نقاد مغاربة: جوائز الرواية العربية «ظاهرة صحية» ينبغي تعميمها

لا تمثل مقياسًا للحكم على وضعية الكتابة ورسوخها في حقل ثقافي معين

الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق  لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي  محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)
الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)
TT

نقاد مغاربة: جوائز الرواية العربية «ظاهرة صحية» ينبغي تعميمها

الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق  لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي  محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)
الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)

بقدر ما يلقى إطلاق مزيد من الجوائز الأدبية المخصصة لجنس الرواية ترحيبًا من طرف المثقفين وعموم المهتمين، تطرح الأسئلة بصدد خلفيات وتداعيات هذا التوجه على المشهد الثقافي العربي، في ظل «صراع» الأجناس الأدبية وتزايد الحديث عن «هيمنة» جنس الرواية مقابل «تراجع» مكانة الشعر و«إهمال» أجناس أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار كل هذا الكم الكبير من الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة، مع التساؤل إن كان يعبر عن حاجة إبداعية، أم أن للجوائز المغرية المخصصة للرواية دورًا في ذلك، بما توفره من شهرة وعائد مالي.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض في الجوائز، بشكل عام، «امتحانا للعمل الأدبي»، يتساءل كثيرون عن المعايير التي تتحكم في جوائز الرواية، مثلا، مطالبين بأن تكون هذه المعايير «واضحة وبعيدة عن المصالح»، من دون أن ينكروا أن «جوائز الرواية خلقت حيوية في المشهد الثقافي العربي»، و«ساعدت على تحفيز المبدعين»، و«صنعت من الروائي شخصية يهتم بها الناس»، إلى درجة أن مجرد الظهور في القائمة الطويلة أو القصيرة لجائزة ما، صار يعتبر «حالة اعتبارية في الوسط الثقافي والمجتمعي».
ويرى حسن نجمي، الشاعر والروائي والرئيس السابق لـ«اتحاد كتاب المغرب» أن «الجوائز التي بدأت تتراكم في الساحة الأدبية تعبر عن لحظة نضج في سيرورة العمل الثقافي العربي»، مشددًا على أن «الجائزة، في حد ذاتها، كيفما كان مستواها وقيمتها المادية هي تجسيد ملموس لثقافة الاعتراف. هذه الثقافة التي نحن في أمس الحاجة إليها في أوساطنا الفكرية والإبداعية والثقافية وغيرها»، مبرزا أن «الجوائز التي ظهرت حتى الآن أعطت عدة إشارات كريمة وثمينة، خصوصًا من حيث إعادة الاعتبار للفعل الإبداعي والأدبي في الوطن العربي»، مشيرًا، في هذا الصدد، إلى «تكريم أسماء أدبية مرجعية كبرى»، و«الانتباه إلى أسماء جديدة أو شابة فرضت نفسها على لجان التحكيم بقوة منجزها الأدبي لا بما تمتلكه من حيثيات أو صيت معين».
ومع ذلك، يستدرك نجمي: «ينبغي القول بأننا ما زلنا في حاجة إلى المزيد من الجوائز، نظرًا لتنوع الحقول وتعدد الأجناس الإبداعية والفنية والجمالية، وكذا تعدد الحقول العلمية أو المعرفية والفكرية التي تحتاج إلى تكريم وتثمين وتقدير وتشجيع، خصوصًا في الساحة الأدبية والفكرية المغربية والمغاربية».
ودعا نجمي إلى «الإلحاح بقوة على توفير كل أسباب المصداقية من حيث أنظمة وقوانين هذه الجوائز، وصدقية ونزاهة وموضوعية لجان التحكيم ولجان القراءة، فما أكثر ما لاحظنا أن عددا من اللجان تتاح فيها الفرصة للتلامذة كي يحكموا أو يبثوا في منجزات أساتذتهم، مثلما لاحظنا كذلك أن أشخاصا لا علاقة لهم بالسرد يتصدرون موقع التحكيم والبت في جوائز مخصصة للروايات، وما إلى ذلك من الحالات».
وختم نجمي وجهة نظره بالإشارة إلى أن «بعض اللجان في بعض الجوائز العربية لا تتغير أو لا يتغير أعضاؤها، وهذا يضر بموضوعية ومصداقية الجائزة، خصوصا في ساحة ثقافية معطوبة كالساحة العربية التي نعرف طبيعة تعقيداتها الاجتماعية - الثقافية والضغوط التي يمكنها أن تمارس على هذا العضو أو ذاك مهما كانت درجة موضوعيته وصرامته».
من جهته، يعتقد الناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم بأن الجوائز المخصصة للرواية في العالم العربي تبقى «مهمة» و«ظاهرة صحية» لعدة أسباب، أهمها «اعتبار الأدب»، و«التحفيز المادي والمعنوي» الذي يخصص للمبدعين، داعيًا، في الوقت نفسه، إلى «عدم التركيز على جنس بعينه»، وإلى «أن ترقى الجوائز العربية إلى مستوى الجوائز العالمية»، مشددًا على أن «الجوائز لا ينبغي أن تكون مقياسا للحكم على قيمة الإبداع»، مشيرًا، في هذا الصدد، إلى أن «كثيرا من الكتاب العالميين الكبار أخطأتهم الجوائز»، ممثلا لذلك بالأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والفرنسي مارسيل بروست.
ويرى آيت العميم أن المظاهر الإيجابية، التي يمكن رصدها، بصدد جوائز الرواية العربية، تستبطن بعض الأعراض السلبية، من بينها التأثر السلبي الذي طال الكتابة الروائية، بسبب «تسرع الكتابة من أجل اقتناص الجوائز»، علاوة على أن «الكتابة أصبحت موجهة للموضوعات التي يمكن أن تكون هاجسا عند لجنة التحكيم، بشكل يجعلنا أمام كتابة تحت الطلب، وهو ما يعني أن الكتابة لم تعد تعبيرا عن قلق وجودي، بقدر ما أصبحت تعبيرا عن ذكاء تجاري وتسويقي».
ولاحظ آيت العميم أن «أغلب الجوائز، التي يسيل لعاب الكتاب عليها، تهم الرواية، وفي هذا نوع من التقزيم للأجناس الأخرى»، مشيرًا إلى أن «الكل صار يبحث عن روايته، كما صرنا إلى كتاب رحل قفزوا إلى جنس الرواية، مع بعض الاستثناءات، التي تهم عددا من الشعراء الذين توفقوا في الكتابة تحت سقف الرواية، استطاعوا أن يفيدوا هذا الجنس الإبداعي من خلال الشحنة الشاعرية التي تميزهم، ممثلا لذلك بمحمد الأشعري، الذي فازت روايته «القوس والفراشة» بجائزة «البوكر» (2011) مناصفة مع «طوق الحمام» للروائية السعودية رجاء عالم، وبحسن نجمي في «جيرترود» وطارق بكاري في «نوميديا» وياسين عدنان في «هوت ماروك»، خاتما وجهة نظره بالتشديد على أنه «بعيدا عن (طعم) الجائزة، هناك فلتات مهمة جاءت من أراضٍ شعرية، الشيء الذي يؤكد أن الشعراء مؤهلون لكتابة روايات مهمة».
