أبدى جفري فيلتمان وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية تواضعا، حين سأله طلال الحاج، مراسل قناة العربية في نيويورك، عن توقعه لما قد يحصل في السودان في ذروة الاحتجاجات التي شهدتها شوارعها مؤخرا، وقال إنه لا يستطيع أن يتنبأ بالتطورات لأن ثورات الربيع العربي علمته ألا يستبق الأحداث، الحاج عاد أدراجه ليسأل فيلتمان تقليديا عن موعد بيان الأمم المتحدة الخاص بأحداث الشرق الأوسط.
وتبدو حالة فيلتمان مقابلة - إلى حد مشابه لحالة المحللين السياسيين الذين قرر بعضهم التواري عن الحضور على هواء محطات الأخبار، حتى تتضح خفايا أحاديث الساسة الخاصة، بواعث تغيير المواقف أصبحت حساسة وسريعة الانتشار، والمناعة المتصلبة عادت سهلة الاختراق ولو بشكل مؤقت، فنتائج المناورات السياسية بين دول التأثير المفصلية باتت مصدرا للتأثير وقلب المعادلة في أية لحظة، تلك المعادلة التي ما تنفك تأخذ مسار الإجماع إلا وتتجه نحو مزيد من التعقيد في ظل غياب قانون الحل.
بضاعة التحليل التي راجت إعلاميا منذ عشرات السنين في النشرات والنقاش والإسهاب في العمق، باتت في حالة ارتباك - حاليا - على الرغم من الحاجة إليها في تفسير التحولات اليومية، الأفعال التي ارتسمت على الأرض غايرت تصورات من راهنوا على اتخاذ الأوضاع صورة معينة، وهو ما زاد من حرج كثير من الخبراء الاستراتيجيين الذين قدمتهم الأحداث في قالب مناوئ لخبراتهم على الرغم من تجاربهم الطويلة في مختبرات التشخيص السياسي وتشريح العلاقات الدولية.
ودافع الدكتور سعيد حارب، الخبير السياسي الإماراتي، عن موقف المحللين الذين راهنوا على رؤيتهم لما ستؤول إليه الأمور، واصفا صورة الملف السوري بأنها ستبقى قاتمة إذا لم يكن هناك حل سياسي يحسم المرحلة التالية لما بعد سقوط النظام.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لم تحسم أمرها بشأن موقفها من القضية، وهو ما زاد من حيرة المراقبين، إضافة إلى أن تصلب الموقف الروسي أدى إلى تعقيد المشهد أيضا، وأضاف أن نشوء قوى جديدة لا تتفق مع الائتلاف الوطني كالقاعدة ودولة العراق والشام الإسلامية وجبهة النصرة التي تفتقر للتعاطف الدولي، لا يحدد الوضع النهائي بدقة.
تقنين الحضور الإعلامي للمحللين حالة يؤكدها ويشكو منها معدو التقارير الإخبارية التلفزيونية، الذين يعانون - أحيانا - من شح الحصول على ضيف للتعليق والمداخلة، وتبدو الحالة السورية شاهد عيان على الدوار الذي أصاب المتعمقين في العرف السياسي، ثلاثة أعوام شهدت مسلسلا طويلا من التوقعات التي لم تتضح، يعتقد أن يكون الأمر متعلقا بأجسام غريبة تثير مناعة الجسد السوري، وتستعصي على التكيف مع عقاقير الحل، أبرز تلك الأجسام حزب الله اللبناني، ودولة العراق والشام الإسلامية «داعش»، واعتقاد دخول دول مثل روسيا وإيران لوجيستيا وعسكريا، وهو ما عززه حضور دبلوماسيتيهما دوليا لدعم نظام دمشق الحليف الذي تربطهم به أواصر منذ أكثر من أربعة عقود.
