«داعش» تفخخ شوارع الفلوجة تحسبا لاقتحامها

صور تؤكد تورط الجيش العراقي في التمثيل بجثث مسلحين

صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)
صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)
TT

«داعش» تفخخ شوارع الفلوجة تحسبا لاقتحامها

صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)
صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)

علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مطلع داخل مدينة الفلوجة أن «مسلحي تنظيم داعش ومن يقف معهم من بعض الفصائل المسلحة ومجلس العشائر العسكري قاموا بتفخيخ بعض شوارع الفلوجة الرئيسية والكثير من المنازل داخل المدينة وذلك بعد سماعهم معلومات عن احتمال قيام الجيش العراقي باقتحام المدينة خلال الأيام القليلة القادمة». وقال المصدر الذي طلب عدم الإشارة إلى اسمه أن «المسلحين نصبوا نقاط تفتيش (سيطرات) داخل المدينة وغالبيتهم يرتدون الزي الأفغاني بمن فيهم العراقيون والعرب مع وضع شارات سوداء على رؤوسهم مكتوب عليها (لا إله إلا الله) وتحتوي كل نقطة على خمسة أفراد موزعين بين داعش والنصرة والمجلس العسكري وثوار العشائر من أجل تسيير شؤون الحياة اليومية في ظل غياب تام لأي مظهر من مظاهر الحكومة المحلية هناك».
وأكد المصدر المطلع أن «الفلوجة خارج إطار سيطرة الدولة تماما لهذا لا يوجد حل سوى الحل العسكري لا سيما أن كل الجهود التي بذلت طوال الفترة الماضية من قبل الكثير من الشيوخ والوجهاء وعلماء الدين في حمل المسلحين على الخروج منها عبر طرق آمنة باءت بالفشل». وفي سياق ذلك أقدمت قيادة عمليات سامراء على قطع الطريق الذي يعتمده عناصر تنظيم داعش لنقل الإمدادات والأفراد بين محافظتي نينوى والأنبار.
وقال بيان لوزارة الداخلية أمس إن «قوات من قيادة عمليات سامراء نفذت عمليات أمنية واسعة في المنطقة الصحراوية التي تستخدمها العناصر الإرهابية التابعة لداعش للانتقال بين محافظتي الأنبار ونينوى وتمكنت من تأمينها». وأضاف البيان أن «طيران الجيش والقوة الجوية يشاركان حاليا قيادة عمليات سامراء في تأمين المناطق ومنع عبور أي إرهابي بواسطة تكثيف الطلعات الجوية بالتنسيق المباشر مع قيادة عمليات سامراء». على صعيد متصل أعلن مصدر في قيادة عمليات الأنبار بأن 35 شخصا سقطوا بين قتيل وجريح بقصف لقوات الجيش على مناطق متفرقة من الفلوجة، (62 كم غرب بغداد). وقال المصدر في بيان صحافي أمس إن «قوات الجيش المتمركزة في معسكر طارق والمزرعة في محيط مدينة الفلوجة قصفت بالمدافع والدبابات وقذائف هاون مناطق زوبع والنعيمية شرق وجنوب مدينة الفلوجة، مما أسفر عن مقتل 15 شخصا وإصابة 20 آخرين بجروح متفاوتة بينهم أربعة أطفال وامرأة مع إلحاق أضرار مادية كبيرة بعدد من المنازل».
من جهته كشف نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار فالح العيساوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحل العسكري في الفلوجة بات يلوح في الأفق لا سيما بعد أن تمكنت الأجهزة الأمنية والعسكرية من بسط سيطرتها على معظم المناطق في الرمادي وبالتالي فإن بقاء الأوضاع في الفلوجة على ما هي عليه يشكل عامل عرقلة لخطط الدولة والحكومة المحلية أيضا في الشروع بما تم الاتفاق عليه على صعيد إعادة الإعمار والتعويضات وغيرها من القضايا».
وردا على سؤال بشأن الكيفية التي سيتم بموجبها حل أزمة الفلوجة عسكريا في ظل وجود المدنيين داخلها قال العيساوي بأن «النية تتجه لبناء مخيم لمن تبقى من أهالي الفلوجة في منطقة خارج المدينة بحيث تبقى خالية إلا من المسلحين وبالتالي تحصل عملية الاقتحام»، مشيرا إلى أن «أي اقتحام للمدينة بوجود المدنيين سيكون بمثابة كارثة إنسانية وهو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق».
وكان البرلمان العراقي ناقش أول من أمس الأوضاع الإنسانية لأهالي الأنبار. وطبقا لتقرير برلماني فإن نحو نصف مليون مواطن من أهالي محافظة الأنبار لا سيما من مدينتي الرمادي والفلوجة منتشرون في الكثير من المحافظات العراقية بما فيها محافظات إقليم كردستان ويعيشون أوضاعا صعبة. ويوصي التقرير الحكومة بزيادة التخصيصات المالية لوزارة الهجرة والمهجرين لتغطية الحاجات الأساسية للعوائل والعمل على شمول جميع العوائل بالمعونات والمساعدات وتقدر الحاجة بأكثر من مائة مليار دينار في استمرار الأزمة. ويضيف أن على الحكومة العمل على إطلاق رواتب الموظفين داخل المحافظة التي أعيقت بسبب إغلاق المصارف المتواجدة داخل المحافظة والعمل على تحويل تسلم المبالغ الخاصة بالرواتب إلى مصارف خارج محافظة الأنبار.

