نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

هدفها الرئيسي خلق مزيد من «الفوضى الخلاقة» في شمال أفريقيا

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»
TT

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

عقب التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في مخيمات جبهة «البوليساريو» بتندوف (جنوب غربي الجزائر) مطلع شهر مارس (آذار) الماضي، وعبر فيها عن «تفهّمه لغضب الشعب الصحراوي بسبب احتلال أراضيه»، وأثارت غضب المغرب، تساءل محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب الأسبق في تصريحات صحافية «من يقف وراء الرجل، الذي لا يتصرف إلا وفق توجيهات معينة، وذلك منذ توليه الأمانة العامة للأمم المتحدة؟».
واستبعد بن عيسى، الذي كان أيضًا سفيرًا للمغرب في واشنطن أيام الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون (1993 - 1999)، أن تكون تصريحات بان مجرد «فلتة لسان» أو «رد فعل» على طلب الرباط تأجيل زيارته للمنطقة إلى وقت لاحق، وهي الزيارة التي قام بها بداية مارس الماضي، وشملت موريتانيا والجزائر ومخيمات «البوليساريو»، بل رأى أن لكلام الأمين العام الأممي «خلفيات أعمق على الرباط أن تستعد لها». وحمل تساؤل بن عيسى – آنذاك - رسالة واضحة مفادها «فتش عن أميركا!».
سرعان ما كشف الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي الملك محمد السادس في القمة الخليجية - المغربية في العاصمة السعودية الرياض يوم الأربعاء 20 أبريل (نيسان) الحالي، عن أحدث تطورات نزاع الصحراء، عما سماه «ازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف»، في إشارة واضحة إلى واشنطن.
وذهب ملك المغرب بعيدًا حينما قال لقادة دول الخليج بأن «الأمر بلغ إلى شن حرب بالوكالة باستعمال الأمين العام للأمم المتحدة كوسيلة لمحاولة المسّ بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه، من خلال تصريحاته المنحازة، وتصرّفاته غير المقبولة بشأن الصحراء المغربية».
و«إن المشكلة تبقى مطروحة مع المسؤولين بالإدارات التي تتغير بشكل مستمر، في بعض هذه الدول». وهو كلام عده المراقبون تلميحًا لإدارة الرئيس باراك أوباما الذي شهدت العلاقات المغربية - الأميركية في عهده توترًا غير مسبوق.
في سياق ذلك، أوضح العاهل المغربي أنه «مع كل تغيير (في الإدارة الأميركية) يجب بذل الكثير من الجهود لتعريفهم بكل أبعاد ملف الصحراء المغربية، وبخلفياته الحقيقية، وتذكيرهم بأن هذا النزاع، الذي دام أزيد من أربعين سنة خلف الكثير من الضحايا، وتكاليف مادية كبيرة، وبأن قضية الصحراء قضية كل المغاربة، وليست قضية القصر الملكي لوحده». ومضى قائلا لحلفائه الخليجيين «المخططات العدوانية التي تستهدف المس باستقرارنا متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب».
وتابع محمد السادس «هذا ليس جديدًا. فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة، في مناوراتهم المكشوفة.. ويحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن وجود المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها». وخلص إلى القول إنه «مع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل - الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء - فزّاعة ترفع أمام المغرب، وأداة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، ولابتزازه أحيانا أخرى».
* قصة «فزاعة أبريل»
في أبريل 2013 قدمت واشنطن لمجلس الأمن الدولي مقترح قرار يدعو لتوسيع صلاحيات بعثة «مينورسو» في الصحراء لتشمل وضعية حقوق الإنسان فيها. وردّ المغرب، مستاءً، بإلغاء المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع الولايات المتحدة المعروفة باسم «الأسد الأفريقي» التي جرت العادة على تنظيمها في الجنوب المغربي.