واعتقد طلال عوكل، المحلل السياسي الفلسطيني، أن الأزمة السورية ارتبطت بتكتيك التجمعات الدولية المؤثرة، وبعض العوامل المتضاربة والمتداخلة، مؤكدا أن التصورات المقبلة كافة، ليست واضحة الملامح.
واستشهد بموقف تركيا، التي ساد اعتقاد في وقت سابق بأنها سوف تتدخل عسكريا وتفرض منطقة حظر جوي، لكن موقفها تغير بعد أن اتضح أنها تخشى من تداعيات الأوضاع عليها.
وأظهرت الشواهد اليومية في سوريا علم التحليل السياسي على حقيقته، بأنه علم غير صحيح، يندرج ضمن علوم التخمين، وبات مرهونا بالمواقف المستجدة واستراق السمع من غرف الاتفاقيات الخاصة بين الإمبراطوريات الضالعة في حكم المشهد.
كما اتضح أن المحللين الخاضعين لهيمنة النظام السوري والتأويل وفق مصلحته أيضا لم يستطيعوا التشكل جيدا بما يواكب مواجهة رعونة النظام نفسه، بعد هجمة الكيماوي التي راح ضحيتها أكثر من 1400 سوري في غوطة دمشق، أشهرهم شريف شحاتة وطالب إبراهيم وأحمد الحاج علي، الذين قضوا أياما طويلة في الدفاع عن النظام الذي لم يعد مسيطرا على انفعالاته، ذلك الإخفاق اضطر مستشارة القصر الجمهوري بثينة شعبان للخروج ليلا إلى استوديوهات قناة «سكاي نيوز» الإنجليزية بدمشق، لتروي حكاية جديدة لم يسبقها إليها أحد، مفادها أن الثوار هم من يتحمل مسؤولية المجزرة، وأنهم نقلوا الضحايا من قرى اللاذقية إلى غوطة دمشق وقتلوهم هناك، وهي بذلك تريد أن تزج بالجانب الطائفي بحكم أن غالبية سكان اللاذقية من العلويين الشيعة.
رواية شعبان لم ترق لعقول المراقبين، ودفعت نحو مزيد من السيناريوهات المفتوحة، الأم أغنس راهبة كاثوليكية ظهرت على قناة «بي.بي.سي» البريطانية، ونفت وقوع مجزرة بالأصل، واصفة التسجيلات التي بثت للضحايا بأنها مزورة، وأن الغوطة في الأصل مهجورة ولا يوجد بها سكان، وأكدت عدم وجود أدلة على تنظيم جنائز للضحايا، أغنس اكتسبت شهرة واسعة، وتلقف روايتها ببهجة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي رآها بمثابة العون وتعزز مساعي بلاده لتبرئة وإنقاذ الحليف الأسد.
وبالعودة إلى محللي النظام السوري فإنهم قد روجوا منذ الأيام الأولى للحراك الشعبي في سوريا، أن الثورة مدعومة من قبل الدول الغربية والإمبريالية العالمية - حسب قولهم -، بصفة أن دمشق الدرع الأخيرة للمقاومة العربية المناهضة لكيان إسرائيل، وأن هناك خططا ومؤامرات لإسقاط النظام الذي لا يروق لتل أبيب، لكن شيئا من ذلك لم يحدث بعد أن اتفقت دول غربية، أهمها الولايات المتحدة وروسيا، بعد كارثة ضرب النظام للشعب بالكيماوي على جدول زمني لسحب الترسانة، وهو ما يرجئ في الوقت ذاته تسليم بشار للسلطة، وقد يطرح تمديد ولايته.
9:41 دقيقه
الدبلوماسية المتأرجحة تنهك التحليل السياسي
https://aawsat.com/home/article/6146
الدبلوماسية المتأرجحة تنهك التحليل السياسي
تعقيد المشهد السوري يشرعن السؤال التقليدي
- الرياض: فهد الذيابي
- الرياض: فهد الذيابي
الدبلوماسية المتأرجحة تنهك التحليل السياسي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



