سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

استخدم شخصية فرانكشتاين رمزا يعبر عن مشكلات العراق الراهنة

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
TT

سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر

تفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين، إذ تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع.
لم يكن مستغربا وصول اسم أحمد سعداوي إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2014 فالكاتب العراقي الشاب، 40 سنة، لفت الأنظار إليه بشكل ملحوظ بعد صدور روايته الثالثة «فرانكشتاين في بغداد» (2013، منشورات الجمل) التي تتناول ثيمة العنف، إحدى أكثر القضايا إلحاحا في الساحة العراقية اليوم وذلك بأسلوب غرائبي يتجاوز حدود الواقع مما «يوفر متعة أكبر للقارئ ويطل من زاوية غير معهودة».
فيما يلي نص الحوار مع أحمد سعداوي.
* ثيمة «فرانكشتاين» نجدها في الكثير من أفلام الرعب الأميركية وتعود أصلها إلى رواية «فرانكشتاين» للكاتبة البريطانية ماري شيلي. هل «فرانكشتاين في بغداد» هي استيحاء لتلك الثيمة وإسقاطها على الواقع العراقي؟
- في الرواية هناك إشارتان إلى فرانكشتاين بهذا الاسم الصريح، الأولى في تعليق الصحافية الألمانية على ما كان يرويه هادي العتاك في المقهى، حين أشارت إلى محمود السوادي بأن هذا الرجل يستوحي قصته من فيلم لروبرت دي نيرو، والمقصود به طبعا هو فيلم فرانكشتاين. والإشارة الثانية ما قام به رئيس تحرير مجلة «الحقيقة»، علي باهر السعيدي، بتغيير عنوان مقالة محمود السوادي من «أساطير من الشارع العراقي» إلى «فرانكشتاين في بغداد»، أما خارج هاتين الإشارتين فإن مجتمع المدينة الذي تعامل مع شخصية الوحش الغريب كان يسميه «الشسمه» أو «الذي لا اسم له»، ولربما لم يكن معنيا بأنه يشبه فرانكشتاين أو لا.
في كل الأحوال فإن فرانكشتاين بغداد فيه معالجة مختلفة عن فرانكشتاين ماري شيلي، وهو هنا رمز مكثف يعبر عن مشكلات العراق الراهنة، كما أن أجواء الرعب الفرانكشتاينية كانت حاضرة بقوة خلال الفترة التي جرت فيها أحداث الرواية.
* حدثنا عن شخصية «الشسمه» أو فرانكشتاين، تلك الجثة التي «لا تشير إلى شخص أو كائن محدد» وطبيعة «المهمة النبيلة» التي يقوم بها هذا الكائن ذو «الهيئة البشعة وفم كأنه جرح في الوجه»؟
- داخل العمارة الهيكل في حي الدورة التي اتخذها «الشسمه» مقرا له، يتم في واقع الأمر، وبطريقة تمثيلية سردية، التشريح الدلالي لرمزية الشسمه. فنرى أنه يحمل ثلاث قراءات، وكل قراءة أنتجها أحد المجانين الثلاثة. القراءة الأولى؛ أن هذا الشسمه بما أنه مكون من جذاذات عراقيين من مختلف الأعراق والطوائف والإثنيات فإنه العراقي الكامل، أو المثال النادر لذوبان الجميع في هوية واحدة، وهي المعضلة المزمنة التي ظل يعاني منها العراق على مدار تشكله منذ بدايات القرن العشرين إلى اليوم، وتفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين. حيث تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
القراءة الثانية؛ أن هذا الوحش هو المخلص، بما أنه يحمل رغبة الثأر لكل الضحايا، لذا فإن جلب العدالة للضحايا المتكاثرين في عراق اليوم يعني تحقيق الخلاص للجميع. وهنا نرى طيفا للرؤى الميتافيزيقية عن فكرة المخلص، وكيف أن الخلاص يلقى دائما، وفق هذه الرؤية، على عاتق شخص واحد. والرواية تشكك ضمنا من أن الخلاص يمكن أن يتحقق على يد شخص واحد، فهذه المطامح والآمال غالبا ما كانت مسارات تشكل الديكتاتوريات السياسية في بلداننا العربية والشرق أوسطية. وهي للأسف، عراقيا، ما زالت موجودة وفاعلة، ولم تنته بنهاية نظام صدام الديكتاتوري.
القراءة الثالثة؛ أن هذا الوحش هو قائد الخراب الشامل، وبدل تجرع الخراب بالتقطير وعلى شكل جرعات صغيرة فمن الأفضل أن يحل الخراب الشامل. وهنا يغدو الشسمه هو التجسد الدرامي لفكرة الخراب التي اشتعلت وظلت تتصاعد مثل كرة مسرعة على منحدر.
من هذه القراءات الثلاث يتشكل وجه فرانكشتاين العراقي، ليعكس هذا الوجه، في واقع الحال، جوهر ما كان يجري، وما زال، في أنفس المكونات والأعراق ونظرتها تجاه بعضها بعضا، ونظرة الجميع تجاه الخلاص، أو تجاه ما يمكن أن يكون هوية وطنية جامعة تشمل الجميع.
* ما يميز روايتك هو تناول المأساة العراقية من زاوية غرائبية، تختلف عن طرق السرد التقليدية في أعمال عدة تعاطت مع الموضوع العراقي نفسه. ففي «فرانكشتاين في بغداد» هناك شخصيات لا نصادفها في الحياة اليومية مثل «الساحر» و«السفسطائي» و«المجنون الصغير» و«المجنون الكبير» و«المجنون الأكبر». كيف تصف لنا هذه التجربة؟
- ظهرت هذه الشخصيات في الفصل العاشر الذي يتميز بأنه يجري على لسان الشسمه. وهي شخصيات رمزية جدا أكثر من كونها واقعية. ولكنها توحي بنماذج محورية وأساسية موجودة في الواقع العراقي. السفسطائي مثلا هو شخصية تقارب، داخل مجتمع الرواية، شخصية علي باهر السعيدي، وشخصية الساحر تشبه شخصية المنجم الكبير الذي يعمل في مكتب العميد سرور مجيد.
وبالإضافة إلى الحرية الأوسع في التمثيل والإحالة الرمزية الذي يوفره الإطار الفانتازي الذي جرت به معظم أجزاء الرواية، فإن الفانتازيا هنا توفر مساحة لمتعة أكبر في التناول والقراءة، والإطلالة من زاوية غير معهودة في النظر إلى واقع محتدم، كما أنه أعطى لمسة من المرح لطف القسوة الموجودة في الأحداث، ولمسة المرح هنا كأنها تريد أن تقول بأنه لا يوجد شيء نهائي. فالتناول شديد الميلودرامية والوصف الكئيب والجاد للمآسي يعطي إشارة مبطنة للقارئ بأن هذا واقع قدري دائم لا فكاك منه، وهذا منهج فيه ميل رومانتيكي غير واقعي. يعطي صورة مبالغ فيها للقارئ الغريب، ولا يمنح القارئ العراقي فرصة للتنفس، فيهرب من بشاعة يعرفها في الواقع ليراها معكوسة في النص الروائي مع إيحاءات بلا نهائية العذاب. وهذه قسوة كبيرة لا مبرر لها.
* في الفصل الثالث من الرواية وهو بعنوان «روح تائهة» تنتقل إلى عالم الأموات حيث أرواح الضحايا تبحث عن جثثها. هناك من يعتقد أن هذا قد يبعد العمل عن واقع العراق اليوم. ما تعليقك على ذلك؟
- هذا الفصل له وظيفة بنائية مع الفصول الأخرى، ويسرد كيف جاءت الروح التي حلت في «الشسمه»، كما أنه بشكل عام يعكس اعتقادات عامة تعتمل في أنفس الكثير ممن فقدوا أبناء وأحبة، ولم يعثروا على جثث كاملة لهم كي يدفنوها، فهم يتخيلون أن أرواح أبنائهم تظل محلقة تبحث عن جثثها. والصورة الأعمق أننا جميعا، خلال فوضى العنف، كنا نتحرك مثل أرواح تائهة، لا تعرف لحظة استقرار وشعور بالأمان.
هناك من القراء ممن تعاطف كثيرا مع هذا الفصل تمنى أن يكون أكثر طولا، وهو بالفعل أقصر فصول الرواية، وسبب هذا التعاطف هو المسحة الغنائية التي فيه. ولكني رأيت طوله مناسبا حتى لا تطغى المسحة الغنائية. وأن تبقى هذا اللمسة بالحدود المعقولة لتنوع الانفعالات الموجود في الرواية.
* هل العراق في هذا الزمن الذي يختفي فيه الكثيرون من دون سبب معقول بحاجة إلى فرانكشتاين يجسد ثقافة الثأر بكل معانيها؟
- بالتأكيد لا. وهذا ما أرادت الرواية إيصاله. فهذا الفرانكشتاين الذي ترى كل فئة نفسها فيه، يعكس في واقع الحال معايير خاصة جدا لمفاهيم العدالة والجزاء والثأر والقصاص، فمفهوم العدالة عند فئة حين يتم تطبيقه على الأرض يتحول إلى ظلم لدى الفئة الأخرى. وحين تسود المعايير الخاصة فإننا في الحقيقة سنعيش أجواء حرب أهلية.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع. فرانكشتاين هنا يمثل التشخيص المرئي للأزمة الكبرى، ولا يمثل الحل.
* تقول إحدى الشخصيات «كل المآسي التي نمر بها لها مصدر واحد الخوف» إلى أي مدى يشغل الخوف عقول العراقيين اليوم؟
- أتذكر في الأيام الأولى للاحتلال وسقوط نظام صدام، كان الجيش الأميركي يقيم في معسكراته، ولا يقوم بشيء لحفظ الأمن العام داخل بغداد. كانت المدينة دون أي شرطي. وكذلك الأمر مع مدن عراقية أخرى، وظل هذا الحال لعدة أسابيع. كنا نعيش في لحظة تصفير غريبة جدا. وفي تلك الفترة كان من الممكن في الأحياء الشيعية أن يهتف شخص ما خلال الليل بشائعة ما لإشعال الأجواء بإطلاقات رصاص متلاحقة تستمر أحيانا حتى ساعات الفجر الأولى. وهذه الإطلاقات والأسلحة غنمها المسلحون من معسكرات الجيش العراقي السابق المتروكة. ولا يشغل أحد باله بالتحقق من حقيقة هذه الشائعة. لأن الخوف الشديد يجعلها حقيقة واقعة.
في الضفة الأخرى، أغلقت المحال التجارية في أحد أسواق مدينة الموصل أبوابها، مع شائعة قوية جعلت الجميع يغادر بسرعة، بأن الشيعة قادمون. ثم تبين لاحقا أنهم بضعة أفراد من الشيعة التركمان كانوا يسيرون في موكب عزاء حسيني. وتكمن المفارقة هنا أن الموصل تربض في الشمال في محيط سني وبعيدة تماما عن أي كثافة سكانية شيعية.
هذا الخوف الذي انطلق مثل مارد من القمقم ما زال يتحرك في أنفس العراقيين بأشكال مختلفة، وهو في الحقيقة ما جعل عراقيين كثر يسلمون قياد أمرهم إلى المسلحين والمتطرفين خلال أيام العنف الطائفي في 2006 - 2007 بحيث بإمكانك أن تسمع مثقفين علمانيين يدافعون عن الميليشيات الدينية لا لشيء إلا لاعتقادهم أن هذه الميليشيات تحميهم وعائلاتهم.
* يحفل عملك بمجموعة من الثنائيات المتناقضة مثل جسد «الشسمه» المكون من لحوم «ضحايا» و«مجرمين»، «الوجه الملائكي» للقديس كوركيس و«هيئته الحربية»، شكل هادي العتاك «المنفر» ومهمته «النبيلة». لماذا لجأت إلى هذه الثنائيات؟
- في القراءة التي تجعل ماركوركيس أحد مصادر تشكل الشسمه، فإن العجوز إيليشوا فهمت أن الوحش البشع جاء من الجانب الحربي من شخصية ماركوركيس. أما الجانب الملائكي فهو الذي جلب لها الحفيد دانيال. لذلك هي أخذت معها الوجه الملائكي من صورة القديس فقط حين سافرت وتركت بيتها.
