رئيس التحرير السابق لـ«نيويورك تايمز»: مسؤوليتي عن 1100 صحافي لم تقلل من مستوى الدقة والنزاهة

بيل كيلار أكد لـ {الشرق الأوسط} أن أوباما كان قادرا على مساعدة الثورة في سوريا

مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)
مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)
TT

رئيس التحرير السابق لـ«نيويورك تايمز»: مسؤوليتي عن 1100 صحافي لم تقلل من مستوى الدقة والنزاهة

مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)
مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)

كان بيل كيلار (65 سنة)، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «نيويورك تايمز». ثم صار كاتب عمود رئيسي فيها. وقريبا، سيكون رئيس تحرير صحيفة غير ربحية متخصصة في مجال العدالة الجنائية في الولايات المتحدة.
خلال ثلاثة عقود مع «نيويورك تايمز»، فاز بجائزة «بوليتزر» (جائزة أميركية سنوية لأحسن الصحافيين والكتاب). ووثق انهيار الاتحاد السوفياتي عندما كان مراسلا في موسكو. ووثق انهيار نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا عندما كان مراسلا في جوهانسبورغ. وشغل منصب رئيس التحرير التنفيذي خلال السنوات: 2003 - 2011. قال عنه أرثر سولزبيرغر، ناشر «نيويورك تايمز»: «قدم بيل إسهامات
كثيرة في (تايمز) خلال أكثر من 30 عاما له هنا. وصعب تحديد هذه الإسهامات بسبب كثرتها. كان يتحدى زملاءه في غرفة الأخبار للابتكار. وفي نفس الوقت، كان وفيا لأعلى المعايير الصحافية. وبسبب هذا، صرنا كلنا أحسن حالا».
في العام الماضي، أسس «مارشال بروجكت» (مشروع مارشال الصحافي)، الذي سينضم إليه كيلار، نيل بارسكي، الذي كان، هو الآخر، صحافيا. عمل مع صحيفة «وول ستريت جورنال». وكان يغطي أخبار المستثمرين وتجار المال في «وول ستريت» (شارع المال في نيويورك). ثم ترك الصحافة، وانتقل إلى الاستثمارات، وصار مليونيرا مضاعفا. لم يشتهر كيلار كرئيس تحرير تنفيذي فقط، ولكن، أيضا، ككاتب عمود. وصار من أهم، وأشهر، كتاب الرأي في الولايات المتحدة. كتب آراء بارزة، ومؤثرة، وبعضها عن السياسات الخارجية للولايات المتحدة، بما في ذلك السياسات نحو الدول العربية والإسلامية.
وهذه مقابلة معه، نصفها عن الصحافة الأميركية، ونصفها عن السياسة الأميركية:
* ما تعليقكم فيما كتبته: «ستكون وظيفتي الجديدة فرصة لأن أبدأ مؤسسة من الصفر. هذا شيء لم أفعله في الماضي. وستكون فرصة لأتعلم آخر التكنولوجيا الرقمية التي لا بد أن تفيدني، وتفيد الصحافيين الآخرين». وما هي الاختلافات بين وظائفك الثلاث: رئيس تحرير صحيفة مطبوعة، وكاتب عمود، والآن رئيس تحرير صحيفة إلكترونية؟
- كرئيس تحرير تنفيذي، كنت المسؤول الأول عما يكتب أكثر من 1100 صحافي، يغطون كل شيء، من الشؤون الخارجية، إلى السياسة الداخلية، إلى التطورات الاقتصادية، إلى الاختراعات العلمية، إلى المنافسات الرياضية، إلى المهرجانات الفنية، إلى عروض الأزياء.
طبعا، كنت أفوض كثيرا من مسؤولياتي في هذه المجالات إلى أشخاص آخرين. لا تنس أن غرفة الأخبار في صحيفة «نيويورك تايمز» عملاقة، وتحتاج إلى تعاون كبير. لهذا، كان هذا التفويض لا بد منه.
ولهذا، كنت أركز أكثر على اختيار صحافيين جدد، وعلى تنقلات الصحافيين، وعلى حل المشاكل. وأهم من هذا كله، على المحافظة على مستوى عال من الدقة والنزاهة فيما تنشر الصحيفة.
ولأني صرت مدير التحرير التنفيذي في وقت كان فيه العمل الصحافي يتغير، ويتحول من الصحف المطبوعة إلى الصحف الرقمية، أشرفت على هذا التغيير والتحول. هذا عن وظيفتي السابقة. أما وظيفتي الحالية لا تزال في صحيفة «نيويورك تايمز». لكن، بدلا من المسؤوليات السابقة التي ذكرتها، تحولت إلى كاتب عمود. كل أسبوع، أكتب رأيا طويلا لصفحة الرأي.
