إبراهيم عبد المجيد يختزل تجربته الإبداعية في «ما وراء الكتابة»

يتسلم اليوم جائزة الشيخ زايد للآداب

إبراهيم عبد المجيد   -   غلاف الكتاب
إبراهيم عبد المجيد - غلاف الكتاب
TT

إبراهيم عبد المجيد يختزل تجربته الإبداعية في «ما وراء الكتابة»

إبراهيم عبد المجيد   -   غلاف الكتاب
إبراهيم عبد المجيد - غلاف الكتاب

قليلة هي الكتابات التي يكشف فيها الروائيون عن ملابسات كتاباتهم للروايات وصراعهم مع الأفكار أو انطباعاتهم عنها، ولعل أشهر الكتب في هذا المجال ما كتبه الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن تجربته الإبداعية في كتابيه «آليات الكتابة السردية»، و«اعترافات روائي ناشئ»، إلا أن كتاب الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد «ما وراء الكتابة: تجربتي مع الإبداع»، وهو من إصدارات الدار المصرية اللبنانية لعام 2014، يُعتبر من التجارب القليلة التي يبوح فيها كاتب عربي بخبايا وطقوس وملابسات كتابته لأعماله الروائية كاملة، وهو الكتاب الذي فاز عنه عبد المجيد بجائزة الشيخ زايد للآداب، التي يتسلمها اليوم (الأحد).
وجاء في حيثيات الجائزة: «سيرة تتناول بالعرض التحليلي الملابسات التي شكلت أعمال إبراهيم عبد المجيد الروائية، والكتاب يعرض لهذه الأبعاد التي تبيّن الجذور الواقعية الأولى لهذه الأعمال الروائية، وتكشف العلاقة بين الواقع والمتخيّل، وهو شهادة إبداعية موسَّعة عابرة للأجناس الأدبية، تعبر عن الحوارية والتعددية التي تستمد جماليتها من مختلف الأجناس».
وكانت في مصر تجربة مماثلة في سبعينات القرن الماضي للروائي فتحي أبو الفضل، في كتابه «رحلتي مع الرواية» الصادر ضمن سلسلة «كتابك» عن دار المعارف، وضع فيها حصاد تجربته مع الإبداع منذ عام 1938.
«ما وراء الكتابة» الواقع في 334 ورقة من القطع المتوسط، يجسد لنا بالتفصيل الحالات الروحية التي مر بها الكاتب من مرحلة تخيل الرواية إلى المجهود العقلي الذي يبذله، وهو يعيش حالة انفصال عن عالمنا الواقعي، منهمكًا في حالته الروائية. وهو يوضح كيف تنعكس فترة كتابة الرواية على معاني النص وطبيعة اللغة، ويتطرق لقراءاته الأدبية في تلك الفترة وكيف تفاعل وجدانيا وأدبيا مع ما عاشه من أحداث سياسية أو موجات أدبية، وبهذا يضعنا عبد المجيد في حالة توحد مع نصوصه، وكأنها رواية داخل الرواية، أو توثيق لذاكرة رواياته.
يناقش عبد تجربته الروائية، بعد أن وصل إلى مرحلة الرضا عن ماضيه الأدبي، كما يستعرض ذاكرته الروائية والتقنيات التي استعان بها في رواياته، فهي تارة استحضار الزمن، وتارة الاستعانة بالوثائق وأرشيف الصحف، ويقص كيف خاض تجربة جديدة بالكتابة عن الواقع الافتراضي «في كل أسبوع يوم جمعة». نقرأ أيضًا صفحات عن مصارعته نفسه أثناء عملية خلق الشخصيات والأبطال، وأثر ذلك على الكاتب نفسه.. كيف يتألم ويدمن على مسكنات الألم. ويعرفنا في رحلته على كيفية استلهام أسماء قصصه ورواياته، وعلى عالمه المغموس بروح الإسكندرية على مدى 35 سنة.