وفي سياق مختلف يظهر شريط الفيديو جثة رجل ملقاة على الأرض.. وطرف حبل يوثق قدمي صاحبها، بينما الطرف الآخر مثبت في مؤخرة سيارة همفي مدرعة.
وتجمع رجال بالزي العسكري العراقي بجوار السيارة. يحذر أحدهم من احتمال وجود قنبلة على الجثة ويناول آخر هاتف زميله الجوال الحديث ثم يقف فوق الجثة مبتسما ويرفع إبهامه بينما يلتقط الزميل صورة. تبدأ الهمفي بالتحرك في الصحراء وهي تجر من خلفها جثة القتيل.
ضابط بالشرطة الاتحادية العراقية هو الذي عرض على «رويترز» الأسبوع الماضي اللقطات القصيرة التي تصور جنودا بالجيش العراقي على ما يبدو يمثلون بجثة مقاتل من جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المنبثقة عن تنظيم سابق لـ«القاعدة» في العراق. قال الضابط الذي يقيم ويعمل في بغداد وله أصدقاء كثيرون يقاتلون الآن في محيط مدينة الرمادي السنية: «هذا الأمر عادي جدا. إن رجالنا يقتلون على أيدي (القاعدة). فلماذا لا نفعل نحن الشيء نفسه بهم. هذا دفاع عن النفس».
ويبدو بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر على إعلان رئيس الوزراء نوري المالكي الحرب على المسلحين التابعين لتنظيم القاعدة وأنصارهم من السنة في محافظة الأنبار بغرب البلاد، أن القتال تحول إلى سلسلة من الأعمال الوحشية، كثيرا ما تسجلها كاميرات المسلحين وجنود الجيش على السواء.
ويقول جنود إنهم أصبحوا طرفا في قتال بطيء وممتد مع «داعش» وفصائل سنية أخرى في مدينة الرمادي وفي محيط الفلوجة. وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 380 ألف شخص نزحوا عن ديارهم فرارا من القتال. ويبث المسلحون تسجيلات وصورا متواترة لإعدام الجنود الحكوميين وتعذيبهم. والآن، وحسبما يقول ضابط الشرطة وضابط بالجيش وآخر برتبة لواء وأحد أفراد القوات العراقية الخاصة، «بدأ بعض الجنود يردون بالمثل فينفذون عمليات إعدام دون محاكمة ويعذبون أعداءهم ويهينونهم ثم ينشرون صور أفعالهم على الإنترنت».
تقف الصور والروايات المروعة القادمة من الأنبار شاهدا على تأجج المشاعر الطائفية بالعراق. فقوات الأمن، التي يشكل الشيعة معظم أفرادها، وفصائل المسلحين ترى نفسها عادة عناصر فاعلة في معركة إقليمية وطائفية أكبر. والممارسات الوحشية تساهم بدورها في تعميق تلك الانقسامات وتزيد من خطر تحول المنطقة السنية بالعراق إلى ساحة معركة دائمة. وبات القتال بالفعل امتدادا للحرب الأهلية في سوريا. وأقر ضابط برتبة لواء في بغداد بأن بعض الجنود في وحدات مكافحة الإرهاب أو القوات الخاصة ينفذون حالات إعدام خارج نطاق القضاء، لكنه وصف هذا بأنه حالات فردية وعزاه إلى نقص تدريب الجنود الجدد الذين كان هناك تعجل في إحلالهم محل المصابين والقتلى من أبناء الجيش. وأضاف: «هذا رد فعل في الميدان لا أكثر ولا أقل». وطلب مثله مثل معظم المسؤولين العراقيين الذين تحدثوا إلى «رويترز» ألا يذكر اسمه. وقال: «هذا يحدث عادة عندما تكون هناك مواجهة عسكرية. يجهز الجنود على