الشعر.. في العاصفة

عزمي عبد الوهاب اتخذ منها رمزية فنية تمتزج فيها مشاعر من الخوف والقلق

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

الشعر.. في العاصفة

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

أي عاصفة يقصدها الشاعر عزمي عبد الوهاب في ديوانه «يمشي في العاصفة» الصادر حديثا عن دار «آفاق» بالقاهرة، ثم «هل يعني ذلك أن العاصفة هي سؤال الشاعر وقدره الذي يصعب الفكاك منه، سواء داخليا على المستوى النفسي، أو خارجيا في مواجهة عالم اهتزت فيه ثقة الشعر والشاعر معا؟».
تومض هذه الأسئلة بخفة في نصوص الديوان، ويستعير الشاعر دلالة العاصفة وزخمها في الطبيعة، ناسجا منها رمزية فنية موحية، تمتزج فيها مشاعر من الخوف والقلق، والبحث عن خلاص وملجأ، وفي الوقت نفسه الرغبة في البوح والهتك والمساءلة، وكأن العاصفة مثير سري، يستفز الحواس للذهاب إلى ما هو أبعد من اعتيادية الصورة والمشهد الشعري، حيث يحتمي الشاعر بنصه، بذاته العارية وصراخه في مواجهة عبث الواقع، متأملا مشهد حياته على مسرح أحلامه المنكسرة، المهزومة والمؤجلة، وكأنها خيوط متشابكة في لوحة شعرية سردية، لا انقطاع فيها بين الماضي والحاضر، بين الخيال والواقع، بين العاصفة والنص الشعري نفسه.
مائة صفحة من القطع المتوسط، وأربعة عناوين رئيسية، في ظلالها يحاور الشاعر نفسه، يعتصرها بحدة، فيما تبدو النصوص وكأنها مرايا مهشمة، يصارع وسط شظاياها كابوسا قاتلا من الوحدة والفقد، والشعور الدائم بالإحباط والفشل، واللاجدوى.
تراوح هذه المفاتيح بين القصيدة ذات النفس الطويل، والقصيدة القصيرة ذات النفس الخاطف، مما يمنح عالم الرؤية في الديوان زوايا ومساقط اكتشاف وتكشُّف متنوعة. ويتحرك النفَسَان في خط درامي متشابك الأبعاد والرؤى، مشدودا دائما إلى نقطة البداية، وهي نقطة نائية وجارحة معا، يتناوب عليها إيقاع الحلم والذاكرة، ويختلط فيها الحنين بالألم.
تتراءى هذه النقطة أحيانا في مناخات الطفولة، طفولة القلب والعشق والطبيعة، وتبدو أليفة ودافئة في صورة الأب والأم، لكنها تصبح أكثر حدة وقسوة في صورة الحبيبة العشيقة والتي يقارنها الشاعر بالرصاصة الغادرة قائلا: «الرصاصةُ التي قد تأتي في الظهر/ لأسباب غير منطقية/ أكثر رحمةً/ من انسحابك المقررِ سلفًا/ فلا تبحثي عن مبررات للغضب»، وعل العكس من ذلك يحنو الشاعر على المرأة ويتعاطف مع آلامها، موجها اللوم إلى القصيدة، قائلا «فلتذهب القصيدةُ إلى الجحيم / ما دامت لم تدفئ غرفة امرأة في الشتاء / هذه القصيدة سيعذبها الله كثيرا / لأنها نامت في أوراق شاعر / وتركت امرأة تتعذب في برد الوحدة».
هذه المسافة التي تفصل بين ما يخص الذات والأشياء، إحدى العلامات الفنية المهمة في الديوان، وبيقظة حواس طازجة استطاع الشاعر أن يحفظ لهذه المسافة قدرا عاليا من الشفافية، فأصبحت بمثابة جسر يربط ويفرق بين الاثنين معا، كاشفا عن جدلية خاصة بهما، فلا الذات تخفي الأشياء في حراكها واشتباكها مع العالم ولا الأشياء تخفي الذات، وإنما كلاهما نافذة مفتوحة بحيوية على الآخر، تملك حرية الذهاب والإياب منه وإليه، بقوة النص نفسه، وما يفرزه في نسيجه من اشتباكات وتقاطعات ودلالات وتجاوزات على مستويي الشكل والمضمون.
