ليبيا.. معضلة اسمها الغويل

«حكومة الإنقاذ» في طرابلس تواجه «حكومة التوافق»

ليبيا.. معضلة اسمها الغويل
TT

ليبيا.. معضلة اسمها الغويل

ليبيا.. معضلة اسمها الغويل

تعكس قرارات منسوبة إلى خليفة الغويل، رئيس حكومة الإنقاذ الليبية، حالة ارتباك في المسار السياسي الذي تمر به البلاد، خصوصًا بعد وصول المجلس الرئاسي لـ«حكومة التوافق الوطني» برئاسة فايز السراج، إلى العاصمة أواخر الشهر الماضي. وللعلم، حكومة الغويل تباشر أعمالها من العاصمة طرابلس منذ صيف 2014، وهي غير معترف بها دوليًا، لكنها تعتمد في شرعيتها على «المؤتمر الوطني العام» المنتهية ولايته. وتحميها عدة ميليشيات.
الغويل من مدينة مصراتة، بيد أن عددًا كبيرًا من قادة هذه المدينة أصبحوا يقفون مع السراج. وحين اعتزم «المجلس الرئاسي»، المدعوم من أطراف دولية، دخول طرابلس، أغلقت جماعة الغويل مطار امعيتيقة الجوي في المدينة، لكن السراج تمكن من الدخول عبر البحر آتيًا من تونس. وهنا زاد الغويل من تحذيراته ودعا «رئيس المجلس الرئاسي» ومن معه إلى مغادرة العاصمة، والعودة من حيث أتوا. لكن بعد ذلك، أي يوم 5 أبريل (نيسان) الحالي، صدر بيان موقَّع عليه من حكومة الغويل تقول فيه إنها قرّرت التخلي عن السلطة.

لقد اعتقد البعض أن خليفة الغويل، رئيس ما يعرف بـ«حكومة الإنقاذ» الليبية، كان يقصد ببيان إعلان تخليه و«حكومته» عن السلطة تسليم السلطة لغريمه السياسي فايز السراج. إلا أنه كانت هناك ملاحظتان على البيان الصادر من حكومته. الملاحظة الأولى أنه لم يكن ممهورًا بإمضاء الغويل كما هو معتاد. الثانية أن البيان لم يتضمن أي كلام صريح عن تسليم السلطة للسرّاج، لكنه قال: «نُخْلِي مسؤوليتنا، ونبرأ أمام الله تعالى أولا، ثم أمام أبناء شعبنا الكريم، من أي تطورات قد تحدث مستقبلا».
هذه لغة فسَّرها البعض هنا على أنها تشير إلى وجود خلافات ما، تجري في الخفاء. لكن الغويل قطع طريق التكهنات، وظهر في الواجهة مجددًا، بقوله إنه لا علاقة له ببيان التخلي عن السلطة المنسوب لحكومته، وإنه مستمر في عمله.
بعض القادة المحبَطين في العاصمة يتداولون مثلا يقول إنه حين تتعرض للهزيمة عليك أن تتفحص، أولا، المحيطين بك. ومع ذلك توجد مخاوف من تحركات غير محسوبة من جانب زعماء أُخذوا على حين غرة.
* من هو الغويل؟
تبدو شخصية الغويل، أمام متغيرات سريعة مرت على طرابلس خلال الأيام القليلة الماضية، شخصية «رجل حالم»، كما يصفه أحد أنصاره.. قائد لم يتوقع أن يكون كثير من مساعديه المقربين منه، يعملون، في الخفاء، مع خصومه. مثلا كانت توجد مؤشرات لدى قائد لواء الصمود، أحد الأولية التي تعتمد عليها حكومة الغويل، بأن زعماء لميليشيات تابعة للواء، تعمل بطريقة مريبة، وقد تنحاز للسراج. حين جاء أعضاء المجلس الرئاسي كانت هذه الميليشيا تطلق النار ابتهاجا.
ويقول أحد مساعدي الغويل المخلصين إنه حين أعلن رفضه دخول السراج لطرابلس، كان يعتقد أن غالبية القوات ما زالت بين يديه، ميليشيات موالية له تسيطر على مطار امعيتيقة وتسيطر على الشوارع وعلى البحر.. استمر على هذه الثقة أكثر من ثلاثة أيام، رغم الاضطراب المفاجئ في مواقع الميليشيات.
حتى قادة في ميليشيات مصراتة ممن تربوا تحت رعايته، رفعوا فوهات البنادق ضد حكومته، وسارعوا بمبايعة خصمه السراج. لكن كان لدى الغويل أوراق جديدة يمكن بها الضغط والتأثير في قواعد اللعبة. وهذا ما ظهر فيما بعد.
في الساعات الأولى من تحرك السراج ناحية العاصمة، ظهرت سيارات الـ«جي إم سي» السوداء في شارع السكة المهم في طرابلس، وفيها عناصر من قوات أجنبية مجهزة.. «ماذا يفعلون؟ لا أحد يعرف بدقة!». هكذا يفيد مصدر في لجنة المراقبة العسكرية.
ساد اعتقاد بأن القوات الدولية أرسلت رجالها للقبض على الشخصيات التي ترفض الاتفاق السياسي وتعرقل عمل مجلس السراج السياسي. خلال ذلك كانت الغيوم تَحُول دون رؤية واضحة لما يجري على الأرض. كانت هناك أيضًا عناصر من شركات أمن غربية تتواصل مع قادة ميليشيات في أزقة طرابلس.
هذا يعني أن كل من كان يضع خطة معينة بشأن تمركزات القوة ينبغي أن يعيد حساباته سريعًا. كان بعض وزراء الغويل يجدون صعوبة في المرور من الطرق نفسها التي كانوا يعبرون منها طيلة الشهور الماضية إلى مقار الوزارات. أصبحت مغلقة. لمدة نحو أربعة أيام استمر رجل «حكومة الإنقاذ» في إلقاء الخطب كقائد واثق في أتباعه.
تكرّر الأمر حتى بعد دخول رئيس المجلس الرئاسي إلى القاعدة البحرية على شواطئ العاصمة. وبينما قام بتهديد السراج ودعاه لمغادرة المدينة فورا، كان عدة قادة، ممن يعتمد عليهم الغويل، يهيئون الأجواء للمجلس الرئاسي نفسه. ويغيرون الولاء، وكأن الأمور أُعدَّت سلفا ليوم استقبال حكومة التوافق.
* سيرة شخصية
الغويل مقرّب من جماعة الإخوان. وهو أحد أبناء مدينة مصراتة الثرية التي تبعد عن طرابلس شرقًا بنحو مائتي كيلومتر. إنها المدينة نفسها التي تقع على البحر المتوسط وينتمي إليها الكثير من قادة الميليشيات والكتائب، وكثرة من زعماء السلطة غير المعترف بها دوليًا (حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني العام)، بالإضافة إلى ضباط كُثُر على رأس جهاز الاستخبارات.
تخرَّج الغويل في كلية الهندسة في مدينة بنغازي عام 1986. وانخرط منذ وقت مبكر في العمل في القطاع الخاص، وحق نجاحات رغم هبوب عاصفة العقوبات الدولية التي ضربت نظام معمر القذافي في مطلع التسعينات واستمرت لمدة عشر سنوات.
ومع بداية الانتفاضة الشعبية المسلّحة التي دعمها حلف شمال الأطلسي (الناتو) للتخلص من القذافي، في 2011، لم يبخل الغويل على «الثوار» وعلى «الثورة»، وقدّم ما يستطيع من دعم للإطاحة بالنظام القديم. ومن ثم اختير ليكون من بين القيادات الرسمية في مجلس إدارة مدينته، مصراتة.
وهنا يقول أحد قيادات هذه المدينة إن الغويل كان من بين الشخصيات التي شعرت بالظلم بسبب خلوّ الحكومات التي جاءت بعد القذافي من أي تمثيل قوي وحقيقي لمصراتة.. معتبرًا أن «معظم الحكام الجدد كانوا من الشرق». والحقيقة أن أكثر رجال مصراتة المعنيين هنا هم من الموالين لجماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة»، أو المتعاطفين معهما. وكان معظمهم يدير الأمور من وراء ستار.. يحتفظ بعلاقات جيدة مع ممثلين دوليين من الأمم المتحدة ومن عدة سفارات غربية. لا يفضل كثير منهم الظهور في الواجهة، بمن فيهم الغويل.
بدأ التفكير الجدّي في إنهاء حكم الميليشيات ونزع السلاح من أيدي الكتائب غير النظامية، على يد رئيس الحكومة الأسبق الدكتور علي زيدان منذ أواخر عام 2013. من هنا بدأت ليبيا تنقسم على نفسها. وقتها رأي الغويل أن البلاد أصبحت في مفترق طرق حقيقي، خصوصا في الأيام الأخيرة من حكومة زيدان.. أي في الربع الأول من عام 2014.
وبمرور الشهور تغيرت الحكومة، وجاء عبد الله الثني على رأس «حكومة مؤقتة»، ليتولى مقاليد السلطة التنفيذية. ظهرت ضغوط على المؤتمر الوطني (البرلمان السابق) برئاسة ابن مدينة زوارة، نوري أبو سهمين، لكي يسلم السلطة للبرلمان الجديد برئاسة عقيلة صالح، ابن مدينة البيضاء.
حدث هذا بينما كانت غالبية القوة التي تتحكم بطرابلس تتكون من كتائب وميليشيات الزنتان.. هذه القوة كانت تميل إلى برلمان صالح، وحكومة الثني وتكره ميليشيات مصراتة. وبعدها، حصل صالح والثني على دعم قوي من الجيش الوطني الذي جمع شتاته الفريق أول خليفة حفتر. وكل هذا التكتل الذي انتقل معظمه للعمل من المناطق الشرقية من البلاد بدأ يتعامل مع فريق طرابلس برمته على أنه «زمرة مؤيدة للمتطرفين».
* المواجهة.. والمتواجهون
هنا شمر الغويل عن ساعديه من جديد، مع كثير من قادة مصراتة، وبدأوا خطة للعمل على «توحيد البلاد» و«حماية ثورة 17 فبراير من خصومها ومن الراغبين في الانقلاب عليها». بهذا وجد قادة مصراتة أنفسهم في تحالف قوي وواسع مع خصوم الجيش.. أي مع باقي الميليشيات المتطرفة في العاصمة وفي عدة مدن أخرى، منها درنة وبنغازي وسبها.
من هذا الخليط تشكلت قوات «فجر ليبيا». خاضت القوات معركة مطار طرابلس الدولي الشهيرة التي أدت لإحراقه بما فيه من طائرات. وجرى إنهاض المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، وتشكيل حكومة أطلق عليها «حكومة الإنقاذ»، ترأسها في أول الأمر عمر الحاسي، القريب من جماعة الإخوان. وبدأت الحرب تنتقل من العاصمة لتمسك بأطراف الثوب من الجنوب ومن الشرق.
وكان الغويل يراقب وينتظر ما ستسفر عنه التطورات، بينما الجدل يدور في مصراتة عن جدوى التحالف مع المتطرفين والدخول في اقتتال مع زعماء الشرق، بدلاً من البحث عن حلول سياسية معهم. لكن هذا الصوت كان بعيدا، وغير واضح تحت دوي المدافع.
اعتمد مجلس حرب طرابلس، أي «قوات فجر ليبيا» والمتحالفين معها، على «مجالس ثوار المدن» في قتال الجيش والشرطة والبرلمان. كل مجلس ثوار كان يضم خليطًا من جماعة الإخوان ومن «الجماعة الليبية المقاتلة» ومن تنظيم أنصار الشريعة المصنف عالميًا تنظيمًا إرهابيًا. حين أعلن تنظيم أنصار الشريعة موالاة «داعش»، ظهرت مشكلة، وهي أن خطب الحاسي، بشأن الاستمرار في دعم «مجالس ثوار المدن» لم تعد تصلح، من مسؤول حكومي، أمام المجتمع الدولي.
* إلى القمة
وبدأ البحث عن رجل يخلف الحاسي. وقع الاختيار على الغويل الذي سبق ترشيحه، في صيف 2014، ليكون نائبا أول لوزير الدفاع في حكومة الإنقاذ. وجاء الغويل ليقود الحكومة غير المعترف بها دوليا، وبدأ في استخدام الوسائل السياسية لإصلاح ما يمكن إصلاحه، في ظل ظروف صعبة وتقاطعات متشابكة مع قادة ميليشيات. وبدلاً من الخطب الحربية، بدأ في ترديد كلام يصلح للتعاطي معه، مثل قوله إنه مع الحوار السياسي ومع المصالحة. ومع ذلك بدا أنه يعرف كيف يدافع عن تحالف طرابلس محليًا ودوليًا. وبدا أيضًا أنه يجيد، بلغته السلسة، تجميع الأنصار لكسب النقاط على حساب برلمان طبرق وحكومة الثاني وحفتر.
على الصعيد الدولي، تمكن منذ بداية 2015 من عقد لقاءات مع أطراف معتبرة وأرسل رسلاً إلى تونس والقاهرة وإلى بلدان أخرى للبحث عن مخرج، لكن تهور المتشددين في العاصمة، وعدم قدرتهم على إخفاء التحالف مع المتهمين بالإرهاب، ومع «داعش» أيضًا، كان يتسبب في كثير من الأحيان في إعادة طرح السؤال عن علاقة حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني بالمتطرفين عمومًا.
رغم لغة الغويل الأقل تشددا من خطب أعضاء في المؤتمر الوطني وفي الميليشيات، فإنه يبدو أنه كان من الصعب عليه وعلى المجموعة التي معه أن تنخرط، إلى النهاية، في حوار الصخيرات الذي يسعى لجمع الأفرقاء الليبيين.. «ماذا عن الثوار؟»، كان هذا من الأسئلة التي طرحها الغويل على المشاركين في التفاوض.
«وماذا عن دماء الشهداء؟».. هذا سؤال آخر. اتخذ الغويل موقفًا رافضًا للسرّاج، خصوصًا بعدما زار هذا الأخير برلمان طبرق، والفريق أول حفتر، وبعد أن نُقل عنه أنه أثنى على عمليات الجيش الوطني في شرق البلاد. «هذا يعني أن السراج ضد مجلس ثوار بنغازي وضد ثورة فبراير».
هكذا اقتنع كل من الغويل وأبو سهمين والمفتي الليبي المقيم في العاصمة، الصادق الغرياني، وعدد من قادة الميليشيات الأخرى.
طوال الشهرين الماضيين ظل الغويل يعمل من أجل السباحة إلى شط الأمان، بينما كان تيار المياه يجذبه إلى الجانب المعاكس.
الصفقات ظلت تُعقد في الخفاء. في الليل تتحرك السيارات بأمراء الحرب للقاء مندوبي حكومات أجنبية ووكلاء استخبارات غربية. كانت المؤشرات تقول إن هناك أشياء غير طبيعية تجري في العاصمة.
وتلقى الغويل عرضا بالرضوخ لحكومة السرّاج مقابل عدم إدراج اسمه في قوائم العقوبات الدولية، لكنه رفض الموافقة، بينما كان زملاء له، من «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة»، يدرسون هذا العرض مع قادة آخرين بعيدًا عنه. ومع ذلك، بدا أن الغويل لم يتنبه لكل هذه التطورات لعدة أيام.. أو أنه كان يؤجل اتخاذ موقف. ظل في المقابل يعمل كأن الدفة ما زالت بين يديه. يقول أحد مساعديه: «كانت لديه ثقة كبيرة في المحيطين به. لم يتصور أن العيب يمكن أن يأتي من أقرب المقربين له».
قبل دخول السرّاج إلى طرابلس بأسبوع، تحدث الغويل مع أحد كبار القيادات التي يعتمد عليها في طرابلس، عن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي عن العاصمة. الظلام وعدم وجود كهرباء يعني عدم وجود حياة. هذا أمر كان يزيد من الضغط على السكان ويدفعهم لمناهضة حكومة الغويل.
يكشف أحد مساعديه عن أن الغويل كان يناقش الأمر مع القيادي المشار إليه، على أساس أن مشكلة انقطاع الكهرباء مشكلة إدارية عادية تتعلق بتأخير مصرف ليبيا المركزي صرف المستحقات المخصّصة لشركة الكهرباء، بينما تبين فيما بعد أنها كانت خطة من خطط التمهيد للضغط على العاصمة من أجل القبول بدخول السرّاج. ويضيف أن «خطة خنق طرابلس» ظهر أنها شملت كذلك إفراغ المصارف من العملة الأجنبية ومن الرواتب، وإغلاق مخازن السلع التموينية وعرقلة عمل المراكز الطبية وسحب بطاقات شحن خطوط الهواتف الجوالة من منافذ البيع، وغيرها من إجراءات أصابت عموم سكان العاصمة بالإرهاق والغضب.
في خضم هذه الفوضى كان الغويل يحاول تهدئة أوضاع المدينة والتفكير في كيفية التصرف، إلى أن فوجئ، مثل كثيرين، بدخول السراج من البحر. الارتباك أصاب قادة في المؤتمر الوطني وفي الميليشيات، وانعكس على وزراء في حكومة الغويل، ونتج عن ذلك المزيد من التضارب في البيانات وفي الولاءات أيضًا.



هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
TT

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.

المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.

الإمساك بمفاتيح هرمز

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.

النفط وصناديق الاقتراع

الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.

هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.

غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.

ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.

إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».

حسابات جبهة لبنان

بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.

هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.

بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.

ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.

أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.

بغداد تبدّل معادلة النفوذ

الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.

واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.

لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.

بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.

اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.

في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.

«عض الأصابع»

وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.

مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.

أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.

لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.

إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام
TT

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

تعهّد آندي بيرنهام، الرئيس العتيد للحكومة البريطانية، بتشكيل حكومة تمثل مختلف أجنحة الحزب، واضعاً تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي ونقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى المناطق في صدارة أولوياته. ووفقاً للـ«بي بي سي»، سيكون بيرنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين لبريطانيا، وأول سياسي يقدّم هويته الشمالية باعتبارها جزءاً مركزياً من مشروعه منذ هارولد ويلسون في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بين ليفربول ومانشستر

وُلد آندرو موراي بيرنهام يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1970 في أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، لكنه نشأ في قرية كالتشيث الهادئة في مقاطعة تشيشير، الواقعة بين ليفربول ومانشستر، في منزل شديد الارتباط بحزب العمال.

والده كان مهندساً لدى شركة الاتصالات البريطانية «بي تي»، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبيب عام. وعُرف الوالدان مؤيدَين مخلصين لحزب العمال، ما جعل السياسة حاضرة في المنزل منذ طفولته. ويقول بيرنهام إن المسلسل التلفزيوني الذي بثته الـ«بي بي سي» بعنوان «بويز فروم ذا بلاكستاف»، وتناول البطالة والفقر في ليفربول، دفعه إلى الانضمام إلى حزب العمال وهو في الرابعة عشرة. كما كان للتوترات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت ثاتشر أثرٌ مبكر في تشكيل رؤيته السياسية.

الـ«بي بي سي» تصفه أيضاً بأنه كان طفلاً شديد التنافس ومولعاً بالرياضة؛ إذ لعب الكريكيت ضمن فريق مدارس لانكشاير، وظل حتى اليوم مشجّعاً مخلصاً لنادي إيفرتون لكرة القدم. وفي مدرسته الكاثوليكية المحلية، ترشّح ممثلاً لحزب العمال في انتخابات مدرسية تجريبية وفاز بفارق كبير.

من ناحية أخرى، كان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة. ولقد درس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج العريقة، مع أنه كتب لاحقاً في كتابه «هيد نورث» أنه وجد صعوبة في الشعور بالانتماء إلى الوسط الجامعي، ولازمه إحساس بأنه «دخيل» على بيئة يغلب عليها أبناء الطبقات الأكثر ثراءً ونفوذاً. لكن فرقاً موسيقية مثل «ذا سميثس» و«ذا ستون روزز»، خلقت عنده شعوراً بالهوية والثقة داخل الجامعة، حيث تعرّف إلى زوجته المستقبلية ماري فرانس فان هيل، المولودة في هولندا.

من الصحافة المتخصصة إلى قلب وستمنستر

بعد تخرّجه في كمبريدج، انتقل بيرنهام إلى لندن وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة، فعمل لفترة وجيزة في مجلات تجارية من بينها «تانك وورلد» و«باسنجر وورلد مانجمنت». وجاءت انطلاقته السياسية عندما عمل باحثاً لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جوويل، التي أصبحت لاحقاً من أبرز وزيرات حكومتي توني بلير وغوردون براون. ثم عمل مستشاراً لوزير الثقافة كريس سميث، ما وضعه في قلب مشروع «العمال الجديد» (نيو ليبر) الذي قاده بلير في تسعينات القرن الماضي.

ثم، عام 2001، انتُخب نائباً عن دائرة لي في منطقة «مانشستر الكبرى» (طوق ضواحي المدينة). وتدرج سريعاً داخل البرلمان، قبل أن يتولى مناصب وزارية صغرى في وزارة الداخلية ووزارة الصحة إبان عهد بلير.

ومع وصول غوردون براون إلى رئاسة الحكومة عام 2007، رُقّي بيرنهام إلى مجلس الوزراء، فعُيّن كبير أمناء الخزانة، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، وأخيراً وزيراً للصحة بين عامي 2009 و2010. وبرلمانياً، ظل نائباً عن دائرة لي من عام 2001 إلى عام 2017، قبل عودته أخيراً إلى مجلس العموم نائباً عن ميكرفيلد في يونيو (حزيران) الماضي.

هيلزبورو... «نقطة التحوّل»

يربط بيرنهام تحوّله السياسي الأعمق بحادثة وقعت في أبريل (نيسان) 2009، عندما حضر بصفته وزيراً للثقافة مراسم الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبورو في مدينة شفيلد، التي أودت بحياة 97 من مشجّعي نادي ليفربول عام 1989؛ إذ قوبلت كلمته في ملعب «آنفيلد» (معقل نادي ليفربول) بصيحات غاضبة من عائلات الضحايا والمشجعين المطالبين بتحقيق العدالة وكشف مسؤولية الشرطة والمؤسسات الرسمية عن الكارثة، بعدما تبنّت السلطات لسنوات رواية تلقي باللوم على الجماهير.

وبالفعل، ظل ملف هيلزبورو ملازماً لمسيرته. وبعد عودته إلى البرلمان هذا الصيف، شارك في الدفع نحو إقرار قانون يفرض واجباً قانونياً على المسؤولين والمؤسسات العامة بالإفصاح الصادق والتعاون مع التحقيقات، بهدف منع تكرار عمليات التستر الرسمية.

هزيمتان قبل انتزاع زعامة الحزب

بعد خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول محاولة لقيادة الحزب، دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين إعادة توزيع الثروة وتشجيع الطموح الفردي. لكنه حلّ رابعاً بين خمسة مرشحين، وفاز إد ميليباند يومذاك بالزعامة. وأمضى بيرنهام السنوات التالية في «حكومة الظل»، خصوصاً في ملف الصحة، وعمل على تعزيز العلاقة بين أعضاء الحزب والنقابات.

وعام 2015، جرّب حظّه مجدداً، وهذه المرة قدّم نفسه مرشحاً وسطياً وصديقاً لقطاع الأعمال. بل أطلق حملته من مقر شركة «إرنست آند يونغ»، معتبراً إن رجال الأعمال ينبغي أن يُعاملوا باعتبارهم من أبطال المجتمع، إلى جانب العاملين في التمريض. بيد أن حملته لم تصمد أمام موجة التأييد الواسع للقيادي اليساري جيريمي كوربن، وبالتالي، حلّ ثانياً بفارق كبير. ولكن، بعكس عدد كبير من شخصيات الجناحين الوسطي واليميني، قبل بيرنهام العمل تحت قيادة كوربن وتولّى منصب «وزير داخلية الظل». ورفض المشاركة في موجة الاستقالات التي استهدفت إسقاط كوربن عام 2016، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» (البريكست).

عمدة «مانشستر الكبرى»

عام 2017، ترك آندي بيرنهام مقعده البرلماني ليترشّح لمنصب أول عمدة منتخب لـ«مانشستر الكبرى» - إحدى التجمّعات الحضرية الثلاثة الأكبر في إنجلترا، مع «لندن الكبرى» والـ«ويست ميدلاندز» (قلبها مدينة برمنغهام)، عندما كانت تجربة قادة الحكم المحلي الإقليميين لا تزال جديدة وغير مضمونة النتائج. ويومذاك، فاز بيرنهام بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بهوامش أكبر. وساعد نجاحه في الانتخابات المحلية على ترسيخ سمعته بوصفه أحد أكثر السياسيين العماليين «قدرة على الفوز».

ومع أن المنصب لم يكن يتمتع بالصلاحيات التنفيذية الواسعة المتاحة لرئيس الحكومة أو حتى لرئيس بلدية لندن، فإن بيرنهام استثمر سلطته السياسية والشعبية لتحويله إلى مركز قوة، طارحاً نفسه مدافعاً عن المدن والمناطق التي يرى أن الحكومات المتعاقبة أهملتها. وكان أبرز إنجازاته إعادة الحافلات إلى الإدارة العامة، لتصبح «مانشستر الكبرى» أول منطقة في إنجلترا - خارج لندن - تستعيد التحكم في خدمات الحافلات بعد عقود من الخصخصة؛ إذ جُمعت خدمات الحافلات والترام ووسائل النقل الأخرى تحت هوية موحّدة باسم «بي نتوورك».