المسلحين الجرحى ويطلقون الرصاص عليهم عدة مرات تنفيسا عن غضبهم». ومضى قائلا إن آخر مرة علم فيها بوقوع أمر كهذا كانت قبل أسبوعين تقريبا في الخالدية قرب الرمادي، حيث قتل جنود من القوات الخاصة عددا من أفراد «داعش». لكن متحدثا باسم الفرقة الذهبية الخاصة، المكلفة مكافحة الإرهاب، نفى الروايات التي تشير إلى حالات إعدام خارج نطاق القضاء. وقال المتحدث صباح النعماني: «إن الادعاءات حول قتل إرهابيين غير مسلحين ادعاءات باطلة لا أساس لها من الصحة. أعتقد أن الانتصارات التي حققتها قواتنا قد أزعجت هؤلاء الذين يصدرون مثل هذه الاتهامات ويقومون بفبركة أفلام فيديو بطريقة تهدف إلى تشويه سمعة قواتنا الأمنية». وتابع بقوله: «نحن نقوم بمحاسبة جنودنا إذا ما قاموا بمخالفة أبسط قواعد الاشتباك. نحن لن نقبل بحصول أي مخالفات».
أما وزارة الداخلية التي تنتشر قوات من الشرطة الفيدرالية التي تعمل تحت إمرتها في الرمادي، فقالت لـ«رويترز» إنها تنظر في الأمر بجدية. وقال المتحدث باسمها سعد معن: «إن حصلت بعض الأخطاء أو إخلال بتطبيق معايير حقوق الإنسان خلال إحدى المعارك فلنضع في اعتبارنا أن هذا ليس نهجا وإنما هو أخطاء فردية، إن حصلت يخضع من يرتكبها للمحاسبة والتحقيق ويرسل إلى محكمة عسكرية».
وقال مسؤول بالسفارة الأميركية لدى إبلاغه بما تردد عن حالات الإعدام: «ينبغي التحقيق في هذه المزاعم وإن تأكدت فيجب محاسبة المسؤولين».
وعرض جندي من القوات الخاصة على «رويترز» خلال عطلة في بغداد هذا الشهر صورا على «فيسبوك» يقبل العسكريون العراقيون على الاطلاع عليها. وتظهر في الصور جثث قال إنها لقتلى من مسلحي تنظيم داعش في الرمادي. وكانت إحداها مضرجة بالدماء. وعلق شعار يقول: «الدعس على جرذان داعش القناصة». وقال الجندي: «أي إرهابي نقوم بأسره الآن نقتله في نفس المكان باستثناء ذلك الذي نريد التحقيق معه». وأضاف: «لقد شاهدت بنفسي العشرات يعدمون». وانتقل الجندي إلى صورة صديق له قتل بالرصاص في الرمادي ويظهر في الصورة مرتديا زي الجيش العراقي الأخضر. ورنا الجندي إلى الصورة في صمت. وقال إنه رأى 62 جنديا مقتولين ينقلون إلى بغداد في أحد الأسابيع و40 جنديا في الأسبوع التالي.
ولا يقل المسلحون الذين يقاتلون الحكومة وحشية. ففي تسجيل مصور بثه أنصار تنظيم داعش على الإنترنت ثم تداوله الجنود العراقيون الغاضبون ونشطاء مؤيدون للحكومة يظهر مسلح يصوب مسدسه فوق صف من الجنود الراكعين على الأرض. ويسمع صوت يقول: «اللهم تقبل هذه الأضحية».
ويجذب المسلح الزناد فيسقط جندي ويرتجف الآخرون. ويطلق المسلح النار من جديد ثم ينضم إليه مسلح آخر ثم ثالث ويطلقون النار على الجنود واحدا واحدا. ثم تعتم الشاشة. ويعتمد بعض الجنود العراقيين الآن الأساليب نفسها.
ويذكر لم تنشر الصور المرفقة بهذا التقرير لبشاعتها.



العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.


العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.