بعض الجهات في واشنطن لمحت إلى أن مسودة المقترح الأميركي «ليست قرارًا استراتيجيًا» انطلق من البيت الأبيض أو البنتاغون أو حتى الخارجية، ووصفته بأنه «خطوة منعزلة» من سوزان رايس، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة آنذاك ومستشارة الأمن القومي حاليًا، التي تربطها علاقة صداقة متينة بكيري كيندي رئيسة «مركز روبرت كيندي للعدالة وحقوق الإنسان»، المتعاطفة مع أطروحة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر، والداعية إلى انفصال الصحراء عن المغرب. لكن مصادر أخرى رأت أن ما حدث يجسّد حالة انقسام في الإدارة الأميركية إزاء نزاع الصحراء، مشيرة إلى أن وزير الدفاع – آنذاك - تشاك هيغل استاء من خطوة رايس. بل إن أوساطا كثيرة في واشنطن مطلعة على ملف نزاع الصحراء قالت حينذاك «إن ثمة استياءً في واشنطن إزاء مشروع القرار الأميركي لا سيما أن رايس لم تأخذ الضوء الأخضر من البيت الأبيض، وأن جون كيري وزير الخارجية لم يكن أيضا على علم بخطوتها». وهذا مع العلم أن كيري كان وقّع قبل سنوات من توليه حقيبة الخارجية الأميركية عريضة تطالب بإجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء بيد أن موقعه الآن كمسؤول في الإدارة يفرض عليه التحفظ. وبالتالي، استبعدت الأوساط ذاتها أن تكون لكيري أي علاقة بخطوة رايس، معتبرة أنها كانت مستقلة تمامًا عن القرار الاستراتيجي الأميركي، وأنها «مجرد سوء فهم وانعدام تنسيق» بين دواليب الإدارة الأميركية.
في حينه دارت عجلة الدبلوماسية المغربية بسرعة. وحسب معلومة حصلت عليها «الشرق الأوسط» فإن المغرب عندما علم بخطوة رايس سأل واشنطن رسميًا «هل ما جرى في الأمم المتحدة خطوة تمثل الإدارة الأميركية أم أنها مجرد خطوة منفردة؟». وجاء الجواب أن مشروع القرار الذي اقترحته رايس سيعاد النظر فيه، وأن المغرب سيظل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وأن الموقف الرسمي الأميركي يدعم مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب سنة 2007. التي سبق لمجلس الأمن أن وصفها بأنها «ذات مصداقية وجدّية».
وبالفعل تراجعت واشنطن عن مشروع قرارها، وخرجت العلاقات المغربية - الأميركية من عنق الزجاجة، لكن نار رماد المقترح الأميركي لم تنطفئ تمامًا. ثم جاءت القمة الأميركية - المغربية في واشنطن يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 محاولة إصلاح الكسر الذي طال مرآة العلاقات بين البلدين. وسمع ملك المغرب في البيت الأبيض من الرئيس أوباما إشادة كبيرة بالعلاقات الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وثناء على ريادته في تعزيز الديمقراطية ببلده ودفعه بالتقدم الاقتصادي والتنمية البشرية خلال العقد الأخير.
رغم ذلك لم تختف «الفزاعة»، وما أن حل أبريل 2014 حتى أجرى الملك محمد السادس اتصالا هاتفيا بالأمين العام للأمم المتحدة قيل في البداية إنه يدخل ضمن الاتصالات والمشاورات الدائمة بين العاهل المغربي والأمين العام، لكنه في الحقيقة كان اتصالا من أجل وضع النقاط على الحروف، وضبط تجاوزات رصدتها الرباط في التقرير السنوي للأمين العام حول قضية الصحراء، والتنبيه إلى زلات محتملة يمكن أن تكون كارثية على مسار القضية فتقوض جهود الأمم المتحدة الهادفة إلى إيجاد حل سياسي مقبول من أطراف النزاع. وقال بيان صدر عن الديوان الملكي المغربي يوم 12 أبريل 2014 إن ملك المغرب أثار انتباه بان كي مون إلى ضرورة الاحتفاظ بمعايير التفاوض كما جرى تحديدها من طرف مجلس الأمن، والحفاظ على الإطارات والآليات الحالية لانخراط منظمة الأمم المتحدة، وتجنب المقاربات المنحازة والخيارات المحفوفة بالمخاطر.
