انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية

سعوديات يجتمعن كل أسبوعين لقراءة كتاب ومناقشته

انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية
TT

انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية

انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية

«(الحمام لا يطير في بريدة)، و(شقة الحرية والحزام)، بهذه المؤلفات السعودية بدأنا ومنها توسعنا عربيا وأجنبيا وباللغة الإنجليزية كذلك».. الحديث أعلاه لعضوة بنادي كتاب سعودي نسائي، التقيناها ضمن مجموعة مثقفات يتجمعن شهريا وأحيانا كل أسبوعين لقراءة كتاب ومن ثم عرضه للنقاش وتبادل الآراء حول مضمونه وأسلوبه ورؤياه، وتلك ظاهرة أكثر انتشارًا بين قطاعات من سيدات العاصمة الرياض.
لقاءات الكتاب تتم في أجواء جد مختلفة عن أجواء الدعوات النسائية حيث الموائد أكثر من عامرة والحرص ظاهر على ارتداء آخر صيحات الموضة والانشغال باد بتبادل أخبار الإجازات والأخريات، فيما تمتاز نوادي الكتاب النسائية بكونها ظاهرة «ثقافية مسائية» مميزة، تتم في لقاءات منزلية بسيطة المظهر عميقة الجوهر.
«إن حب القراءة والاطلاع هواية متأصلة بين الشباب بالسعودية»، هذا ما قالته لنا الدكتورة مي حمد الجاسر، وهي من المؤسسات لـ«نادي الكتاب النسائي العربي» بالعاصمة النمساوية فيينا، تقول الدكتورة مي: «كما أذكر فإن معرض الكتاب بالقاهرة كان يقام إبان عطلة نصف العام للاستفادة من القوة السعودية الشرائية للكتب».
وتضيف: «الجديد هو انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية، تهتم بنقاش وتبادل الآراء ونقد ما تقرأ. ولا شك أنها ظاهرة حميدة ومفيدة ويا ليتها تتوسع أكثر وأكثر».
بدورها تؤكد منى الحميدي التي التقيناها بمدينة الرياض ضمن مجموعة نسائية تهتم بالقراءة والنقاش جماعيا أن «الاشتراك بصورة منظمة ضمن مجموعة يشجع على برنامج ثابت لاختيار كتاب بعينه، ومن ثم تخصيص وقت وتحديد مكان لطرح الكتاب للنقاش والتفكر وتبادل الآراء حول ما جاء فيه. وكثيرا ما تضم تلك النوادي أناسا قد لا يربطهم غير هذا الهدف».
وتشرح الحميدي: «لكن ومن واقع تجربتي، فإن النقاش يكون أعمق وأكثر ثراءً بين مجموعة محددة صغيرة ومتجانسة يتيح مزيدا من الفرص لعرض الآراء بصورة أهدأ وأوسع، كما يساعد على عدم انفراط الجمع وتشعب اللقاء لـ(ونسات) جانبية، ويزيد من الحرص أن يظل الكتاب المختار موضع الاهتمام ومحور الحديث».
وردا على سؤالنا عن أصل الفكرة: قالت إيمان، وهي عضو في مجموعة لا يزيد عددها عن 14 «إنها وشقيقتها اختارتا مجموعة تضم بدورها صديقتين شقيقتين شجعتا أخريات بهدف قراءة كتب لم يطلعوا عليها من قبل. وبالفعل ساعدتني المجموعة على قراءة كتب لم أكن اختارها من قبل ولم تكن تلفت نظري».
من جانبها، ذكرت عضو المجموعة خلود: «انضممت للمجموعة بعدما سمعت عن فوائدها من أخريات أحببن كيفية طرح كتاب للنقاش في جدية والتزام، وسط مجموعة متنوعة، عمرا وثقافة، تختلف آراؤها رغم علاقة الصداقة التي تربط بين أعضائها».
فيما قالت سارة إنها انضمت أساسا «بحثا عمن يشجعها على القراءة ضمن توقيت محدد وفي فترة زمنية وجيزة»، موضحة أن المجموعة تختار عن طريق التصويت كتابا ومن ثم يتم تحديد موعد نقاشه، وهناك إلزام «محبب» وإن كان صارما للاهتمام بالمواعيد والقراءة والمشاركة بالنقاش»، مضيفة أن مجموعتهن تمنح نقاطا للحضور ونقاطا للقراءة ونقاطا للنقاش، وعقب كل فترة يتم اختيار أكثر المشاركات التزاما وتمنح هدية تشجيعية».
وعن كيفية اختيار الكتب خاصة مع تنوع الأذواق، قالت منى الحميدي: «تأتي الاقتراحات من عضوات المجموعة، وأحيانا يكون الكتاب المقترح من تلك التي فازت بجائزة أو كتاب مشهور أو لكاتب معروف، وأحيانا نفضل كتبًا كلاسيكية قديمة وجيدة لم يتسنَ لنا الاطلاع عليها من قبل».
الجديد بين هذه المجموعة أنها وإن بدأت القراءة بكتب عربية، خاصة لمؤلفين سعوديين، إلا أنها توسعت وتنوعت بكتب ومؤلفات باللغة الإنجليزية، بل وتحرص من حين لآخر على مشاهدة الكتب التي يتم تمثيلها كأفلام روائية.
هذا وتواجه المجموعة أحيانا مصاعب في الحصول على الكتب مما يزيد من الجهد الشخصي للعضوات في البحث عما يرغبن في قراءته بمختلف الطرق. ومما يساعدهن على سبيل المثال اللجوء لتطبيقات وبرامج إلكترونية، ومكتبات سعودية أصبحت الأوسع انتشار في توصيل الكتب منزليا، بإضافة مبالغ قليلة لا تذكر عن سعر السوق، مثل «بوكتشينو» التي بدأت بالرياض كفكرة ونجحت في تسهيل الحصول على الكتب منزليا، بجانب فرص شراء الكتب أثناء السفر.
وعن دور معرض الكتاب الذي يقام سنويا، وأصبح فعالية ثقافية ومنذ سنوات بمدينة الرياض، في توفير الكتب؟؟ أجمعت المتحدثات أن المعرض فرصة جيدة لتوفير كميات من الكتب بما في ذلك كتب للأطفال، وكتب متخصصة.
إلى ذلك أشارت القارئات في هذه المجموعة ومجموعتين أخريين، إحداهما تضم 46 سيدة، لأهمية أن تتوسع مجهودات معرض الكتاب بالرياض لعقد وإجراء مزيد من اللقاءات مع مؤلفين مما يوفر فرصًا أوسع للنقاش مع المؤلف.
من جانب آخر، تفضل مجموعات أن تبادر العضوات باقتراح ما يحببن قراءته لعام كامل، وبعد الاتفاق، يتم طلب الكتب كمجموعة متكاملة مما يساعد في خفض سعر الشراء، وبالطبع يمكن أن تتشارك العضوات في تمويل عملية الشراء وتداول الكتب فيما بينهن، وليس بالضرورة أن يكون لكل كتابها الخاص، كما يمكن قراءة بعض الكتب إلكترونيا.
وردًا على اتهامات «رجالية» بان لقاءات «نادي الكتاب» ما هي الا» جمعات» لملأ فراغ خاصة وان مدينة الرياض تفتقر عموما لوسائل الترفيه والثقافة نسائيا، جاءت الإجابة ان معظمهن امهات وموظفات وصاحبات أعمال» مشغولات» ولا أوقات فراغ لديهن، متسائلات بدورهن عن الضرر في أن تملأ حتى من لها فراغ وقتها بنشاط مفيد يشجع بالضرورة زوجها وبقية أسرتها وصديقاتها على القراءة.
وعن السبب وراء اختيار ساعات مسائية وماذا عن الالتزامات الاسرية، أكدن أن الأمر يعود لكثرة المشغوليات صباحا، مضيفات أن «البوك كلب» يبدأ بعد الانتهاء من الالتزامات الأسرية والعناية بالأطفال، مضيفات أن طابع الحياة الاجتماعية والأنشطة الاجتماعية والترفيهية والثقافية بما في ذلك المجالس الرجالية مسائي بالمملكة. وعادة تتم معظم اللقاءات ما بين الساعة الثامنة وحتى العاشرة مساء.
وفي معرض إجابة على سؤال آخر حول دور «الشبكة العنكبوتية» في توسعة فرص القراءة وسهولة الاختيارات، وافق الجميع على أن «النت» ساعد دون شك في توسعة الاختيارات، دون سنسرة أو منع، ولا يزال الإمساك بكتاب وتقليب صفحاته متعة لا تضاهيها متعة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.