سليم إدريس.. رئيس أركان «الجيش السوري الحر» يروي لـ«الشرق الأوسط» قصة انشقاقه

التقى مع مهربيه تحت صورة لبشار الأسد.. والخوف الأكبر كان على بناته

سليم إدريس.. رئيس أركان «الجيش السوري الحر» يروي لـ«الشرق الأوسط» قصة انشقاقه
TT

سليم إدريس.. رئيس أركان «الجيش السوري الحر» يروي لـ«الشرق الأوسط» قصة انشقاقه

سليم إدريس.. رئيس أركان «الجيش السوري الحر» يروي لـ«الشرق الأوسط» قصة انشقاقه

تحدث رئيس أركان «الجيش السوري الحر» اللواء سليم إدريس للمرة الأولى عن قراره وملابسات انشقاقه الذي تأخر بعض الشيء عن زملائه في العمل المسلح نتيجة ظروف قال إنها كانت تمنعه من ذلك أبرزها الخطر الذي يهدد كل عائلته. عندما أصبح إدريس يخجل من ارتداء البزة العسكرية المزينة بالشارات والأوسمة «لأن الجيش يقتل الشعب» اتخذ قرار الانشقاق وانتظر التوقيت المناسب. في هذا الحوار يتحدث إدريس عن لحظات صعبة عاشها مع أفراد عائلته لدى تنفيذ عملية الانشقاق، أصابعه كانت على الزناد وكذلك أصابع ابنيه ومرافقيه.. وكانت تعليماته لهم: القتال حتى الموت خوفا على عائلته من مصير بشع، خصوصا البنات.
تأخر انشقاق إدريس حتى 20 أغسطس (آب) 2012 لأسباب «لوجيستية» وأمنية، لكنه يؤكد أن هذا القرار كان متخذا منذ اللحظات الأولى بسبب ما قال إنه ممارسات النظام التي عاينها في قريته الصغيرة، المباركية التي دمرت عن بكرة أبيها. إدريس الذي كان في الجيش السوري برتبة عميد - دكتور مهندس في أكاديمية الهندسة العسكرية في حلب، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «أنا من مدينة حمص، من قرية صغيرة شرق بحيرة قطينة، قريبة من القصير. كان أهلي في القرية من أوائل من كانوا يذهبون للتظاهر في باب عمر، نفذت مجزرة من قبل النظام في حق هؤلاء، وخسرنا شهداء في هذا الاعتصام ثم سقط لنا شهداء في باب عمر، ثم داهم النظام قريتنا وقتل أربعة أشخاص من بينهم عقيد متقاعد، من دون سؤال أو جواب. وأخذ 70 رجلا (نحن من قرية صغيرة جدا، تقريبا من عائلة واحدة) بعد أن أهانوا كرامتهم، إلى المعتقلات وبعضهم لا يزال حتى الآن لا نعلم أين هو، والبعض أعيد مقتولا، ثم أحرقوا القرية بعد أن سرقوها».
برر إدريس حرق قريته لمن يسأله عما حدث بأن «الإرهابيين دمروها»، مبررا ذلك بالقول: «أنا كنت في النظام، هل يعتقد أحد أنه يمكنني أن أقول ماذا حصل؟ كانوا يعرفون أني من القرية ويسألونني ماذا حصل؟ كان جوابي أن هناك جماعة إرهابية جاءت ودمرت المباركية». ويضيف: «إذا كان جوابك غير ذلك، تذبح أنت وعائلتك. طبعا منذ أن بدأ النظام بإطلاق نار على المواطنين كنا نقوم ببعض النقاشات مع بعض الإخوة الضباط الموجودين هناك، وكانت آراؤنا جميعا أن هذا النظام مجرم، سيزج الجيش ضد الشعب وأن ما سيجري في سوريا سيكون مغايرا تماما لما جرى في تونس ومصر، وأن عندنا مأساة لأن العلويين يسيطرون على الجيش. 95 في المائة من ضباط الجيش علويون، وفي الفترة الأخيرة أصبحت نفسياتهم لا توصف، عدوانية هائلة جدا. فطبعا قررت ألا أبقى في هذا الجيش، لكن يجب أن أختار الفرصة المناسبة لأن لدي عائلة وبناتي في الجامعة وإخوة وعائلاتهم، يجب تأمينهم قبل أن أخرج. أمنت العائلة والأقارب على قدر المستطاع، بعضهم داخل سوريا».