ينعكس هذا المناخ على طبيعة اللغة في الديوان، فهي لغة تتوخى النصوع، غير ملتوية، ليس بها نتوءات ولا تعرجات، تصل إلى المعنى بسلاسة، وتحيله إلى ما يخصها، تارة في شكل مفارقة فنية، أو حزمة معينة من الدلالات والرموز، وتارة أخرى بالوقوف على حافة الحكاية والإيهام بها، باعتبارها تمثل تقطيرا لعلاقة الذات بالزمن، سواء في بعده الواقعي أو المتخيل، كما أنها تتيح للذات الشاعرة مساحة رحبة إنسانيا لتفجير الأسئلة والحوار، وفي الوقت نفسه، التوغل في عتمة الحاضر عبر استحضار الغائب المهمش، ووضعه في دائرة الضوء بعلاقات وإيقاعات شعرية، تنتفي فيها الفواصل بين الحاكي والمحكي عنه، وكأنهما عجينة واحدة.
يتجسد هذا الملمح على نحو لافت في القصيدة التي وسمت عنوان الديوان، ويقول فيها الشاعر:
«ربما تعرفين معنى أن يمشي رجل في العاصفة وحيدا
دون يد، تمسح الغبار عن روحه المتسخة بالمطر
أنت الآن نائمة في دهاليزك السرية
فامنحي تلك القصيدة العجوز
فرصة أن تلوك سنوات عمرك
كوحش
يقتلع مدينة ساحلية من جذورها
ويعلقها في الهواء
بين صدره وقائمتيه الأماميتين
ليت روحه تخف
ليت الطاقة الشريرة
التي يدعيها لنفسه كانت حقيقية».
هذا التمني الذي يناوش الحقيقة بكل ثقلها وخفتها، يتبلور أحيانا عبر جمل مركزية ذات مقومات سردية، تتصدر بداية قصائد أساسية بالديوان، كتلة للتشكيل ونواة للإيقاع، مثل (سأحكي لك كثيرا / سأحكي عن الثورة.. أو: اتركيه لحاله يا حنين). تفوح من هذه الجمل رائحة الرسائل الخاصة، كما تمتزج في نجواها ودلالاتها طبيعة الحب مشرّبا بغلالة إيروسية شفيفة، أيضا يومض الواقع والحياة اليومية بأقنعتها السياسية وغيرها.
هكذا يتعامل الشاعر مع ماضيه، فهو الحاضر بقوة في علاقة عاطفية لم ينته غبارها بعد، وفي مشهد ثورة تعثرت خطاها في دروب الحرية، لكن يبقى ما يوحّد بينهما شعريا وفكريا، أن كليهما (الثورة والحبيبة) لم يستوعبا تعارضات الجسد والروح، لم يمنحاها فرصة النمو بحرية، بعيدا عن خمائر التكيف والإذعان ونصب الفخاخ، بحجة البحث عن حقيقة مضللة وكاذبة.. لذا، لم يبق أمام الشاعر سوى أن يرثي الاثنين معا، بل يسخر منهما أحيانا، وكأنهما صدى لصرخة وحلم لم يتنفسا هواءً حقيقيا.
واللافت أيضا أن الديوان يتمثل هذه العلاقة باعتبارها ظلا ليقين مبتور ومشوَّه، وصرخة عاتية، أصبحت مادة للاستهلاك والثرثرة، قائلا في قصيدته «لرجل حمل البحرَ على كتفيه»، والتي يفتتح بها الديوان:
«الأشجارُ تكره الوقوف
العصافيرُ قتلها الصمت
القطارات ماتت انتظارا في المحطات
الهواتف لا تنقل الكلامَ بين المحبين
المحبون حبسوا البهجةَ في عيونهم
المراهقون بحثوا عن حديقة مناسبة للغرام
