أمراض نفسية وعلاقات تتفكك بسبب الحصار على «معضمية الشام»

النظام يصادر أدوية البالغين من كل ما يدخل من مساعدات الأمم المتحدة

أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار
 على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
TT

أمراض نفسية وعلاقات تتفكك بسبب الحصار على «معضمية الشام»

أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار
 على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)

ثلاث سنوات قضاها أهالي مدينة معضمية الشام، ضمن ما عاشته غالبية بلدات ريف دمشق في حصار خانق، كان حجر الرحى الذي طحن العشرات من أبناء المدينة من غير رحمة، إذ لم يقتصر الحصار على نقص الطعام، بل شمل جميع جوانب الحياة الخدمية، والمعيشية، والطبية. وهو هاجس أدى تراكمه على مدى الوقت إلى ضغوطات نفسية وعقلية تبدو غير مرئية عند الحديث عن الحصار، ونقص الغذاء، والدواء، وهو ما يركز عليه هذا التقرير الذي يلقي الضوء على الجانب المنسي من الحصار، الأمراض النفسية.
في بداية 2014 أبرمت بلدة معضمية الشام بريف دمشق المعروف بـ«الغوطة الغربية»، هدنة مع النظام، كان من أبرز شروطها فتح معبر المدينة، وإيقاف القتال. عاشت بعدها المدينة في حياة معقولة نسبيًا، فقد سمح بإدخال المواد اللازمة، وبدأت الحياة بالعودة تدريجيا للبلدة، ولكن غدر النظام بأهالي المدينة أبطل كل شيء في العام نفسه، عندما أغلق المعبر الذي هو شريان المدينة الوحيد، وأبقاه مغلقا إلى الآن. وضاقت أحوال الناس بهم في ظل هذا الحصار في المأكل والأدوية وبقية المستلزمات اليومية. وندرت المواد الغذائية، وأصبح هم البقاء على قيد الحياة، وتأمين لقمة اليوم هو الهاجس الذي يشغل سكان المدينة، والذي تحول عند كثيرين في البلدة حتى ممن لم يعرفوا سابقا أية أمراض نفسية، إلى حالة عصبية مرضية.
من لهجته الغاضبة وعينيه الحمراوين اللتين فتحمهما لدرجة مخيفة، بدا على أبو جواد أنه غير طبيعي على الإطلاق. أخذ يتكلم بكلام غير مفهوم ويدعي أمورا لم تحدث أبدا، يرويها كأنه يتذكرها من الماضي، مع أنها من صنع مخيلته وعقله الذي أصابه الخلل بعد عناء طويل مع الحصار. أبو جواد، الذي نيّف على الخمسين اعتاد على التدخين منذ الصغر، وكانت لفافات التبغ والدخان المتطاير منها كالزوبعة الصغيرة، هي ملجأه الوحيد في ساعات الغضب وفي دقائق الرضا والحبور. تروي منال وهي إحدى جارات الرجل بالمعضمية حادثة شهدتها أخيرا مصدرها أسرة هذا الرجل: «منذ عدة أيام لمحت زوجته أم جواد راكضة في الشارع بلا مانطو (معطف)، والدماء على وجهها وكفيها. أدخلتها إلى منزلي، وحاولت أن أهدئ من روعها، فقد كانت في حالة فظيعة، بعد أن ضربها زوجها ضربا شديدا. وعلى أثر هذا العنف الجسدي النادر بين الزوجين اللذين تقاسما الحياة ثلاثين عاما، فصُلت الزوجة عن زوجها خوفا على سلامتها، وتبين لاحقا أن أبو جواد مصاب بحالة شديدة من المرض النفسي المعروف بـ«الذهان».
زرنا أم جواد، 52 عاما، في مسكنها الجديد الذي تقطنه مع ابنتها الصغيرة، وكان السكون الحزين مخيما على جو المنزل. قالت لنا أم جواد: «صدمة كبيرة ما أنا فيه الآن، فقد أراد زوجي قتلي، أمسكني من رأسي الذي راح يضربه على الحائط، ولولا أن الجيران أنقذوني لكنت الآن في عداد الموتى». بكت أم جواد وسال الدمع على وجهها المزرق والمنتفخ من آثار العنف الذي تلقته من أبو جواد. واستطردت بقولها: «منذ إغلاق معبر المعضمية أصبح زوجي سريع الغضب بسبب نقص التبغ والارتفاع الجنوني لثمنه، كل ذلك إضافة لنقص الطعام وبقية المستلزمات اليومية للأسرة». وتابعت بنبرة من التعاطف حيال رفيق الحياة: «كان زوجي أيضا يحب العمل ويقضي معظم وقته خارج البيت، أما في ظل الحصار، فقد أصبح عاطلا، يقضي جل وقته جالسا بصمت في زاوية البيت، أو على قارعة الطريق».
أم جواد التي لم تخف حبها لزوجها وحزنها الشديد على ما آل إليه من عصبية، أكدت أن زوجها يعيش الآن في حالة هستيرية مرضية، مستشهدة بأنه: «لم يضربني في حياته، وكان يحسن معاملتي، أما الآن فأشعر أن حياتنا المشتركة قد دمرت».
الاختصاصي النفسي نذير الرفاعي ابن المعضمية، قال لنا إن تداعيات الحصار السلبية بدأت بالظهور جليا في هذه الأيام، بعد أن وصل تأثير الحصار إلى قمته.
وقال الرفاعي الذي اطلع على حالات نفسية وعصبية في البلدة، كان من ضمنها قصة أبو جواد، إن «الشعور بالاضطهاد والظلم ومنع الطعام والشراب عن البشر، ومن ذلك حرمان المدخنين من التبغ، كل ذلك شكل أسبابا كافية لظهور ضغوطات نفسية تحولت إلى أمراض عصبية وعقلية».
وأضاف، خريج جامعة دمشق في علم النفس الذي يعمل مرشدا نفسيا ومحاضرا في أحد المراكز التعليمية في المدينة، أن أمراض «الأعصاب، والذهان، وفصام الشخصية، والأفعال القسرية، والاكتئاب، كلها أمراض بدأت تتشكل ملامحها في المدينة، والسبب دائما هو الحصار والضغط الكبير على المحاصرين، فهم في سجن كبير انعدمت فيه جميع أسباب الحياة».
غير أن النساء، أيضا، يتعرضن للمتاعب النفسية الشديدة بسبب الحصار، ونموذج لهذه الحالات، دعاء (52 عاما) التي بدأت تعاني من دوار وإعياء شديد حتى تكاد أن تفقد وعيها أحيانا. وقد نقلت إلى المركز الطبي الجديد في مدينتها معضمية الشام لتتلقى العلاج وتأخذ الحقن الإسعافية. يقول الدكتور مأمون الخطيب، مدير مركز النور الطبي، «إن السيدة دعاء تعاني من ارتفاع في ضغط الدم وتحتاج إلى دواء بشكل مستمر، كما تبين بعد الفحص أن لديها تشنجا بالقولون». ويوضح د. الخطيب أن المرض الذي أصيبت به السيدة هو «مرض نفسي جسدي نتيجة ضغط انفعالي مستمر، بسبب مشكلات وأعباء الحياة اليومية تتسبب بما يعرف باﻷمراض السيكوماتية».
وتصادف وجودنا في المستشفى مع زيارة المريضة دعاء التي تحدثنا إليها بعد أن هدأت قليلا، وقالت: «أعيل ابنتي بعد أن استشهد زوجي منذ عام تقريبا. لكني لا أشعر بالأمان أبدا، وأعيش في قلق مستمر من التفكير بما سيحل بنا إذ انتهى المتبقي معي من المال».
تضيف، وقد سالت دمعة على خدها: «من حصار إلى حصار. حياة لم تعد تطاق. لو كنت وحيدة ودون البنتين لفكرت بالانتحار». ولم تكن حالة دعاء هي الأولى من نوعها من مرضى يترددون على المركز الطبي، إذ يقول الخطيب إن عشرات الحالات التي عاينها، تعاني من نفس الأمراض، أو أمراض مشابهة منشأها نفسي عصبي». مضيفا: «أستقبل يوميا حالة أو حالتين من هذا التصنيف المرضي، حيث يشكل الحصار عاملا رئيسيا في حدوث أمراض الضغط والمعدة والقولون». وتحتاج هذه الأمراض إلى علاج نفسي ودوائي، إلا أن الدكتور الخطيب يتحدث عن أدوية مخزنة منذ سنوات وقد انتهت صلاحيتها، لافتا إلى أن المعضلة الكبرى تكمن في العلاج النفسي، إذ تفتقر المدينة إلى العيادات النفسية المتخصصة مع صعوبة التنقل خارج البلدة للعلاج، إضافة إلى غياب الأدوية الخاصة بهذه الأمراض».
ويعمل ثلة من الأطباء في مشفى الغوطة التخصصي في مدينة المعضمية على علاج المرضى وفق الإمكانيات البسيطة المتوفرة بين أيديهم. وقد تحدثنا إلى أحد الأطباء الذي أشار إلى تسبب الحصار في نشوء أمراض سيكوسوماتية، نتيجة القلق والتوتر والجوع، كذلك تسببه بأمراض نفسية قاهرة وهستيرية»، مشددا على أنه «مع ضعف الإمكانات الدوائية واللوجيستية، لا نستطيع معالجة الحالات العقلية والعصبية إلا ببعض المهدئات».
بدوره نفى، الصيدلاني أحمد نتوف، دخول الأدوية المعالجة لهذه الأمراض إلى المدينة منذ سنة، إلا في حالات استثنائية، عن طريق تهريبها أو إدخال أعداد قليلة منها مع الداخلين والخارجين من الأهالي. وأكد أن النظام مارس (آذار) وضع حظرا على جميع أدوية البالغين، وعندما دخلت مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا أخيرا صادر منها الأدوية، ولم يسمح إلا بإدخال أدوية الأطفال فقط».



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.