كيف سطرت هوليوود نهاية الرجل ـ البطل واستبدلته بوكيل

أفلام جديدة عن الإنسان المهدد

من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟  -  «الطريق»: اثنان أمام النهاية
من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟ - «الطريق»: اثنان أمام النهاية
TT

كيف سطرت هوليوود نهاية الرجل ـ البطل واستبدلته بوكيل

من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟  -  «الطريق»: اثنان أمام النهاية
من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟ - «الطريق»: اثنان أمام النهاية

اليوم ينطلق في بعض صالات أميركا فيلم بعنوان «وبائي» (Pandemic) ومثل الوباء سينتشر الفيلم بعد ذلك في عدد من الصالات الأوروبية مع تحذير للمشاهدين بأن الموضوع ربما كان أقسى من أن يتحمله من هم دون الثامنة عشرة أو فوق الثامنة والأربعين.
إنه فيلم عن انتشار وباء يمحو مدينة لوس أنجليس وقيام فريق مسلح بمحاولة إنقاذ الذين ما زالوا أحياء أو غير مصابين مما يقع نتيجة انتشار فيروس مجهول. هذا ما يضع هذا الفريق وسط مخاطر ناشئة عن أن المصابين به، وقد أصيبوا بلوثة خطرة أو أدركوا أنهم سيموتون لا محالة، انطلقوا إلى الشوارع يهدمونها ناشرين فوضى مطلقة.
إلى ذلك، الفيلم مروي من منظور «الشخص الأول». أي إن الكاميرا موضوعة بدل عيناه تنقل ما يراه وتلتفت حيث يلتفت وترى من زوايا النظر المنطقية. لا قطع لوجهات نظر من شخصيات أخرى.
هذا النمط ليس منتشرًا لكن الشهر الحالي يحتوي على فيلمين من متجانسين هما هذا الفيلم وفيلم أكشن عنوانه «هاردكور هنري» مُسرد أيضًا من وجهة نظر بطله. في العام 1948 ابتدع المخرج الأميركي دلمر ديفز فيلما من هذا النوع عنوانه «ممر داكن» (Dark Passage) حول رجل هارب من السجن بعدما حكم عليه لجريمة لم يرتكبها. لساعة إلا بضع دقائق لا نرى وجه الرجل مطلقًا (باستثناء لقطة تظهر صورته في صحيفة تعلن هربه)، فالعمل حتى لحظة الإفصاح عنه مروي من وجهة نظر صاحبه الملتزمة بما يراه هو. بعد ذلك يوافق على إجراء عملية جراحية يتم خلالها تركيب ملامح وأمارات جديدة. حينها فقط يصبح بمقدورنا أن نرى النسخة الجديدة من ذلك المجهول: همفري بوغارت.
* بلا مستقبل
لكن الانتماء الأقوى لفيلم «وبائي» ليس لتلك الأفلام القليلة التي التزمت بوجهة نظر بطلها وحده، بل بالسيل غير المنتهي من الأفلام التي تنبؤنا بمستقبل مقضي عليه بالنسبة للأرض. مستقبل لا إنسان ولا إنسانية فيه، أو أن البشر الصالحين الوحيدين هم قلّة من الذين بقوا على قيد الحياة وعليهم الآن مواجهة غالبية من البشر مصابين بجرثومات حولتهم إلى مخلوقات متوحشة.
لدينا «الحرب العالمية Z» الذي أنتجه وقام ببطولته براد بت ويجري الآن التحضير لتصوير جزء ثان هذا العام ليكون جاهزًا في العام المقبل.
قبله فيلمان بريطانيان مؤثران هما «بعد 28 يوم» لداني بويل (2002) و«بعد 28 أسبوع» لجوان كارلوس فرسناديللو (2007). ولدينا قبل كل هذا سلسلة أفلام جورج أ. روميرو التي انطلقت سنة 1968 بفيلم «ليلة الموتى الأحياء» واستكملت بملاحق وأجزاء مثل «فجر الموتى - الأحياء» و«يوم الموتى - الأحياء» عدا عن مجموعة كبيرة من الإعادات والأفلام التي روت القصص ذاتها تحت عناوين أخرى.
الطريق إلى إبادة الإنسان في هذه الأفلام هي تلك الجرثومة التي ستحول غالبية المواطنين إلى آكلي لحوم بشرية. موتى يسيرون بحثًا عن لحم نيئ لا يشبعون من تناوله. وإذا كانت طريقة الموت الوحيدة الناجعة في حكايات دراكولا القديمة هي غرز قلبه بصليب يرمز إلى الدين كخلاص فاعل، وفي حكايات الرجل - الذئب هي رصاصة فضية، فإن التخلص الوحيد من هذه المخلوقات المتوحشة هي برصاص يطلق على المخ.
لا يهم كيف يموتون في هذه الأفلام، بل كيف يولدون وينتشرون ما يهدد الأحياء الأصحاء بالموت أو بالتحول إلى زومبيز أيضًا. وبالنظر إلى ما انتشر من هذه الأفلام (بالمئات) فإنه لا يمكن سوى ضمها إلى مجموعة أكبر من الأفلام التي لا ترى في مستقبل الأرض سوى دمار كامل ونهاية حاسمة تحوّل الحضارات الاجتماعية والصناعية إلى أنقاض. في أفضل الأحوال، يُصيب الدمار المباني وأشكال المدن، لكن في أسوئها لا يبقى على ظهر الأرض إلا مجموعة من الأفراد منعزلين أو مجتمعين.