وتجمّدوا في مقاعدهم
تركوا بينهم مسافاتٍ يجرِّب فيها الهواءُ سطوته
البردُ أكل أطراف الرجال
النساءُ استسلمن في معركة غير متكافئة مع الوحدة
حتى الأطفال شاخت براءتهم
كل شيء أصابه الخرس».
صور متلاحقة تشبه ضربات فرشاة في لوحة تشكيلية تشير إلى «طبيعة صامتة»، وصمت يتحول في النص إلى طبيعة مقموعة ومغدورة، ترفده دلالة العنوان الفرعي للنص «متحف الشمع»، وجمل اسمية لا تكف عن إثبات هذا اليقين المبتور، وفي الوقت نفسه، تشف في ظلال الصور محاولة حثيثة لـ«الأنا» و«النحن»، بحثا عن نقطة ضوء لتثبيت أقدامهما الممزقة حتى لا تنزلق في هوة النسيان، وتصبح الحكاية مجرد قشرة لحلم فارغ من المعنى، تروى من قبيل البحث عن مرثية ضائعة، لأزمة وطن، سرقوا منه ثورته في وضح النهار.
يجسد الشاعر هذا المشهد في قصيدته الطويلة بعنوان «سأحكي لك كثيرا» قائلا:
«سأحكي
عن الثورة التي سرقت من ميدان التحرير
لأن الأشجار لا تكبر في الصحراء
وأعمدة الكهرباء لا تصدق غناء الطيور
ولأن رجلًا مهزومًا
أيقن أن الأبدية شيء مستحيل
أخذ يحكي هاربًا
في أحاديث الثورة
ولماذا يكره الإخوان والسلفيين
ولأن شيئًا انطفأ في روحه
لم يعد قادرًا على الطيران
وستبقين صامتة كبحيرة مهجورة
وأنت بكامل ملابسك تمامًا
وأنا بكامل الحمى والهذيان
لا أعرف كيف أعود إلى بيتي
عاريًا هكذا!».
من ثم، يوحد عزمي عبد الوهاب بين فكرة الشعر وفكرة الحياة، سواء على مستوى الخاص والعام.. ويرى أن الوجه الأمثل للحقيقة هو الجهر بها، أيا كانت: صورة باهتة على جدار العاطفة، أو محاولة للبحث عن إغراءات أخرى للشعر والحياة، أو الفرح بالعثور على شذرات لقصيدة عصية، لا تقبل التناسخ فوق حوائط اللغة والتاريخ.. لذلك، لا مناص عن المغامرة، عن المشي في العاصفة، حتى تمارس انقلابك على ذاتك، على العالم، قبل أن ينقلب هو عليك، وتتحول دوائر الوعي واللاوعي، من محاولة للإمكان والفهم، إلى متاهة سرمدية في كون أصبح محفوفا بمخاطر لا حد لها من الوجع والاستلاب.. يعي الشاعر ذلك، ويربطه بوجه الحقيقة الهارب، ويحاول أن يجد له تفسيرا أو معادلا شعريا، وهو ما نحسه في ختام قصيدته «اتركيه.. لحاله يا حنين»، حيث يصبح الحبيبة، هو نفسه سؤال الحقيقة والحلم والوطن والحرية، قائلا:
«متى تكونين حقيقية يا حنين؟
- عندما تريدني امرأتكَ
اذهبي .. يا حنين
فالجمل التي لا محل لها من الإعراب
تباع في الدكاكين، وتصنع كتبا مصيرها الحريق
والرجال المحشوُّون بالقش مرميون على قارعة الطريق
اذهبي.. يا حنين».
يبقى أن أقول في هذه الإطلالة على عالم هذا الديوان، وبتحريض من مناخاته الثرية، «إن الشعر سيفشل دائما في أن يكتب الثورة، إن لم يعشها أولا في داخله، كما أنه من الصعب أن يشكل وعاءً لخبراتنا وتجاربنا وعواطفنا الشخصية، إن لم يعلمنا كيف نثور على أنفسنا.. حينئذ يحق لنا أن نقول، نحن شجرة الشعر، شجرة الجمال والحرية».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».