ولعل ما أثار حفيظة المغرب إزاء مشروع تقرير أبريل 2014 أنه عد نزاع الصحراء «قضية تصفية استعمار» من منظور مجلس الأمن، بينما ترى الرباط أن مهمة مجلس الأمن ليست تصفية الاستعمار بل تصفية النزاعات الإقليمية التي تؤثر على الأمن والسلم العالميين، وأعطت مثالا على ذلك قضيتي تصفية الاستعمار في جزر الفولكلاندز وجبل طارق غير المطروحتين على مجلس الأمن. كذلك انتقدت الرباط تقرير الأمين العام لقوله: إنه إذا لم يحصل تقدم لجهة إيجاد حل لنزاع الصحراء في غضون عام 2015، فإن المجلس سيكون مطالبا بإيجاد تصوّر آخر بشأن ذلك. وقال مصدر مغربي مسؤول آنذاك لـ«الشرق الأوسط» إن هذا المعطى المتضمن في التقرير يطرح عدة تساؤلات من بينها أن الأمين العام ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس تحدثا عن «مقاربة جديدة للتعاطي مع الملف» من ضمنها الزيارات المكوكية التي أعلن عنها روس، بيد أنهما لم يعبدا الطريق لهذه المقاربة حتى تطبق على أرض الواقع، بل حكم عليها بالوأد قبل ولادتها.
ويومها طرحت الرباط سؤالاً هو «ما طبيعة التقدم المنتظر بشأن ملف نزاع الصحراء في عام 2015، وذلك في سياق الظروف التي كانت وما زالت تعيشها الجزائر؟»، في تلميح لمرض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والانتخابات الرئاسية التي كانت آنذاك على الأبواب. وعدت أجل 2015 بأنه مقاربة غير ذات موضوع وغير واقعية نظرًا لكونها لا تأخذ الواقع الحالي للمنطقة بعين الاعتبار. وتوقف المراقبون آنذاك عند نقطة أساسية تتعلق بأسس التفاوض، قالوا: إنها ليست بيد الأمين العام بل بيد مجلس الأمن نظرًا لكونه هو من قرر في 2007 إطلاق المسلسل السياسي التفاوضي الحالي. وأشاروا إلى أن لدى المغرب حرصًا شديدًا على المحافظة على هذا المسلسل الهادف إلى تحقيق تسوية سلمية للنزاع، وأن الرباط إذا لاحظت وجود بعض «الانزلاقات والمخاطر التي تهدد هذا المسلسل» ستثير الانتباه لذلك. وبعدها ساد اعتقاد في العاصمة المغربية أن الأمانة العامة للأمم المتحدة لا يمكن لها أن تتعامل باستخفاف مع هذا المسلسل وتمضي من خلال ذلك إلى المجهول، ولكن بمرور الأيام ثبت أنها مضت في ذلك بلا تردد.