أما قضية لحوم الضحايا والمجرمين، فهذا التناقض هو ما نعيشه في واقع الحال. فلا أحد يستطيع اليوم أن يدعي بأنه ضحية كاملة، وأنه لم يساهم، بشكل من الإشكال، في إدامة جو العنف وإنتاج الضحايا. هناك قصص كثيرة في الواقع اليومي، كتبت عن بعضها في الصحافة، تشير إلى حالات التشفي بالضحايا الذين يسقطون، لا لشيء إلا لأنهم من مكون وطائفة أخرى. وهذا المتشفي لا يمكن له أن يدعي أنه بريء من الدم أو على الأقل من المسؤولية الأخلاقية عن الدم. حتى الصامت والذي يحاول أن يقف على الحياد، فهو تخل عن إمكانية أن يقوم بدور إيجابي ما، مهما كان صغيرا، لإيقاف دوامة العنف. وإذا كان هناك درس بليغ ولحظة أخلاقية مهمة يمكن أن نقف عندها اليوم كعراقيين فهي هذه اللحظة؛ حين نعترف بأننا لسنا ضحايا كاملين، وأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا بشكل من الأشكال.
أما ما يتعلق بهادي العتاك فهو الذي ادعى أن مهمته نبيلة، بينما كان الشسمه الذي ولد على يديه يقول بأنه مجرد قناة لخلق أمر أكبر منه.
* ما المراحل التي مرت بها كتابة «فرانكشتاين في بغداد»، وما الجديد الذي أضافته على أعمالك الروائية السابقة «الزمن الجميل» و«إنه يحلم أو يلعب أو يموت»؟
- استغرقت كتابة الرواية نحو أربع سنوات، منذ تخلق الصورة الأولى عن الرواية وحتى اكتمالها كنص جاهز للطبع، ولكن تخلل ذلك توقفات كثيرة، واستغرقت وقتا ليس بالقصير في عملية البحث وإجراء مقابلات والتقاط صور وجمع معلومات كثيرة. لم أستخدمها كلها. وظهر أول مقطع من الرواية منشورا في موقع «كيكا» على النت في صيف 2008. ولكنه كان من المسودة الأولى، كما ظهر من هذه المسودة فصلان بالعربي والإنجليزي في أنطولوجيا بلومزبيري التي أعدتها لنصوص الفائزين في مسابقة بيروت 39 لأفضل الكتاب العرب دون سن 40 في أبريل (نيسان) 2011.
عمليا كتبت ثلاث مسودات للرواية، وصنعت جداول واستخدمت أقلام ماجيك ملونة في تحديد مسارات الشخصيات وكثافة حضورها داخل النص وأشياء كثيرة أخرى، وأنفقت وقتا في المراجعة والتدقيق، من أجل أن تخرج الرواية بشكل متكامل قدر الإمكان.
* ماذا يعني لك وصول ثالث رواياتك إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)؟ وهل كنت تتوقع ذلك؟
- أنا كنت أتوقع أن تحقق الرواية تأثيرا طيبا لدى القراء، وهذا ما تحقق، بحيث نفدت الطبعة العربية الأولى من الرواية حتى قبل ظهور نتائج البوكر في القائمة الطويلة. أما عن البوكر نفسها، فأنا لم أضع في حساباتي أنها ستشارك أو لا تشارك، فالقرار هنا عائد للناشر وليس المؤلف. وكنت سعيدا بالطبع حين دفعها الناشر إلى المسابقة رغم أني لم أفاتحه بذلك، ورغم ثقتي بالعمل الذي قدمته لكن من الصعب الادعاء بالتوقعات الممكنة، خصوصا مع الحجم الكبير للمشاركات (156 رواية) في هذه الدورة من البوكر العربية.
وصول الرواية إلى القائمة القصيرة هو حدث مهم، وهو بحد ذاته شهادة تضاف إلى الرواية، ووفر لها مساحة أكبر من الانتشار. أما إذا صارت هي البوكر 2014 فهذا ما سيكون حدثا مهما ليس على المستوى الشخصي فحسب، وإنما للرواية العراقية الجديدة بشكل عام.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».