«ملك الشمال»

بلغت صورة بيرنهام الإقليمية ذروتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، عندما دخل في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون المحافظة بشأن القيود المفروضة على «مانشستر الكبرى»، وحجم الدعم المالي المقدّم للشركات والعاملين. واتّهم بيرنهام تلك الحكومة آنذاك بمعاملة شمال إنجلترا بـ«ازدراء»، ورفض قبول قيود صحية إضافية من دون تمويل كافٍ لحماية المتضررين. وظهر في مؤتمر صحافي متحدياً سياسات لندن، في مشهد أكسبه لقب «ملك الشمال»، المستوحى من مسلسل «صراع العروش».

ومنذ ذلك الوقت، بنى بيرنهام هويته على ثنائية واضحة: السياسي الذي يعرف وستمنستر من الداخل، لكنه يدّعي أنه تحرّر من ثقافتها؛ والرجل الذي شغل أعلى المناصب الوزارية، لكنه يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً للأماكن التي لا يكترث لها المركز.

من «البليرية» إلى اليسار

يصعب وضع آندي بيرنهام داخل خانة آيديولوجية محدّدة؛ إذ بدأ حياته السياسية داخل منظومة «العمال الجديد»، وعمل مع شخصيات بارزة مقرّبة من توني بلير، وتولى منصباً وزارياً في حكومته. وفي تلك المرحلة، كان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الوسط أو يمين الوسط داخل الحزب.

وبعدها ارتبط صعوده الوزاري بغوردون براون، الذي أدخله مجلس الوزراء ومنحه ثلاثة مناصب كبرى. وجمعت حملته عام 2010 بين إرث براون القائم على العدالة الاجتماعية، ولغة الطموح الفردي التي اشتهر بها بلير.

ثم عام 2015، عاد إلى طرح وسطي مؤيد للأعمال، قبل أن يقبل العمل تحت قيادة كوربن بعد هزيمته. وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «متقلّب» تتأرجح مواقفه مع اتجاه الرياح السياسية. لكن سنوات مانشستر منحته قاعدة سياسية أكثر اتساقاً. فقد تبنى الرقابة العامة على النقل، ودافع عن تأميم شركات المياه المتعثرة، وأيّد زيادة السيطرة العامة على الطاقة والمرافق الأساسية.

وبالتالي، يُصنّف بيرنهام اليوم غالباً ضمن «اليسار الناعم» للحزب: أكثر تدخلاً في الاقتصاد من ستارمر، وأقل راديكالية من يسار كوربن، مع نزعة محلية تركز على الخدمات والملكية العامة الجزئية أكثر مما تركز على الصراع الآيديولوجي.

تعميم «المانشسترية»

يقول بيرنهام إن أجندته في رئاسة الحكومة ستقوم على نقل ما يسميه «المانشسترية» إلى البلاد بأكملها؛ أي الجمع بين الاستثمار العام والخاص، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أكبر، ووضع الاحتياجات الإقليمية قبل حسابات المركز والحزب.

ولقد تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن التابعة للمجالس المحلية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإصلاح ضرائب الأعمال لإنعاش التجارة، ووضع التعليم التقني والأكاديمي على قدم المساواة، وتوسيع السيطرة العامة على المياه والطاقة والنقل والإسكان لتقليل تكاليف المعيشة. وتضم أولوياته أيضاً خفض فواتير الطاقة وأسعار القطارات، وتوفير وظائف وتدريب مهني أفضل للشباب، وإعادة بناء قطاعات صناعية في مجالات الدفاع والطاقة والغذاء والزراعة، إلى جانب استخدام الإنفاق العام لتحفيز استثمارات خاصة طويلة الأجل.

الاختبار الأكبر

لم يُقدّم بيرنهام بعدُ تفاصيل كاملة عن كيفية تمويل برنامجه، خصوصاً أنه وعد بتوسيع الاستثمار العام مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم رفع الضرائب الأساسية على العاملين. وبالتالي، سيجد نفسه أمام ملفات لم تختبرها تجربته المحلية، من الإنفاق الدفاعي والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحرب أوكرانيا والتوترات الشرق الأوسط. بعد خسارة العمال انتخابات عام 2010 ترشح بيرنهام لأول مرة لقيادة الحزب دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»


«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)
TT

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما مع تحول «10 داونينغ ستريت» إلى «باب دوّار» في مرحلة ما بعد مغادرة «الاتحاد الأوروبي» (البريكست). وفي ما يلي نظرة على رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على بريطانيا منذ استفتاء عام 2016.

ديفيد كاميرون: 0102 - 6102

أعلن ديفيد كاميرون استقالته في يونيو (حزيران) 2016، بعد يوم واحد من تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من «الاتحاد الأوروبي» في استفتاء مفصلي كان قد قاد حملة قوية ضد نتيجته. وكان كاميرون، الذي فاز بغالبية برلمانية في انتخابات عام 2015، قد دعا إلى إجراء الاستفتاء في محاولة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن علاقة بريطانيا بـ«الاتحاد». وانتهت ولايته بعد 6 سنوات و64 يوماً في رئاسة الحكومة.

كاميرون (آ ف ب)

تيريزا ماي: 6102 - 9102

خلفت تيريزا ماي، كاميرون، وتولّت مهمة التفاوض على صيغة خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي». وواجهت خطة ماي، التي حصلت على استحسان بروكسل، تمرّداً من بعض النواب المحافظين الذين رأوا أن مقترحها يُبقي بريطانيا داخل المجال الاقتصادي الأوروبي. وفي مايو (أيار) 2019، قدمت ماي استقالتها، واستمرت ولايتها 3 سنوات و12 يوماً.

بوريس جونسون: 9102 - 2202

وصل بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وأحد أبرز منتقدي ماي، إلى رئاسة الحكومة متعهّداً بإنجاز خروج حاسم من «الاتحاد الأوروبي». ونجح في التوصل إلى اتفاق «البريكست»، والإشراف على خروج بريطانيا رسمياً من «الاتحاد»، قبل أن يقود البلاد إبان جائحة «كوفيد - 19». لكن سلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية أطاحت به، في مقدمتها إقامة حفلات في «داونينغ ستريت» ومقار حكومية أخرى خلال فترات الإغلاق التي فرضتها حكومته على المواطنين لمكافحة الجائحة. واستمرت ولايته 3 سنوات و45 يوماً.

ليز تراس: 2202

خلفت ليز تراس، جونسون، لكنها أصبحت صاحبة أقصر ولاية في التاريخ البريطاني، واستقالت بعد 6 أسابيع فقط من تسلمها السلطة. وتراس قدّمت نفسها باعتبارها من أنصار تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخفيضات الضريبية، متعهدةً بإحداث تحوّل جذري في الاقتصاد البريطاني. لكن خطتها الاقتصادية تسببت في اضطرابات حادة في الأسواق، ودفعت الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، وأزمة حادّة في قطاع العقار. وهكذا استقالت بعد 50 يوماً فقط من دخولها «داونينغ ستريت».

ريشي سوناك: 2202 - 4202

حصل ريشي سوناك على دعم نواب حزب المحافظين لخلافة تراس، ودخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية، فضلاً عن كونه أصغر من تولى المنصب منذ نحو 200 سنة. واعتبر المحافظون سوناك أكثر كفاءة واستقراراً من تراس، لكن سنوات الاضطراب والانقسامات داخل الحزب كانت قد ألحقت أضراراً عميقة بشعبيته لدى الناخبين، وفق الـ«نيويورك تايمز». أيضاً لم ينجح سوناك في تحسين موقع الحزب في استطلاعات الرأي، ودعا بعد نحو عام ونصف العام في الحكم إلى انتخابات عامة أُجريت في يوليو (تموز) 2024. ومُني المحافظون فيها بأكبر هزيمة انتخابية عبر تاريخ حزبهم الممتد لنحو قرنين. واستمرت ولاية سوناك سنة و255 يوماً.

ستارمر (آ ف ب)

كير ستارمر: 4202 - 6202

وصل كير ستارمر إلى السلطة عقب فوز ساحق لحزب العمال في انتخابات عام 2024، متعهداً بإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة المنهكة، واستعادة ثقة البريطانيين بالسياسة. لكن فوز العمال لم يؤدِ إلى مرحلة الاستقرار التي وعد بها. إذ واجهت حكومته انقسامات داخلية متزايدة، وتراجعت شعبية العمال بصورة حادة بعد أقل من سنتين على فوزه الانتخابي الكبير، فقرر الاستقالة بعد تصاعد الضغط عليه عقب الخسائر التي تكبّدها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو (أيار) 2026.