«غذاء الروح قبل غذاء الجسد» تلك هي الفكرة التي حاول المخرج المسرحي الإسكندراني أحمد شوقي أن يطبقها في أحد الأحياء الشعبية العريقة بمدينة الإسكندرية، وهو حي العطارين المعروف بخلفية قاطنيه الثقافية، حيث تعايشت فيه جاليات مختلفة من دول البحر المتوسط، إلا أنه تحول في الآونة الأخيرة إلى حي تجاري تغلب عليه ورش السيارات ومحال المأكولات وغيرها.
اختار شوقي ومجموعة من أصدقائه الفنانين المستقلين أن يحولوا «مقهى صيام»، الذي كان مركزا لتجمعهم، إلى مساحة فنية حرة يتواصل عبرها الفنانون الشباب مع الجمهور.
قرر شوقي الاتفاق مع صاحب المقهى على إقامة أنشطة وفعاليات متنوعة في جانب من المقهى، على أن تمول تلك الفعاليات من عائدات المقهى الذي أصبح جاذبا للشباب والمسنين على حد سواء. ولم يعد غريبا على أهل الحي والمارة أن يروا عروضا أدائية أو يستمعوا إلى وصلات موسيقية أو يشاهدوا لوحات تشكيلية على جدران المقهى الذي أصبح في حالة ألق ثقافي وإبداعي.
عند الدخول إلى المقهى ستجد لوحات فنية تكسو الجدران، وما يشبه خشبة مسرح صغيرة يخاطب عبرها الشباب رواد وزبائن المقهى على رائحة القهوة، بينما تتكدس مجموعات من الشباب في زوايا المقهى يقدحون زناد أفكارهم في ورشة كتابة وإلى جوارهم رجال مسنون يلعبون «الطاولة»، ويستمعون إلى فرق موسيقية شبابية، أو يشاهدون عروضا سينمائية.
يقول لنا الفنان المسرحي، أسامة الهواري، مدير مشروع «رصيف صيام» الثقافي، إن «المشروع بدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. كان هدفنا إتاحة المقهى للفنانين المستقلين للتواصل مباشرة مع جمهور الشارع من خلال تقديم فعاليات فنية تتناسب وطبيعة المكان، مثل عروض الفنون الأدائية المحدودة ومنها المسرح والموسيقى، أو المعارض البصرية والندوات. وتعد الفكرة هي تطور لفكرة كان شوقي قد أطلقها عام 2012 لمشروع (فول تانك للتغذية والثقافة) باعتباره محطة لالتقاء الفنانين والجمهور عن طريق عربة متخصصة في تقديم وجبات الفول ذائعة الصيت في الشارع المصري جنبا إلى جنب مع الخدمات الثقافية، مثل مكتبة للقراءة، وسهرات مفتوحة على كورنيش المدينة مع الفنانين، على رصيف كورنيش حي بحري بالإسكندرية. استمر المشروع لبضعة أشهر حقق فيها نجاحا ملموسا، قبل تعليق المشروع لظروف الشارع المصري غير المستقرة في ذلك الحين».
قرر الفنانون الشباب استعادة تراث «مقهى صيام»، الذي كان ملاذا لكبار الفنانين الإسكندرانيين، وعلى رأسهم سيف وأدهم وانلي، وعدد من الشعراء والموسيقيين الإسكندرانيين، فقاموا بتحسين المرافق والخدمات ونظام الإدارة بالمكان، وعرضت مؤسسة «انعكاس لفنون التدريب والتنمية» التعاون والغطاء القانوني لدعم المبادرة وتحويلها إلى مشروع قابل الاستدامة.
يتكون فريق عمل مشروع «رصيف صيام» من سبعة فنانين شباب، هم: أحمد شوقي، وأسامة الهواري، ومنة ماهر، وشادي عماد، وأنطون عياد، وأشرف الصويني، ومروة عامر. قام الفريق ببرمجة وتنفيذ عشرين فعالية فنية منذ إطلاق المشروع بشكل رسمي في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي وحتى الآن.