أما وظيفتي في المستقبل القريب، فستكون العمل في «مشروع مارشال» للإشراف على تأسيس مشروع صحافي يركز على الأنظمة الإجرامية والقضائية في الولايات المتحدة.
* كيف تقيم هذه المراحل الصحافية التي مررت، وستمر بها؟
- ظللت صحافيا لمدة 44 عاما. وعملت في مجالات كثيرة. وظل عملي في «نيويورك تايمز» يتميز بأنه في مؤسسة قوية وعملاقة. أو على الأقل، كانت تبدو مؤسسة قوية وعملاقة. الآن، ربما لا تبدو كذلك. نعم، تظل قوية. لكن، من وقت لآخر، أسمع عن صحف أغلقت، أو دمجت، أو تغيرت. وأقدم لك مثالين: أولا: في بداية حياتي الصحافية، عملت في صحيفة «دالاس تايمز هيرالد» (دالاس، ولاية تكساس). ومؤخرا، سمعت أن صحيفة منافسة لها اشترتها. ثانيا: مؤخرا، سمعت أن صحيفة «أوريغونيان» (تصدر في بورتلاند، ولاية أوريغون) خفضت عدد الصحافيين العاملين فيها تخفيضا كبيرا جدا.
لهذا، لا بد أن أقول لك بأن «نيويورك تايمز»، مثل غيرها من الصحف الأميركية الرئيسية، تواجه مشاكل مالية.
في الجانب الآخر، المؤسسة التي سأعمل بها، وهي «مشروع مارشال الصحافي»، هي عن المستقبل. وكما قلت لك، أنا متفائل بأن تطور التكنولوجيا سيطور العمل الصحافي. سواء جمع الأخبار في حياد، أو نشر الآراء في حرية.
* ما هو إحساسك وأنت على أبواب هذه التجربة الجديدة؟
- أعتقد أنها ستكون مثيرة جدا. لكنها ستكون مخيفة قليلا. وذلك لأنها يمكن أن تفشل. وطبعا، آمل ألا تفشل. لن تكون مثل «نيويورك تايمز»، أو أي صحيفة أخرى عامة تغطي مختلف أنواع الأخبار والآراء. ستركز على موضوع واحد. ستكون كبيرة جدا، وهامة جدا، لكنها ستكون متخصصة.
* كتبت صحيفتك: «نيويورك تايمز» عن «مشروع مارشال الصحافي» الآتي: «إنه آخر نوع من أنواع العمل الصحافي الذي يتطور مع تطور التكنولوجيا. عمل خيري، وليس تجاريا. صحافة جديدة، وليست تقليدية...». هل معنى هذا أن الصحافة الخيرية يمكن أن تكون أكثر حيادا من الصحافة التجارية، خاصة في التحقيقات الصحافية، وفي كشف فساد السياسيين ورجال الأعمال وغيرهم؟
- أعتقد أن الحياد الصحافي يتكون من مرحلتين: طموح، ثم نظام. نتطلع له، ثم نلزم به أنفسنا.
هذا هو تفسيري للحياد الصحافي، في صورة رسالة إلى كل قارئ: «لا أريد أن أطلب منك أن تؤمن بشيء معين. لكن، أريد أن أقدم لك المعلومات والآراء الكافية لتقدر أنت على الوصول إلى رأي ذكي لتؤمن به».
طبعا، يقدر كل صحافي على أن يقول رأيه في كثير من الأشياء. لكن، مثلما يجب على القاضي أن يضع رأيه الخاص جانبا عند الحكم في قضية، ويلتزم بتطبيق القانون، يجب على الصحافي أن يضع جانبا آراءه الشخصية، ويركز على تقديم الحقائق. هل لا بد، من وقت لآخر، بصورة أو أخرى، أن يؤثر رأي الصحافي الشخصي على هذه الحقائق؟ بالتأكيد. نحن بشر، لا ملائكة. لكن، توجد في كثير من المؤسسات الصحافية الناجحة ثقافة الحياد والنزاهة. ويوجد فيها رؤساء تحرير يحرصون، ليس فقط على المحافظة على هذه الثقافة، ولكن، أيضا، على تقويتها.