قرار الانشقاق كان متخذا منذ وقت طويل، كما يؤكد إدريس، لكن ثمة ما حصل وجعله يقرب الموعد. يقول: «في أحد الأيام، بعد انتهاء الدوام الرسمي عدت إلى البيت، رغم أني لم أكن مقررا من قبل أن هذا اليوم هو الذي سأخرج به، وكنت متفقا أنا وزوجتي على توقيت محدد، والأولاد لا يعرفون أننا سنخرج. عندما ذهبت إلى البيت رأيت الجميع يبكي، فزوجتي أخوها اعتقل منذ عام من دون ذنب وهو وحيد. وعندي أربع عائلات في البيت كانت نازحة من حمص وباب عمر. يومها كان النظام قد شن هجوما على قرية شنشار وسقط اثنان من العائلة قتلى. أتيت إلى البيت وكان الجميع يبكي، فهذا الوضع لم يترك لي الفرصة للانتظار وفورا قلت لزوجتي إن كنتم جاهزين لنخرج، وفعلا كنا جاهزين لأن كل واحد منا سيخرج مع حقيبة يده فبيتي كان مراقبا، لذلك عدت إلى الثكنة لأن بندقيتي كانت في خزانتي في المكتب، طبعا لا يوجد مشكلة في الدخول والكل يعرفني، فأنا مدير معهد هناك، وعضو مجلس أكاديمية، والجميع فتح لي الباب مبتسما وأنا أعتصر بالألم، فدخلت إلى مكتبي أخذت بندقيتي وخرجت وأنا أعلم أني آخر مرة أكون فيها في هذه الأكاديمية، إلا إذا عدنا إليها بطريقة أخرى. العائلة كانت جاهزة وقلت لهم أن يخرجوا من باب البناية بشكل مموه، كل اثنين من البنات تذهبان إلى موقف الباص ويذهبن إلى حلب على أساس أنهن ذاهبات للتبضع. زوجتي اتجهت مع ولديّ إلى مكان آخر باتجاه بقالة في الحمدانية، وأنا اتجهت باتجاه ملعب الحمدانية. توزعنا بشكل غريب واتفقت مع الإخوة الذين سيخرجونني من المدينة إلى المناطق المحررة على أن تمر أربع سيارات.. واحدة باتجاه حلب لتحضر البنات اللائي ذهبن للتسوق، وواحدة إلى ملعب الحمدانية لأرجع أنا، وواحدة من السيارات إلى البقالة التي ذهبت إليها زوجتي وابناي. والتقينا في حلب. وبعدها توجهنا باتجاه المناطق المحررة في ريف إدلب وبتنا ليلة عند أحد الضباط المنشقين وفي اليوم التالي توجهنا نحو الشريط الحدودي، وكان أول يوم في شهر رمضان، عبر الجبال مشينا على الأقدام إلى مخفر شرطة تركي. وصلنا ليلا مع المساء، الجميع كان صائما، فورا الإخوة الأتراك جاءوا بحصير جلس عليها البنات، ريثما أحضروا سيارة وتم نقلنا بعد إجراءات خفيفة جدا إلى معسكر، مخيم الضباط داخل الأراضي التركية».
الرحلة لم تكن سهلة.. يقول إدريس: «تصور أنك معرض للقتل أو الاعتقال ما دمت أنت موجودا على الأراضي السورية». وعندما نسأله عن شعوره لدى وصوله للأراضي التركية، يجيب: «لم أكن خائفا على نفسي. أنا انشققت مع سلاحي وكانت بندقيتي جاهزة بيدي، وأعطاني الإخوة الذين أحضروني في السيارات، وهم مدنيون، مسدسا، وهم كلهم كانوا مسلحين. كان فقط يراودني إحساس، لا سمح الله، إن وقعنا بيد النظام، الخشية على البنات وزوجتي. ابني الكبير كانت معه بندقية، كذلك ابني الصغير، وأنا قلت لهما إذا وقعنا في كمين أو في يد النظام قاتلا حتى الموت. اجتمعنا عند تحويلة الرقة، قبل حلب بقليل، عند صورة للمجرم بشار، انطلقنا بعدها على الجسر، ما لا يزيد على كيلومتر واحد، فقال لي الإخوة أنت في المناطق المحررة، لن ترى النظام ولا حواجز للنظام. أغلب ضباط الجيش وخاصة المهندسين هناك لدي معرفة شخصية معهم. لكن إجرام النظام ليس له حدود، قالوا لي ابق وسوف ترفع إلى رتبة لواء، أي رتبة لواء يتكلمون وكل أهلي ذبحوا؟! هل الإنسان فقد الكرامة والشعور؟! أصبحت عندما أعود في نهاية الدوام إلى بيتي في الحمدانية أخجل أنني أرتدي اللباس العسكري لأن الجيش يقتل الشعب، علما أن اللباس العسكري جميل وخاصة في الرتب العالية هناك أوسمة قصيرة وإشارات حمراء وهو لافت للنظر. أصبح الإنسان يخجل بدلا من أن يعتز ويفتخر أنه يرتدي هذه البزة العسكرية».
بعد أشهر على انشقاقه اجتمعت قيادات «الجيش الحر» في مدينة أنطاليا وقررت إنشاء مجلس عسكري، انتخب إدريس رئيسا له، بعد أن توافق المجتمعون على ترقيته إلى رتبة لواء.. نفس الرتبة التي قال إنه وعد بها ورفضها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.