو غير مرئية عند الحديث عن الحصار، ونقص الغذاء، والدواء، وهو ما يركز عليه هذا التقرير الذي يلقي الضوء على الجانب المنسي من الحصار، الأمراض النفسية.
في بداية 2014 أبرمت بلدة معضمية الشام بريف دمشق المعروف بـ«الغوطة الغربية»، هدنة مع النظام، كان من أبرز شروطها فتح معبر المدينة، وإيقاف القتال. عاشت بعدها المدينة في حياة معقولة نسبيًا، فقد سمح بإدخال المواد اللازمة، وبدأت الحياة بالعودة تدريجيا للبلدة، ولكن غدر النظام بأهالي المدينة أبطل كل شيء في العام نفسه، عندما أغلق المعبر الذي هو شريان المدينة الوحيد، وأبقاه مغلقا إلى الآن. وضاقت أحوال الناس بهم في ظل هذا الحصار في المأكل والأدوية وبقية المستلزمات اليومية. وندرت المواد الغذائية، وأصبح هم البقاء على قيد الحياة، وتأمين لقمة اليوم هو الهاجس الذي يشغل سكان المدينة، والذي تحول عند كثيرين في البلدة حتى ممن لم يعرفوا سابقا أية أمراض نفسية، إلى حالة عصبية مرضية.
من لهجته الغاضبة وعينيه الحمراوين اللتين فتحمهما لدرجة مخيفة، بدا على أبو جواد أنه غير طبيعي على الإطلاق. أخذ يتكلم بكلام غير مفهوم ويدعي أمورا لم تحدث أبدا، يرويها كأنه يتذكرها من الماضي، مع أنها من صنع مخيلته وعقله الذي أصابه الخلل بعد عناء طويل مع الحصار. أبو جواد، الذي نيّف على الخمسين اعتاد على التدخين منذ الصغر، وكانت لفافات التبغ والدخان المتطاير منها كالزوبعة الصغيرة، هي ملجأه الوحيد في ساعات الغضب وفي دقائق الرضا والحبور. تروي منال وهي إحدى جارات الرجل بالمعضمية حادثة شهدتها أخيرا مصدرها أسرة هذا الرجل: «منذ عدة أيام لمحت زوجته أم جواد راكضة في الشارع بلا مانطو (معطف)، والدماء على وجهها وكفيها. أدخلتها إلى منزلي، وحاولت أن أهدئ من روعها، فقد كانت في حالة فظيعة، بعد أن ضربها زوجها ضربا شديدا. وعلى أثر هذا العنف الجسدي النادر بين الزوجين اللذين تقاسما الحياة ثلاثين عاما، فصُلت الزوجة عن زوجها خوفا على سلامتها، وتبين لاحقا أن أبو جواد مصاب بحالة شديدة من المرض النفسي المعروف بـ«الذهان».
زرنا أم جواد، 52 عاما، في مسكنها الجديد الذي تقطنه مع ابنتها الصغيرة، وكان السكون الحزين مخيما على جو المنزل. قالت لنا أم جواد: «صدمة كبيرة ما أنا فيه الآن، فقد أراد زوجي قتلي، أمسكني من رأسي الذي راح يضربه على الحائط، ولولا أن الجيران أنقذوني لكنت الآن في عداد الموتى». بكت أم جواد وسال الدمع على وجهها المزرق والمنتفخ من آثار العنف الذي تلقته من أبو جواد. واستطردت بقولها: «منذ إغلاق معبر المعضمية أصبح زوجي سريع الغضب بسبب نقص التبغ والارتفاع الجنوني لثمنه، كل ذلك إضافة لنقص الطعام وبقية المستلزمات اليومية للأسرة». وتابعت بنبرة من التعاطف حيال رفيق الحياة: «كان زوجي أيضا يحب العمل ويقضي معظم وقته خارج البيت، أما في ظل الحصار، فقد أصبح عاطلا، يقضي جل وقته جالسا بصمت في زاوية البيت، أو على قارعة الطريق».
أم جواد التي لم تخف حبها لزوجها وحزنها الشديد على ما آل إليه من عصبية، أكدت أن زوجها يعيش الآن في حالة هستيرية مرضية، مستشهدة بأنه: «لم يضربني في حياته، وكان يحسن معاملتي، أما الآن فأشعر أن حياتنا المشتركة قد دمرت».
الاختصاصي النفسي نذير الرفاعي ابن المعضمية، قال لنا إن تداعيات الحصار السلبية بدأت بالظهور جليا في هذه الأيام، بعد أن وصل تأثير الحصار إلى قمته.
وقال الرفاعي الذي اطلع على حالات نفسية وعصبية في البلدة، كان من ضمنها قصة أبو جواد، إن «الشعور بالاضطهاد والظلم ومنع الطعام والشراب عن البشر، ومن ذلك حرمان المدخنين من التبغ، كل ذلك شكل أسبابا كافية لظهور ضغوطات نفسية تحولت إلى أمراض عصبية وعقلية».
وأضاف، خريج جامعة دمشق في علم النفس الذي يعمل مرشدا نفسيا ومحاضرا في أحد المراكز التعليمية في المدينة، أن أمراض «الأعصاب، والذهان، وفصام الشخصية، والأفعال القسرية، والاكتئاب، كلها أمراض بدأت تتشكل ملامحها في المدينة، والسبب دائما هو الحصار والضغط الكبير على المحاصرين، فهم في سجن كبير انعدمت فيه جميع أسباب الحياة».
غير أن النساء، أيضا، يتعرضن للمتاعب النفسية الشديدة بسبب الحصار، ونموذج لهذه الحالات، دعاء (52 عاما) التي بدأت تعاني من دوار وإعياء شديد حتى تكاد أن تفقد وعيها أحيانا. وقد نقلت إلى المركز الطبي الجديد في مدينتها معضمية الشام لتتلقى العلاج وتأخذ الحقن الإسعافية. يقول الدكتور مأمون الخطيب، مدير مركز النور الطبي، «إن السيدة دعاء تعاني من ارتفاع في ضغط الدم وتحتاج إلى دواء بشكل مستمر، كما تبين بعد الفحص أن لديها تشنجا بالقولون». ويوضح د. الخطيب أن المرض الذي أصيبت به السيدة هو «مرض نفسي جسدي نتيجة ضغط انفعالي مستمر، بسبب مشكلات وأعباء الحياة اليومية تتسبب بما يعرف باﻷمراض السيكوماتية».
وتصادف وجودنا في المستشفى مع زيارة المريضة دعاء التي تحدثنا إليها بعد أن هدأت قليلا، وقالت: «أعيل ابنتي بعد أن استشهد زوجي منذ عام تقريبا. لكني لا أشعر بالأمان أبدا، وأعيش في قلق مستمر من التفكير بما سيحل بنا إذ انتهى المتبقي معي من المال».
تضيف، وقد سالت دمعة على خدها: «من حصار إلى حصار. حياة لم تعد تطاق. لو كنت وحيدة ودون البنتين لفكرت بالانتحار». ولم تكن حالة دعاء هي الأولى من نوعها من مرضى يترددون على المركز الطبي، إذ يقول الخطيب إن عشرات الحالات التي عاينها، تعاني من نفس الأمراض، أو أمراض مشابهة منشأها نفسي عصبي». مضيفا: «أستقبل يوميا حالة أو حالتين من هذا التصنيف المرضي، حيث يشكل الحصار عاملا رئيسيا في حدوث أمراض الضغط والمعدة والقولون». وتحتاج هذه الأمراض إلى علاج نفسي ودوائي، إلا أن الدكتور الخطيب يتحدث عن أدوية مخزنة منذ سنوات وقد انتهت صلاحيتها، لافتا إلى أن المعضلة الكبرى تكمن في العلاج النفسي، إذ تفتقر المدينة إلى العيادات النفسية المتخصصة مع صعوبة التنقل خارج البلدة للعلاج، إضافة إلى غياب الأدوية الخاصة بهذه الأمراض».
ويعمل ثلة من الأطباء في مشفى الغوطة التخصصي في مدينة المعضمية على علاج المرضى وفق الإمكانيات البسيطة المتوفرة بين أيديهم. وقد تحدثنا إلى أحد الأطباء الذي أشار إلى تسبب الحصار في نشوء أمراض سيكوسوماتية، نتيجة القلق والتوتر والجوع، كذلك تسببه بأمراض نفسية قاهرة وهستيرية»، مشددا على أنه «مع ضعف الإمكانات الدوائية واللوجيستية، لا نستطيع معالجة الحالات العقلية والعصبية إلا ببعض المهدئات».
بدوره نفى، الصيدلاني أحمد نتوف، دخول الأدوية المعالجة لهذه الأمراض إلى المدينة منذ سنة، إلا في حالات استثنائية، عن طريق تهريبها أو إدخال أعداد قليلة منها مع الداخلين والخارجين من الأهالي. وأكد أن النظام مارس (آذار) وضع حظرا على جميع أدوية البالغين، وعندما دخلت مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا أخيرا صادر منها الأدوية، ولم يسمح إلا بإدخال أدوية الأطفال فقط».



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».