* دفاع عن النفس
هذا ما يصيب الإنسان في الأفلام الأخيرة من سلسلة «كوكب القردة» حيث الصراع بين القردة الكبيرة والإنسان يميل لصالح هذا الطرف حينا وذاك حينا آخر كل يهدد الآخر بالفناء (حاليًا يتم تصوير فيلم جديد من السلسلة بعنوان «الحرب لأجل كوكب القردة» مع وودي هارلسون وأندي سركيس في البطولة). وما يصيبه في سلسلة «ترانسفورمرز» ولو أن الأعداء هم مصنوعات ميكانيكية ذات حياة مستوردة من كواكب معادية.
وفي مسلسلات الكوميكس فإن الدمار يصيب مدنًا بكاملها نتيجة صراعات بين أعداء الحياة والمدافعين عنها. الثمن باهظ لكن الجمهور يتهافت على «آيرون مان» و«المنتقمون» و«كابتن أميركا» و- حاليًا - «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» مستمتعًا، على ما يبدو، بأفلام تتنبأ بقرب زوال مدنه ومجتمعاته. لكن هذه الأفلام في مجموعها تتحدث عما هو أهم من المجتمعات والمدن. تتناول في صميمها الرجل وكيانه.
في «الطريق» لجون هيلكوت (2009) عن رواية للكاتب اللامع كورماك مكارثي نجد رجلا (بلا اسم ويقوم به فيغو مورتنسن) وولدا (بلا اسم أيضًا: كودي سميت - ماكفي) يحاولان الوصول إلى غربي أميركا عبر رحلة تحفها المخاطر. العالم مدمّر. الأشجار عارية. السماء ملوّثة. هناك آكلو لحوم بشر (لكنهم ليسوا زومبيز، ولم يداخلهم أي فيروس) ومواطنون يعيشون بلا قانون. في قراءة أبعد من الظاهر قليلاً هذا «الرجل» هو نموذج لنهاية «الرجال».
ذات النموذج الذي نراه في رواية رتشارد ماثيسون «أنا أسطورة» (نشرت سنة 1954) التي تم تحويلها قبل سبع سنوات إلى فيلم من بطولة ول سميث (وإخراج فرنسيس لورنس). هو آخر من بقي حيًا وطبيعيًا في العالم بأسره (علمه على الأقل). يخرج نهارًا إلى المدينة المدمّـرة ويعود قبل غروب الشمس لأن الليل ليس ملكه بل ملك عصابات متوحشة أخرى.
لم يكن هذا الفيلم (2008) هو الأول الذي تم اقتباسه عن رواية الكاتب بل هو إعادة صنع لفيلم حققه سيدني سالكوف سنة 1964 من بطولة فنسنت برايس بعنوان «آخر رجل على الأرض».
إلى حد بعيد فإن سلسلة «ماد ماكس» (آخرها «ماد ماكس: طريق الغضب») استيحاء للرجل الذي بقي على قيد الحياة وسط سيادة اللاقانون واللاحضارة في مستقبل قريب. في كلا الحالتين، وفي حالات أخرى، فإن الرجل يدافع عن نفسه لا كجنس بشري فقط، بل عن كونه ذكرًا أيضًا.
نجد هذه المعادلة في طيّـات معظم الأفلام المتناولة لموضوع الإبادة والدمار بفيروس أو سواه. بين كل الأحياء الطبيعيين الذين لجأوا إلى بيت في مزرعة في فيلم روميرو «ليلة الموتى - الأحياء» (1968) فإن الشخص الوحيد الذي بقي على قيد الحياة هو رجل وليس أحد المرأتين في المجموعة. لكن هذا الأفرو – أميركي، إذ يخرج من البيت في صباح اليوم التالي مع وصول نجدة من المسلحين (البيض) يتم قتله «خطأ».
على الأقل تربط أفلام الرعب لدى روميرو وعمليات الإبادة بالمجتمع الذي كان سائدًا قبل انتشار الفيروس. عالم الاستهلاك الذي ربضت تحت ثقله الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والعلم الذي فقد بوصلته ليصبح الداء وليس الدواء، كما الإعلام الشريك في تعميم الأكاذيب على الأميركيين عوض نقل الحقائق. كل ذلك من وجهة نظر سياسية نرى أمثالها في كل تلك الأفلام منفردة أو مجتمعة.
بذلك لم تعد المسألة نوعًا من الرغبة في التخويف أو الإثارة حتى بالنسبة لأفلام الكوميكس الحالية. كلها يمكن تفسيرها حسب أو عكس ما تقصد أيضًا. فنجاة الإنسان المتعارف عليه بطلاً اجتماعيًا وقدوة لعالم أفضل، باتت في «سوبرمان» و«باتمان» و«سبايدر مان» و«كابتن أميركا»، موكولة لأشخاص غير طبيعيين. بذا تم نزع سلاح الإنسان وتسليمه لوكالة ميكانيكية.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.