وبطريقة مبسطة كما هي كتاباته، تحدث المؤلف عن المغزى من تأليفه هذا الكتاب: «كنت كتبت هذا الكتاب أول مرة بعد أن صدرت روايتي (طيور العنبر) عام 2000، وكنت أشعر أنه بروفة لكتاب أكثر تفصيلا، ولم أكن أيضًا أصدرت الروايات التالية لطيور العنبر. كما لم أكتب أيضًا عن كل الروايات الصادرة قبلها.. أردت فقط وقتها أن أقدم للحياة الأدبية فكرة جديدة، ليست هي بالمذكرات ولا السيرة الشخصية للكاتب، أكثر مما هي سيرة للكتابة نفسها وللكاتب معها».
قُسم الكتاب إلى أربعة أقسام، القسم الأول عن الروايات الأربع الأولى في مسيرة عبد المجيد السردية، وهي: «المسافات»، «الصياد واليمام»، «ليلة العشق والدم»، «بيت الياسمين».. نتعرف هنا على تكوين عبد المجيد الثقافي وميوله السياسية ومشاركته في المظاهرات الطلابية، بل ونلمس كيف تبدلت قراءاته وجمعت بين الفلسفة والتصوف والماركسية والشعر والأدب الغربي والعربي «كنت انتهيت من قراءة رواية (ليس في رصيف الأزهار من يجيب) للكاتب الجزائري مالك حداد. وظللت لأيام لا أرى العالم من حولي. ظللت غائبا في سحرها. رواية صغيرة لكنها عظيمة تركت في نفسي رغبة عارمة في الكتابة وإعادة صياغة العالم» (ص73). ويستكمل كواليس رواية «بيت الياسمين»: «وبينما أجلس في مقهى ريش جاءتني فكرة أن أقدم لكل فصل بحكاية خرافية أو عجائبية، ليس مهما أن يكون لها علاقة بالفصل نفسه. لكنها تثير أسئلة القارئ عن العلاقة وتتسع الرؤية لأكثر من تفسير».
في القسم الثاني «الكتابة عن الإسكندرية»، يأخذنا عبد المجيد لأسرار كتابته عن معشوقته الإسكندرية، فجاءت كواليس ما وراء ثلاثيته الشهيرة: «لا أحد ينام في الإسكندرية»، و«طيور العنبر»، «الإسكندرية في غيمة»، وكأنها قصيدة نثرية من فرط ما تثيره من حنين الكاتب لمدينته، وما يفعله عشق المكان بالعاشق.. «ليست الكتابة عن الإسكندرية بالأمر السهل، فهي ليست مجرد مدينة ممتدة تتحرك فيها الشخصيات، بقدر ما هي حالة وجودية ليس أولها الحزن وليس آخرها الثورة! إنها بلورة سحرية تعطيك من كل ناحية عشرات الصور» (ص86 - 87).
ويفسر عبد المجيد أثر الإسكندرية في أدب نجيب محفوظ وكيف دفعته للتجديد، ويمد الحديث عن إدوارد الخراط وروبير سوليه وهاري تزالاس وتسيركاس من بعد حديثه عن داريل وكفافيس وفورستر، قائلا: «أن تكون حرا وتعيد بناء العالم على هواك.. سمة أخرى مما نسميه السكندرية» (ص88).
وعن أجواء «لا أحد ينام في الإسكندرية»: «كنت أعرف أنني سأكتب رواية مختلفة. وسأجد نفسي في قلب التسامح الذي شكل حياة البشر في المدينة عبر التاريخ. وتحت الموت والدمار أيضا. لكن هذه المعرفة بتاريخ المدينة التي كانت باعثا على الكتابة كما كانت الذكريات لا تغني عن محاولة الذهاب إلى هناك إلى زمان الرواية نفسه ومكانها إلى عام 1939 حين بدأت الحرب العالمية وحتى نهاية 1942، حين انهزمت جيوش المحور في العلمين وانسحبت من أفريقيا كلها.. الحياة اليومية هي حياة الرواية.. وبدأت رحلتي مع الصحف وبالذات صحيفة (الأهرام).. قرأتها يوما بيوم منذ 1939 حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1942.. كان انشغالي بالأحداث الكبرى أجل، وبالأشياء الصغرى والعادية بل والغريبة. وهكذا رحت أدون ما أراه مناسبا للرواية من وقائع سياسية وحربية والأهم هو الحياة اليومية للمصريين عامة والإسكندريين خاصة» (ص110 - 111).