* مطلوب تعامل مسؤول
رأى المغرب آنذاك أن الظرف الأمني والتهديدات التي تعرفها المنطقة تتطلب تعاملاً مسؤولاً ورصينا مع هذه الأمور. كما تتطلب مشاورات وتفكيرًا قبل الإقدام على أي خطوة قد تزيد في إضعاف السياق الإقليمي الذي يعاني أصلا من الضعف. وقال مصدر مسؤول مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن الاتصال الهاتفي الذي أجراه الملك محمد السادس يوم السبت 12 أبريل 2014 مع بان جاء من منطلق المسؤولية نظرًا لأنه «إذا كان هناك طرف استثمر في المسلسل السياسي التفاوضي لحل نزاع الصحراء فهو المغرب». وشدد على أنه «ليس صدفة أن انطلاق المسلسل تصادف مع إطلاق الرباط مبادرة الحكم الذاتي الموسع في الصحراء، وبالتالي فإن المغرب إذا لاحظ بعض الانزلاقات والمخاطر التي تهدد المسلسل السياسي، سيثير الانتباه إلى ذلك». وهو ما جرى أيضا في المكالمة الهاتفية بين الملك محمد السادس وبان يوم 12 أغسطس (آب) 2012. إلى جانب رسائل كتابية. وخلص المصدر المسؤول إلى أن «ثمة انزلاقات تضمنها تقرير الأمين العام كان ضروريًا إثارة الانتباه إليها وتوضيحها»، وأن الملك محمد السادس تحدث في اتصاله الهاتفي مع بان بكل صراحة، ولمح إلى إمكانيات إنهاء مهام بعثة الأمم المتحدة «مينورسو» فوق التراب المغربي ما لم تصحح تلك الانزلاقات: «نظرا لأن (مينورسو) استنفدت المهام التي قامت من أجلها أي الإشراف على وقف إطلاق النار، والإشراف على عملية تحديد هوية من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء بالصحراء، وهي عملية وصلت إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل منذ زمن مضى».
واستطاع المغرب أن يتجاوز أيضا «فزاعة أبريل» 2014. ذلك أن قرار مجلس الأمن راعى التحفظات التي أبداها الملك محمد السادس خلال مكالمته الهاتفية مع بان كي مون. ومرت الأيام، وفي يوم 22 يناير (كانون الثاني) 2015. أبلغ بان العاهل المغربي في اتصال هاتفي أن «مينورسو» ستواصل عملها في احترام تام لمهمتها الحالية. وقال بان، وفق بيان للديوان الملكي المغربي آنذاك: «إنه أخذ، كما ينبغي، تعاليق وملاحظات المغرب (بشأن مهمة مينورسو)، وأعطى ضمانات بخصوص حيادية وموضوعية نزاهة مسؤولي الأمم المتحدة المكلفين تسيير المهمة الأممية». وذكر البيان أنه على أساس التوضيحات المعبر عنها والضمانات المقدمة، أكد الملك محمد السادس للأمين العام التزام الرباط بدعم عملية التسهيل التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام (الأميركي كريستوفر روس)، وتعاونهما مع المسؤولين المعينين لهذا الغرض من طرف الأمين العام. وإثر ذلك، استأنف روس مهامه بزيارة المنطقة ابتداء من 11 فبراير (شباط) 2015، بعدما كان المغرب قد سحب ثقته منه في 17 مايو (أيار) 2012، عقب استنتاج الحكومة المغربية مفارقات في تصرفاته «تتمثل في تراجعه عن المحددات التفاوضية التي سطرتها قرارات مجلس الأمن، وسلوكه أسلوبًا غير متوازن ومنحازا في حالات كثيرة».
وكان وزير الخارجية المغربي آنذاك سعد الدين العثماني قد أبلغ باريس وواشنطن انزعاج بلاده من روس، وعبر للأمين العام عن «هواجس الرباط»، بخصوص تحدث آخر تقرير لروس عن «خروقات اقترفها المغرب في حق بعثة تنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية». إذ ورد في تقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء في 17 أبريل 2012، قدّم إلى مجلس الأمن، أن اتصالات بعثة الأمم المتحدة مع مقر الأمم المتحدة في الصحراء الغربية قد «اخترقت»، وأضاف أن «عوامل كثيرة قوضت قدرة البعثة على مراقبة الوضع ونقل تقارير ثابتة عنه». وكان روس اتهم المغرب بوضع العراقيل في طريق المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين «البوليساريو» والمغرب عام 1991 و«التجسس» على بعثة الأمم المتحدة.
وهكذا، مرّت فزاعة أبريل 2015، ولكن لترتفع حدتها في أبريل 2016 بسبب زيارة بان كي مون للمنطقة وأدائه دوره كما اتفق. واليوم، ثمة قناعة في الرباط أن قرار بان زيارة المنطقة في الوقت الذي حدّده لها، مستثنيا المغرب، ليس اعتباطيًا. كما أن الكلمات التي اختارها في تصريحاته هي كلمات من الماضي تجاوزتها قضية الصحراء.
وجاء مشروع القرار الأخير الذي اقترحته واشنطن على مجلس الأمن، مطالبة فيه بعودة أنشطة بعثة «مينورسو» بشكل كامل بعدما تعطلت نتيجة طرد المغرب موظفيها المدنيين، وإمهال الرباط والمنظمة الدولية أربعة أشهر للاتفاق على هذا الأمر، ليؤكد أن «فزاعة أبريل» المستعملة ضد المغرب «فزاعة أميركية» 100 في المائة، وأن تحركات بان - كما ترى الرباط - تدخل ضمن دور الكومبارس الذي يقوم به خدمة لأجندة واشنطن، التي قال العاهل المغربي في قمة الرياض إنها تروم «استهداف أمننا الجماعي.. والمسّ بما تبقى من بلداننا التي استطاعت الحفاظ على استقرارها وأنظمتها، وأقصد هنا دول الخليج والمغرب والأردن التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها». وهذا قبل أن يضيف «إننا نواجه الأخطار والتهديدات نفسها على اختلاف مصادرها، فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا بل هو واحد لا يتجزأ».
يذكر أنه سبق للملك محمد السادس أن وجه انتقادات حادة للأمم المتحدة والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، في خطاب ألقاه يوم 6 نوفمبر 2014، بمناسبة الذكرى الـ39 لـ«المسيرة الخضراء السلمية» التي استرجع المغرب بواسطتها الصحراء التي كانت تحتلها إسبانيا، وطالبها بموقف واضح من نزاع الصحراء. وقال: «في الوقت الذي يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب، فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض مع قضية وحدته الترابية». وأكد أن مبادرة الحكم الذاتي هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده في هذا الشأن، في إشارة إلى محاولات خلفها عدة أطراف تسعى لإقصاء الحل السياسي المقترح من قبل المغرب، وهو ما تأكد اليوم مع ظهور المقترح الأميركي الجديد.
هل سيظهر غدًا في واشنطن من سيقول: إن المقترح الأميركي أيضا «خطوة منعزلة» لسامانتا باور، المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، ولا تدخل ضمن الاستراتيجية الرسمية الأميركية، كحال خطوة سوزان رايس التي قدمت عام 2013 مشروع قرار يهدف إلى توسيع مهام «مينورسو» لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.
المشروع الأميركي الأخير أدى إلى انقسام في مجلس الأمن إذ أعربت فرنسا وإسبانيا عن رفضهما القاطع له. واعتبرت باريس أن المبادرة الأميركية قد تؤجج – في حال تبنيها – الصراع في منطقتي الساحل والصحراء. وعليه، عملت باريس ومدريد وداكار (سلطات السنغال) على تعديل مشروع القرار الأميركي وتخفيف حدته، احترامًا للمغرب، لا سيما أن الرباط أعلنت أن قرارها القاضي بطرد العناصر المدنية في بعثة «ينورسو» قرار سيادي لا رجعة فيه.
ولكن كيفما كان قرار مجلس الأمن (كان منتظرًا أن يصدر مساء أمس الجمعة)، يرى مراقبون في الرباط أنه آن الأوان لوضع حد لهذه «الفزاعة الأميركية» التي غدت «مسرحية مملة» لكثرة تكرارها. وهم يرون أن هدفها الرئيسي خلق مزيد من «الفوضى الخلاّقة» التي بشرت بها قبل سنوات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، وزعزعة استقرار منطقة شمال أفريقيا، التي تعرف تدهورًا أمنيًا وتوترات متنوعة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.