لا أعتقد أن ثقافة الحياد والنزاهة تتأثر إذا تملك الصحيفة شركة ربحية، أو مؤسسة خيرية. أو إذا تعتمد الصحيفة على الإعلانات، أو على الاشتراكات. ما دامت هذه الثقافة قوية وثابتة. وما دامت تحرص على الفصل بين العمل الصحافي وبين هذه العوامل.
وأقدم لك مثالين:
أولا: تعتمد «نيويورك تايمز» على مصادر مالية هي خليط من إعلانات واشتراكات.
ثانيا: تعتمد إذاعة «إن بي أر» (إذاعة عامة) على متبرعين ومؤسسات خيرية.
وفي هذين المثالين، أعتقد أن الحياد والنزاهة يتوفران كثيرا.
«صحافة غرينوولد»
* كتبت الآتي: «يركز كثير من النقاش عن مستقبل الصحف على توفير دخل مالي كاف لها لدفع رواتب الذين يجمعون الأخبار وينشرونها. لكن، في عصر الإنترنت، صار النقاش عن القيم، لا عن الميزانية».. كيف ترى صحافة الإنترنت بعد عشر سنوات؟
- لا أومن بالتنبؤ بالمستقبل. لكن، أتوقع أنه، بعد عشر سنوات، ستكون صحافة الإنترنت متطورة جدا. ومتنوعة جدا. ستكون هذه الصحافة قوية، ونشطة، وهادفة. وستكون فيها آراء ممتازة. ستظل فيها صحف كبيرة مثل «نيويورك تايمز». لكن، في صور تواكب تطور الإنترنت. وستظل تحرص على تقديم أخبار واضحة، وشاملة، وصادقة. أتوقع أن تكون صحافة المستقبل، خاصة في الإنترنت، صحافة آراء قوية، وحرة، ومن كل مكان في العالم.
مثل آراء الصحافي الأميركي غلين غرينوولد التي أقرأها باهتمام كبير. (يكتب غرينوولد في صحيفة «صالون» الأميركية، وصحيفة «غارديان» البريطانية. وهو محام أيضا. ويعيش في البرازيل. وساهم في نشر وثائق إدوارد سنودن، فني التكنولوجيا السابق في وكالة الأمن الوطني، وكاشف أسرارها).
* كتبت الآتي: «سرب الجندي برادلي ماننغ عشرات الآلاف من وثائق الحكومة الأميركية إلى موقع (ويكيليكس)، ونحن نشرنا عنها نقلا عن الموقع. ماذا إذا كان ماننغ جاء إلينا، وأعطانا هذه الوثائق؟ ماذا كان سيحدث لنا؟ ماذا كان سيحدث له؟ وهل معنى هذا أن ماننغ (صحافي حقيقي) بسبب شجاعته؟ وهل ينطبق هذا الوصف على جوليان أسانج (مؤسس موقع «ويكيليكس»)؟ وعلى إدوارد سنودن (الذي سرب وثائق وكالة الأمن الوطني)؟».
- أبدا، لم يقل أي من ماننغ أو سنودن بأنه صحافي. يمكنك أن تسمي كل واحد منهما «مسربا» أو «متمردا». وفي كل الأحوال، كل واحد منهما كان موظفا في مؤسسة غير صحافية، ثم تحدى رؤساءه. لكنه لم يكن صحافيا. حسب تعريفي، الصحافي «آوتسايدر» (يعمل خارج هذه المؤسسات، ويكتب عنها). حسب هذا التعريف، أرى أن غرينوولد، الذي قلت لك قبل قليل إنني أقرأ آراءه باهتمام، صحافي، وصحافي حقيقي. حسب هذا التعريف، أرى أن أسانج، مؤسس «ويكيليكس»، لم يقدر على أن يحدد إذا هو صحافي، أو لا. كتبت أنا مرات كثيرة عنه. ومما قلت، بأنه «آوتسايدر» (خارجي)، ينشر معلومات عن مؤسسات حكومية وغير حكومية. ولهذا، يجب أن يتمتع بنفس الحقوق الدستورية التي يتمتع بها كل صحافي في «نيويورك تايمز».
وردا على نقطة «الشجاعة» التي أثرتها في سؤالك، أقول: إنها هامة بالنسبة للصحافي. وأنا احترم الصحافي الشجاع. لكن، لا أعتقد أن غرينوولد وأسانج أكثر شجاعة من صحافيين كثيرين. ولهذا، لا أعتقد أنهما «صحافيان حقيقيان» أكثر من غيرهما.
* ماذا عن الصحافيين الذين يغطون المظاهرات والإضرابات في القاهرة، وفي كييف؟ وماذا عن الذين يغطون الحروب؟ وماذا عن الذين لا يعرضون أنفسهم لأخطار جسدية، ولكنهم يبحثون ويكشفون معلومات تريد حكومات ومؤسسات ألا تكشف للناس؟
- خلال السنوات التي قضيتها رئيس التحرير التنفيذي في «نيويورك تايمز»، شاهدت زملاء اختطفوا، وزملاء اعتقلوا، وزملاء جرحوا، وزملاء قتلوا. وكانوا كلهم يبحثون عن الحقيقة، ويريدون جمع معلومات جديدة وهامة، لنشرها للناس. أنا أعد هؤلاء «صحافيين حقيقيين».
* كتبت الآتي: «لا أفهم لماذا خفضت المؤسسات الصحافية الرئيسية مكاتبها في الدول الأجنبية في نفس الوقت الذي يزيد فيه، كثيرا، اهتمام الشعوب الأخرى بنا، وبحضارتنا، وبثقافتنا؟ هل سبب هذا التخفيض هو عدم اهتمام الأميركيين بالشعوب الأخرى، إن لم يكن الاستعلاء عليهم؟».
- يوجد جانبان للإجابة على هذا السؤال:
في جانب، يرى كثير من المؤسسات الصحافية أن تأسيس مكاتب صحافية، أو الصرف على صحافيين يتجولون في الخارج، يكلف كثيرا. وأن الأميركيين لا يهتمون بالدول الأخرى والشعوب الأخرى. في الجانب الآخر، ربما ليست التكاليف كثيرة بالمقارنة مع تكاليف أخرى. وثبت فعلا أن الأميركيين يهتمون بالدول الأخرى والشعوب الأخرى. نعم، توجد أسباب تجعل هذا الاهتمام يبدو قليلا، أو معدوما. ومن هذه الأسباب:
أولا: أحيانا، نبدو نحن الأميركيين، وخاصة السياسيين، متعجرفين واستعلائيين.
ثانيا: عبر تاريخنا، عندنا ميول انعزالية. ونميل نحو عدم الاهتمام الكثير بالعالم الخارجي.
لهذا، لا أعرف من هم الأسوأ وسطنا؟ الذين يريدون أن نتدخل عسكريا في الدول الأخرى؟ أو الذين يريدون أن ننعزل عن الدول الأخرى؟
ولهذا، ليس سهلا وصفنا بأوصاف معينة، مثل «أغلي أميركان» (الأميركي القبيح). وليس سهلا القول بأننا استعلائيون ومتعجرفون.
يجب أن ينظر الناس إلى الصورة الكبرى. توجد أعداد كبيرة جدا جدا منا الذين يزورون الدول الأخرى، وهناك يتاجرون، ويستثمرون، ويسيحون، ويتطوعون، ويدرسون، ويدرسون. هؤلاء يقدرون كثيرا علاقاتنا مع الدول الأخرى والشعوب الأخرى.
* كتبت الآتي: «قال لي سلمان رشدي (الروائي البريطاني الهندي) بأن سبب غضب المسلمين على أميركا ليس الدين. لكن، إحساسهم بعقدة النقص، والخجل، والعار. وبأن العالم يتآمر ضدهم. وأنا قلت له بأن السبب هو انتقادات الأميركيين اليمينيين، والخوف من «إسلاموفوبيا». ألا يوجد سبب آخر أهم لغضب المسلمين على أميركا، وهو غزوات أميركا لدول إسلامية، واحتلالها، وضربها، وقتل مسلمين، واعتقالهم، وتعذيبهم، وتفتيشهم، والإساءة لهم؟
- طبعا، هذا رأي صحيح. نحن فعلنا أشياء كثيرة جعلت العالم الإسلامي يغضب علينا، ولا يثق فينا. لا أعتقد أننا، معشر الأميركيين، نفهم جيدا الإهانة التي يحس بها شعب آخر عندما تحتل دولة أجنبية وطنه. ويعود هذا إلى أننا لم نتعرض لاحتلال أجنبي.
لكن، يجب ألا تنسى الآتي:
أولا: أحيانا، تدخلنا للدفاع عن المسلمين، مثلما فعلنا في البوسنة وألبانيا. وأحيانا تدخلنا لتحرير المسلمين، مثلما فعلنا في ليبيا.
ثانيا: كلفنا احتلالنا لدول إسلامية آلافا من أرواح مواطنينا.
ثالثا: يقل كثيرا عدد المسلمين الذين قتلناهم، أو عذبناهم، عن عدد المسلمين الذين قتلهم، أو عذبهم، مسلمون.
* كتبت الآتي عن الرئيس بوش الابن، تحت عنوان: «الله وبوش»: «كلما أسافر إلى الخارج، يسألونني عن إذا الرئيس بوش متطرف ديني..». هل هذا السؤال معقول بسبب إعلان بوش «الحرب ضد الإرهاب»، والتي يرى كثير من المسلمين أنه وجهها ضدهم؟
- نعم. رغم أن الرئيس السابق بوش الابن حاول أن يجعل ما تسمى «الحرب ضد الإرهاب» ليست ضد المسلمين، مثل إشاراته إلى كوريا الشمالية، تظل هذه الحرب تركز كثيرا جدا على المسلمين.
لكن، فكرا تفكيرا عميقا في هذه النقطة. هل لأن بوش كان يريد إعلان «حرب صليبية» ضد المسلمين؟ أو هل لأننا، ومصالحنا، تعرضت لهجمات من مجموعات مقاتلة في الدول الإسلامية؟
* كتبت الآتي: «في السنة الماضية، زرت الحدود السورية التركية. وقابلت مقاتلين سوريين. وقالوا: إنهم سعداء لأن الرئيس أوباما غير رأيه، وقرر إرسال أسلحة خفيفة لهم.. لكن في وقت لاحق، غير أوباما رأيه مرة ثانية، وأوقف إرسال هذه الأسلحة. ثم غير رأيه مرة ثالثة، ولم يعد يطالب برحيل الرئيس السوري بشار الأسد. والآن، يتحدث عن سياسة جديدة». ألا يتحمل أوباما مسؤولية كبيرة في تراجع الثورة السورية؟
- أعتقد أن الرئيس أوباما أضاع فرصة هامة لمساعدة الثورة في سوريا. وأعتقد أنه كان يقدر على أن يفعل ذلك بمخاطر قليلة، وبحجج معقولة.
لكن، وبأغلبية كبيرة جدا، كان الرأي العام الأميركي ضد التدخل في سوريا. ويعود ذلك إلى سببين:
أولا: تعب الأميركيين من حرب العراق وحرب أفغانستان.
ثانيا: ركز أوباما في حملته الانتخابية على تقليص التدخلات العسكرية في الخارج.

* كتبت الآتي: «يظل الرئيس أوباما يتحاشى الحديث المباشر عن التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة. وهذه محمدة له...».
لكن، ينتقد كثير من القادة السود أوباما، ويقولون: إنه يجامل البيض، ولا يعرف إبعاد «القوة البيضاء» التي تسيطر على كل شيء، سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وعرقيا.
- لا يوجد شك في أن العنصرية من الأسباب التي تجعل بعض البيض يعارضون أوباما. أحيانا، تكون هذه العنصرية علنية، وأحيانا تكون مخفية. وفي كل الأحوال، هي حقيقة.
لكن، لا تنس أن عدد البيض وسط سكان الولايات المتحدة ينخفض تدريجيا. انخفض من 80 في المائة في عام 1980 إلى 63 في المائة في العام الماضي. ويتوقع أن يكون البيض أقلية بعد 30 عاما.
لهذا، أي حديث عن «القوة البيضاء» يجب أن يضع في الاعتبار أنها تقل سريعا.
وعلى أي حال، في انتخابات عام 2008، وفي انتخابات عام 2012. صوتت أغلبية البيض ضد أوباما، لكنه فاز في المرتين.
* كتبت الآتي: «خلال جولة سياحية عائلية في أوروبا، انتقدتني بنتي الشابة بأنني أقودهم لزيارة كنائس وكاتدرائيات، رغم أني لست متدينا. وأجبتها بأن هذه جزء من التاريخ. وجزء من تاريخي، رغم أني فقدت الإيمان بما تعني..».
لماذا فقدت إيمانك؟ ما هو الفرق بين التاريخ والدين؟ ألا يجب أن يكون الإيمان هو أساس هوية الشخص؟ هل أنت، مع كل الاحترام، مثال للغربيين الذين ابتعدوا عن الدين؟
- أومن بأن المشكلة ليست غياب الدين، أو انخفاض الإيمان به، أو الانتماء إليه، ولكن المبالغة فيه. انظر إلى حرص كثير من الطوائف الدينية على فرض أديانها على غيرها. وانظر إلى تاريخ الحروب، منذ الحروب الصليبية إلى هجمات 11 سبتمبر (أيلول). لقد ارتكبت كثير من الكوارث باسم الدين.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».