وعن مدى إمكانية أن تمثل الجوائز مقياسًا للحكم على وضعية الكتابة ورسوخها في حقل ثقافي معين، يرى الباحث والناقد المغربي إدريس خضراوي أن «الجوائز الأدبية لها تأثيرها الذي لا يمكن نكرانه على مستوى تقدير الكتابة، وتداوليتها والدفع بها إلى دائرة ضوء الاهتمام العربي، وكذلك العالمي عبر الترجمة إلى عدة لغات عالمية. غير أن هذه الجوائز لا تمثل، دائما، مقياسا دقيقا للحكم على وضعية الكتابة ورسوخها في حقل ثقافي معين. لذلك يصعب أن نتبيّن، فقط، انطلاقًا من هذا التقدير علامات تدلّ على صورة معينة لوضعية الرواية ومكانتها في السياق العربي والعالمي. فمما لا شك فيه أن للمؤسسات الراعية للجوائز، وكذلك للجان القراءة مقاييسها واعتباراتها التي تتحكم في تقديرها لنص من النصوص، مما يعني أن ما يجري تقديره أو تتويجه بالجائزة قد لا يشكل بالضرورة أهم وأنضج ما أنتج في مجال الرواية في ثقافة بعينها من حيث الاقتراحات الجمالية والفنية. وهذا لا يعني تقليلا من أهمية النصوص المتوجة أو المحتمل تتويجها. لذلك تتباين الآراء والتقييمات والتصورات بين القراء والمهتمين عندما يتم الإعلان عن قوائم هذه الجوائز وصولا إلى النتائج النهائية».
ما يذهب إليه نجمي وآيت العميم والخضراوي يجد صداه في التساؤلات التي تقترحها الروائية والناقدة المغربية زهور كرام، تحت عنوان «الرواية العربية من النقد إلى الجوائز الأدبية»، حول «وظيفية تعدد الجوائز الأدبية في المشهد العربي»، وهذا «التنافس بين المؤسسات العربية في تخصيص جوائز خاصة بجنس الرواية، وتحفيز الروائيين للمشاركة بكثافة من خلال رواياتهم»، مشيرة إلى أن الرواية تشهد، في المشهد العربي الراهن، «تجاذبًا من نوع خاص، ليس له علاقة بمناخ التفكير أي النقد، بقدر ما له علاقة بالجوائز الأدبية التي تخصص لهذا الجنس»، ملاحظة أن المؤسسات العربية صارت تتنافس في «ضخ الأموال من أجل جلب اهتمام الروائيين»، مشددة على أنه يبقى «من حقنا التساؤل عن دواعي التنافس، من دون أن يعني ذلك تقييد حرية الروائي في الانخراط في الجوائز، أو اتخاذ موقف من ظاهرة الجوائز»، من جهة أن التجربة تثبت «أهمية الجوائز في التعرف على التجارب الروائية العربية المختلفة»، والتي «تعبر عن اختلاف أسئلة السياقات العربية»، بعدما «ظلت فكرة المرجع الإبداعي عائقًا أمام النظر النقدي في كثير من التجارب، وخصوصية أشكال كتاباتها، كما جعلت كتابًا مغمورين في بلدانهم يتم اكتشافهم بفضل الجوائز». لذلك ترى أن «الوضع مؤهل للتطور إذا تم استثمار ظاهرة الجائزة الأدبية لصالح الرواية والنقد العربيين، من خلال خلق مناخ صحي لانتعاش أسئلة الرواية وتلقيها»، قبل أن تستدرك، قائلة إن طبيعة التساؤل، في هذا المقام، لها علاقة بـ«تعددية الجوائز حول جنس أدبي واحد»، طارحة، في هذا السياق، جملة أسئلة تخص «طبيعة هذا التجاذب بين المؤسسات العربية لخلق جوائز سنوية للرواية»، وإن كان هذا «التجاذب من أجل الإعلاء من صوت الرواية» هو «إعلان رسمي عربي بأهمية الاهتمام بالرواية في تدبير الوعي المجتمعي العربي»، وتعبير عن «وضع ثقافي إبداعي صحي، يشخص موقع الرواية أو التخييل بشكل عام في التفكير العربي»؛ قبل أن تواصل تساؤلاتها، قائلة: «ألا يؤدي تعدد الجوائز في نفس السنة لنفس الجنس الأدبي إلى خلق نوع من الفوضى في الكتابة الروائية، لأن الإغراءات قد تؤدي إلى جعل الرواية كتابة تحت الطلب السنوي».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».