وكان الدافع المحرك لهؤلاء الشباب ما يتسم به المشهد الفني والثقافي المصري من سلبيات أصبحت معها الممارسات الإبداعية، خصوصا الجادة والجديدة، شبه نادرة. ويشير الهواري إلى أن أبرز هذه السلبيات تتمثل في «تقلص المساحات الثقافية المتاحة، وتراجع الجمهور عن ارتياد المساحات القليلة المتبقية، فضلا عن سيادة سياسات التصنيف والانتقائية والأحكام المسبقة على طريقة المساحات المتاحة في اختيار برامجها. هذا إلى جانب عدم قدرة المشهد الثقافي على خلق ألفة بين الإبداع المستقل (الأندرجراوند) وجمهوره في الشارع».
يسعى «رصيف صيام» لتوظيف وتحويل مساحات موجودة في الشارع أو قريبة منه إلى أماكن صالحة لتقديم فعاليات ثقافية وفنية مستدامة، ومنها: الحدائق، والمحال التجارية، والميادين. يشير الهواري إلى أننا «نحاول صناعة نقاط بديلة متعددة للاتصال المباشر بين المبدع والجمهور، يتوافر فيها أكبر قدر من حرية الإبداع والتلقي. والإسهام في تحفيز كل أطراف العملية الإبداعية على تقبل ثقافة الاختلاف، والتعاطي مع الآخر دون استخدام للأحكام الجاهزة والأفكار المسبقة. وأيضا تكوين شبكة من الفنانين المستقلين يمكن من خلالها تهيئة فرص التعارف والتعاون والإنتاج».
وحول تقبل رواد المقهى لعروضهم الثقافية، قال: «في البداية شعرنا بوجود حاجز بيننا وبينهم، خصوصا كبار السن الذين كانت تصيبهم الدهشة مما نقدمه. بمرور الوقت حاولنا التقرب منهم ببعض الفقرات الموسيقية الطربية، فبدأ الحاجز النفسي في التلاشي، ووجدنا استجابة لباقي الفعاليات، وبالأساس نحن نستهدف جمهور المارة من الجنسين بالحيز الجغرافي المحيط بالمقهى، وهي الفئات العمرية من 18 حتى 45 سنة ما لم تكن هناك فعالية مخصصة لفئة عمرية بعينها».
ونظرا لضعف الإمكانات المادية، لا يقوم «رصيف صيام» بالاستعانة بالوسائل الدعائية، بل يعتمد على الدعاية المباشرة من خلال العروض الحية أمام جمهور المارة، وأحيانا تعلق ملصقات دعائية في النطاق الجغرافي للمقهى، مثل بعض المقاهي المجاورة ومحطات المواصلات العامة، ومداخل البنايات، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعد مجسات للتعرف على ردود أفعال الجمهور على أنشطة «الرصيف».
وحول العقبات والتحديات التي يواجهها «رصيف صيام» يوضح الهواري أن «التضييقات الأمنية وصعوبة استخراج التصاريح الخاصة بإقامة الفعاليات الثقافية تحد من نشاط المشروع، فقد كان طموحنا أن نقوم بتقديم العروض في الشوارع وفي مناطق مختلفة من مدينة الإسكندرية، وتأتي مسألة التمويل المادي بوصفها عقبة ثانية في مواجهتنا، فجميع الفنانين المشاركين يقومون بتقديم أعمالهم بشكل تطوعي في مقابل تواصلهم مع الجمهور ونشر فنهم».
لكن بحماس شديد قال: «هذا الصيف سوف نقوم بعمل عربات للفن تجوب شوارع المدينة تقدم المأكولات والمشروبات الخفيفة أو (أكلات الشارع) المصري، إلى جانب عروض الفنون الأدائية على كورنيش الإسكندرية لمخاطبة أهل المدينة وزوارها من المصطافين».
«رصيف صيام».. من مقهى إلى مركز ثقافي في الإسكندرية
مساحة بديلة للشباب لتقديم الإبداع والتفاعل المباشر مع الجمهور
من فعاليات «رصيف صيام»
«رصيف صيام».. من مقهى إلى مركز ثقافي في الإسكندرية
من فعاليات «رصيف صيام»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