ويأتي القسم الثالث ليتناول روايات «ما وراء برج العذراء»، «عتبات البهجة»، «في كل أسبوع يوم جمعة»، وعن رواية عتبات البهجة التي دارت أحداثها في القاهرة، يقول: «أعجب ما في هذه الرواية أنني بعد أن تقدمت في كتابتها في المرة الثانية وجدت نفسي أقفز على فصلين لا أكتبهما، وأنتقل للفصل التالي لكل منهما. إذن صرت على يقين أنني سأكتبها وتكتبني» (ص259).
«كانت الرواية كلها تقريبا مواقف لا يصل البطل إلى نهايتها. تنتهي على عكس ما أراد وبسرعة.كل شيء. الحب والجنس. وغيرها» (ص263). وعن اختيار عنوان «في كل أسبوع يوم جمعة}، يقول: «لأن يوم الجمعة في التراث العربي يوم صعب. هو يوم قتل المسيح. ويقال إنه يوم قتل الحسين ويوم خلق آدم، يوم خروج آدم من الجنة، وفيه تقوم الساعة.. هو يوم النهايات والبدايات ويقال في الأدب الشعبي المصري إن به ساعة نحس!» (ص275).
وتحت عنوان «هنا القاهرة.. أخيرا أحببتها»، تحدث فيه صاحب «البلدة الأخرى» عن مدينة القاهرة التي تركها تنجرف بين وجدانه بصخبها وكان يتناسى أنه كتب عنها، ويقول عن أجواء رواية «هنا القاهرة» التي تأثر خلالها بثورة يناير (كانون الثاني) 2011: «لم أجد مشكلة أن تكون الرواية بضمير المتكلم. بل ربما جعلها ضمير المتكلم أكثر حميمية لي أثناء الكتابة. لكن كعادتي وحبي الكبير صارت الغرائب هي الحقائق. كنت أبحث عن غرائب تفوق ما عشناه، ومن ثم تسللت مع شخصيات الرواية أحداث لم نعشها ومواقف لم تحدث لنا» (ص287).
أما القسم الرابع والأخير، فيجيب فيه عن تساؤل ربما قفز إلى ذهن القارئ على مر صفحات الكتاب: هل يختلف ما وراء القصص القصيرة عن الرواية؟ فيجيب: «من المؤكد أنه يختلف فهو من البداية يحدد نفسه في قالب القصة القصيرة. إحساس عميق حقًا، وقد يكون أعمق في إلحاحه على الروح، لكنه كما يأتي يخرج بنفس السرعة. المسافة الزمنية بين ميلاده في الروح وبعثه على الورق أقل مما يحدث في الرواية طبعا. هذه تمشي معك حلما وكتابة لسنوات وسنوات» (ص309). تنوعت قصص عبد المجيد منذ أن كان عضوا في الحزب الشيوعي فكتب «الرغبة في الاختفاء»، و«حامل كتاب السحر» و«الطريق والنهر»، وفي باريس كتب «ليلة أنجيلا»، و«حكاية تيري»، ثم «الضربة القوية» وغيرها. وهو يعترف أيضًا بأنه كان على وشك كتابة أحلامه لكن سبقه إلى الفكرة نجيب محفوظ، وكان قد نشر ثلاثة منها فقط.
* ولد إبراهيم عبد المجيد في 2 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1946م بمدينة الإسكندرية، وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1973، ورحل في العام نفسه إلى القاهرة ليعمل في وزارة الثقافة، حيث تولى عددًا من المناصب الثقافية.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي