سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

استخدم شخصية فرانكشتاين رمزا يعبر عن مشكلات العراق الراهنة

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
TT

سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر

تفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين، إذ تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع.
لم يكن مستغربا وصول اسم أحمد سعداوي إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2014 فالكاتب العراقي الشاب، 40 سنة، لفت الأنظار إليه بشكل ملحوظ بعد صدور روايته الثالثة «فرانكشتاين في بغداد» (2013، منشورات الجمل) التي تتناول ثيمة العنف، إحدى أكثر القضايا إلحاحا في الساحة العراقية اليوم وذلك بأسلوب غرائبي يتجاوز حدود الواقع مما «يوفر متعة أكبر للقارئ ويطل من زاوية غير معهودة».
فيما يلي نص الحوار مع أحمد سعداوي.
* ثيمة «فرانكشتاين» نجدها في الكثير من أفلام الرعب الأميركية وتعود أصلها إلى رواية «فرانكشتاين» للكاتبة البريطانية ماري شيلي. هل «فرانكشتاين في بغداد» هي استيحاء لتلك الثيمة وإسقاطها على الواقع العراقي؟
- في الرواية هناك إشارتان إلى فرانكشتاين بهذا الاسم الصريح، الأولى في تعليق الصحافية الألمانية على ما كان يرويه هادي العتاك في المقهى، حين أشارت إلى محمود السوادي بأن هذا الرجل يستوحي قصته من فيلم لروبرت دي نيرو، والمقصود به طبعا هو فيلم فرانكشتاين. والإشارة الثانية ما قام به رئيس تحرير مجلة «الحقيقة»، علي باهر السعيدي، بتغيير عنوان مقالة محمود السوادي من «أساطير من الشارع العراقي» إلى «فرانكشتاين في بغداد»، أما خارج هاتين الإشارتين فإن مجتمع المدينة الذي تعامل مع شخصية الوحش الغريب كان يسميه «الشسمه» أو «الذي لا اسم له»، ولربما لم يكن معنيا بأنه يشبه فرانكشتاين أو لا.
في كل الأحوال فإن فرانكشتاين بغداد فيه معالجة مختلفة عن فرانكشتاين ماري شيلي، وهو هنا رمز مكثف يعبر عن مشكلات العراق الراهنة، كما أن أجواء الرعب الفرانكشتاينية كانت حاضرة بقوة خلال الفترة التي جرت فيها أحداث الرواية.
* حدثنا عن شخصية «الشسمه» أو فرانكشتاين، تلك الجثة التي «لا تشير إلى شخص أو كائن محدد» وطبيعة «المهمة النبيلة» التي يقوم بها هذا الكائن ذو «الهيئة البشعة وفم كأنه جرح في الوجه»؟
- داخل العمارة الهيكل في حي الدورة التي اتخذها «الشسمه» مقرا له، يتم في واقع الأمر، وبطريقة تمثيلية سردية، التشريح الدلالي لرمزية الشسمه. فنرى أنه يحمل ثلاث قراءات، وكل قراءة أنتجها أحد المجانين الثلاثة. القراءة الأولى؛ أن هذا الشسمه بما أنه مكون من جذاذات عراقيين من مختلف الأعراق والطوائف والإثنيات فإنه العراقي الكامل، أو المثال النادر لذوبان الجميع في هوية واحدة، وهي المعضلة المزمنة التي ظل يعاني منها العراق على مدار تشكله منذ بدايات القرن العشرين إلى اليوم، وتفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين. حيث تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
القراءة الثانية؛ أن هذا الوحش هو المخلص، بما أنه يحمل رغبة الثأر لكل الضحايا، لذا فإن جلب العدالة للضحايا المتكاثرين في عراق اليوم يعني تحقيق الخلاص للجميع. وهنا نرى طيفا للرؤى الميتافيزيقية عن فكرة المخلص، وكيف أن الخلاص يلقى دائما، وفق هذه الرؤية، على عاتق شخص واحد. والرواية تشكك ضمنا من أن الخلاص يمكن أن يتحقق على يد شخص واحد، فهذه المطامح والآمال غالبا ما كانت مسارات تشكل الديكتاتوريات السياسية في بلداننا العربية والشرق أوسطية. وهي للأسف، عراقيا، ما زالت موجودة وفاعلة، ولم تنته بنهاية نظام صدام الديكتاتوري.
القراءة الثالثة؛ أن هذا الوحش هو قائد الخراب الشامل، وبدل تجرع الخراب بالتقطير وعلى شكل جرعات صغيرة فمن الأفضل أن يحل الخراب الشامل. وهنا يغدو الشسمه هو التجسد الدرامي لفكرة الخراب التي اشتعلت وظلت تتصاعد مثل كرة مسرعة على منحدر.
من هذه القراءات الثلاث يتشكل وجه فرانكشتاين العراقي، ليعكس هذا الوجه، في واقع الحال، جوهر ما كان يجري، وما زال، في أنفس المكونات والأعراق ونظرتها تجاه بعضها بعضا، ونظرة الجميع تجاه الخلاص، أو تجاه ما يمكن أن يكون هوية وطنية جامعة تشمل الجميع.
* ما يميز روايتك هو تناول المأساة العراقية من زاوية غرائبية، تختلف عن طرق السرد التقليدية في أعمال عدة تعاطت مع الموضوع العراقي نفسه. ففي «فرانكشتاين في بغداد» هناك شخصيات لا نصادفها في الحياة اليومية مثل «الساحر» و«السفسطائي» و«المجنون الصغير» و«المجنون الكبير» و«المجنون الأكبر». كيف تصف لنا هذه التجربة؟
- ظهرت هذه الشخصيات في الفصل العاشر الذي يتميز بأنه يجري على لسان الشسمه. وهي شخصيات رمزية جدا أكثر من كونها واقعية. ولكنها توحي بنماذج محورية وأساسية موجودة في الواقع العراقي. السفسطائي مثلا هو شخصية تقارب، داخل مجتمع الرواية، شخصية علي باهر السعيدي، وشخصية الساحر تشبه شخصية المنجم الكبير الذي يعمل في مكتب العميد سرور مجيد.
وبالإضافة إلى الحرية الأوسع في التمثيل والإحالة الرمزية الذي يوفره الإطار الفانتازي الذي جرت به معظم أجزاء الرواية، فإن الفانتازيا هنا توفر مساحة لمتعة أكبر في التناول والقراءة، والإطلالة من زاوية غير معهودة في النظر إلى واقع محتدم، كما أنه أعطى لمسة من المرح لطف القسوة الموجودة في الأحداث، ولمسة المرح هنا كأنها تريد أن تقول بأنه لا يوجد شيء نهائي. فالتناول شديد الميلودرامية والوصف الكئيب والجاد للمآسي يعطي إشارة مبطنة للقارئ بأن هذا واقع قدري دائم لا فكاك منه، وهذا منهج فيه ميل رومانتيكي غير واقعي. يعطي صورة مبالغ فيها للقارئ الغريب، ولا يمنح القارئ العراقي فرصة للتنفس، فيهرب من بشاعة يعرفها في الواقع ليراها معكوسة في النص الروائي مع إيحاءات بلا نهائية العذاب. وهذه قسوة كبيرة لا مبرر لها.
* في الفصل الثالث من الرواية وهو بعنوان «روح تائهة» تنتقل إلى عالم الأموات حيث أرواح الضحايا تبحث عن جثثها. هناك من يعتقد أن هذا قد يبعد العمل عن واقع العراق اليوم. ما تعليقك على ذلك؟
- هذا الفصل له وظيفة بنائية مع الفصول الأخرى، ويسرد كيف جاءت الروح التي حلت في «الشسمه»، كما أنه بشكل عام يعكس اعتقادات عامة تعتمل في أنفس الكثير ممن فقدوا أبناء وأحبة، ولم يعثروا على جثث كاملة لهم كي يدفنوها، فهم يتخيلون أن أرواح أبنائهم تظل محلقة تبحث عن جثثها. والصورة الأعمق أننا جميعا، خلال فوضى العنف، كنا نتحرك مثل أرواح تائهة، لا تعرف لحظة استقرار وشعور بالأمان.
هناك من القراء ممن تعاطف كثيرا مع هذا الفصل تمنى أن يكون أكثر طولا، وهو بالفعل أقصر فصول الرواية، وسبب هذا التعاطف هو المسحة الغنائية التي فيه. ولكني رأيت طوله مناسبا حتى لا تطغى المسحة الغنائية. وأن تبقى هذا اللمسة بالحدود المعقولة لتنوع الانفعالات الموجود في الرواية.
* هل العراق في هذا الزمن الذي يختفي فيه الكثيرون من دون سبب معقول بحاجة إلى فرانكشتاين يجسد ثقافة الثأر بكل معانيها؟
- بالتأكيد لا. وهذا ما أرادت الرواية إيصاله. فهذا الفرانكشتاين الذي ترى كل فئة نفسها فيه، يعكس في واقع الحال معايير خاصة جدا لمفاهيم العدالة والجزاء والثأر والقصاص، فمفهوم العدالة عند فئة حين يتم تطبيقه على الأرض يتحول إلى ظلم لدى الفئة الأخرى. وحين تسود المعايير الخاصة فإننا في الحقيقة سنعيش أجواء حرب أهلية.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع. فرانكشتاين هنا يمثل التشخيص المرئي للأزمة الكبرى، ولا يمثل الحل.
* تقول إحدى الشخصيات «كل المآسي التي نمر بها لها مصدر واحد الخوف» إلى أي مدى يشغل الخوف عقول العراقيين اليوم؟
- أتذكر في الأيام الأولى للاحتلال وسقوط نظام صدام، كان الجيش الأميركي يقيم في معسكراته، ولا يقوم بشيء لحفظ الأمن العام داخل بغداد. كانت المدينة دون أي شرطي. وكذلك الأمر مع مدن عراقية أخرى، وظل هذا الحال لعدة أسابيع. كنا نعيش في لحظة تصفير غريبة جدا. وفي تلك الفترة كان من الممكن في الأحياء الشيعية أن يهتف شخص ما خلال الليل بشائعة ما لإشعال الأجواء بإطلاقات رصاص متلاحقة تستمر أحيانا حتى ساعات الفجر الأولى. وهذه الإطلاقات والأسلحة غنمها المسلحون من معسكرات الجيش العراقي السابق المتروكة. ولا يشغل أحد باله بالتحقق من حقيقة هذه الشائعة. لأن الخوف الشديد يجعلها حقيقة واقعة.
في الضفة الأخرى، أغلقت المحال التجارية في أحد أسواق مدينة الموصل أبوابها، مع شائعة قوية جعلت الجميع يغادر بسرعة، بأن الشيعة قادمون. ثم تبين لاحقا أنهم بضعة أفراد من الشيعة التركمان كانوا يسيرون في موكب عزاء حسيني. وتكمن المفارقة هنا أن الموصل تربض في الشمال في محيط سني وبعيدة تماما عن أي كثافة سكانية شيعية.
هذا الخوف الذي انطلق مثل مارد من القمقم ما زال يتحرك في أنفس العراقيين بأشكال مختلفة، وهو في الحقيقة ما جعل عراقيين كثر يسلمون قياد أمرهم إلى المسلحين والمتطرفين خلال أيام العنف الطائفي في 2006 - 2007 بحيث بإمكانك أن تسمع مثقفين علمانيين يدافعون عن الميليشيات الدينية لا لشيء إلا لاعتقادهم أن هذه الميليشيات تحميهم وعائلاتهم.
* يحفل عملك بمجموعة من الثنائيات المتناقضة مثل جسد «الشسمه» المكون من لحوم «ضحايا» و«مجرمين»، «الوجه الملائكي» للقديس كوركيس و«هيئته الحربية»، شكل هادي العتاك «المنفر» ومهمته «النبيلة». لماذا لجأت إلى هذه الثنائيات؟
- في القراءة التي تجعل ماركوركيس أحد مصادر تشكل الشسمه، فإن العجوز إيليشوا فهمت أن الوحش البشع جاء من الجانب الحربي من شخصية ماركوركيس. أما الجانب الملائكي فهو الذي جلب لها الحفيد دانيال. لذلك هي أخذت معها الوجه الملائكي من صورة القديس فقط حين سافرت وتركت بيتها.
أما قضية لحوم الضحايا والمجرمين، فهذا التناقض هو ما نعيشه في واقع الحال. فلا أحد يستطيع اليوم أن يدعي بأنه ضحية كاملة، وأنه لم يساهم، بشكل من الإشكال، في إدامة جو العنف وإنتاج الضحايا. هناك قصص كثيرة في الواقع اليومي، كتبت عن بعضها في الصحافة، تشير إلى حالات التشفي بالضحايا الذين يسقطون، لا لشيء إلا لأنهم من مكون وطائفة أخرى. وهذا المتشفي لا يمكن له أن يدعي أنه بريء من الدم أو على الأقل من المسؤولية الأخلاقية عن الدم. حتى الصامت والذي يحاول أن يقف على الحياد، فهو تخل عن إمكانية أن يقوم بدور إيجابي ما، مهما كان صغيرا، لإيقاف دوامة العنف. وإذا كان هناك درس بليغ ولحظة أخلاقية مهمة يمكن أن نقف عندها اليوم كعراقيين فهي هذه اللحظة؛ حين نعترف بأننا لسنا ضحايا كاملين، وأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا بشكل من الأشكال.
أما ما يتعلق بهادي العتاك فهو الذي ادعى أن مهمته نبيلة، بينما كان الشسمه الذي ولد على يديه يقول بأنه مجرد قناة لخلق أمر أكبر منه.
* ما المراحل التي مرت بها كتابة «فرانكشتاين في بغداد»، وما الجديد الذي أضافته على أعمالك الروائية السابقة «الزمن الجميل» و«إنه يحلم أو يلعب أو يموت»؟
- استغرقت كتابة الرواية نحو أربع سنوات، منذ تخلق الصورة الأولى عن الرواية وحتى اكتمالها كنص جاهز للطبع، ولكن تخلل ذلك توقفات كثيرة، واستغرقت وقتا ليس بالقصير في عملية البحث وإجراء مقابلات والتقاط صور وجمع معلومات كثيرة. لم أستخدمها كلها. وظهر أول مقطع من الرواية منشورا في موقع «كيكا» على النت في صيف 2008. ولكنه كان من المسودة الأولى، كما ظهر من هذه المسودة فصلان بالعربي والإنجليزي في أنطولوجيا بلومزبيري التي أعدتها لنصوص الفائزين في مسابقة بيروت 39 لأفضل الكتاب العرب دون سن 40 في أبريل (نيسان) 2011.
عمليا كتبت ثلاث مسودات للرواية، وصنعت جداول واستخدمت أقلام ماجيك ملونة في تحديد مسارات الشخصيات وكثافة حضورها داخل النص وأشياء كثيرة أخرى، وأنفقت وقتا في المراجعة والتدقيق، من أجل أن تخرج الرواية بشكل متكامل قدر الإمكان.
* ماذا يعني لك وصول ثالث رواياتك إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)؟ وهل كنت تتوقع ذلك؟
- أنا كنت أتوقع أن تحقق الرواية تأثيرا طيبا لدى القراء، وهذا ما تحقق، بحيث نفدت الطبعة العربية الأولى من الرواية حتى قبل ظهور نتائج البوكر في القائمة الطويلة. أما عن البوكر نفسها، فأنا لم أضع في حساباتي أنها ستشارك أو لا تشارك، فالقرار هنا عائد للناشر وليس المؤلف. وكنت سعيدا بالطبع حين دفعها الناشر إلى المسابقة رغم أني لم أفاتحه بذلك، ورغم ثقتي بالعمل الذي قدمته لكن من الصعب الادعاء بالتوقعات الممكنة، خصوصا مع الحجم الكبير للمشاركات (156 رواية) في هذه الدورة من البوكر العربية.
وصول الرواية إلى القائمة القصيرة هو حدث مهم، وهو بحد ذاته شهادة تضاف إلى الرواية، ووفر لها مساحة أكبر من الانتشار. أما إذا صارت هي البوكر 2014 فهذا ما سيكون حدثا مهما ليس على المستوى الشخصي فحسب، وإنما للرواية العراقية الجديدة بشكل عام.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة