فلسفة العلوم ومحدودية المنهج التجريبي

الاكتشافات المعاصرة تعيد الاعتبار للتجربة الذهنية والخيال المبدع

فلسفة العلوم ومحدودية المنهج التجريبي
TT

فلسفة العلوم ومحدودية المنهج التجريبي

فلسفة العلوم ومحدودية المنهج التجريبي

العلم لا يفكر في ذاته. هكذا قال هيدغر يوما، ما يعني أن الفلسفة تقوم بذلك. إن المبحث الذي يفكر في العلم من داخل الفلسفة، يسمى فلسفة العلوم (الإبستمولوجيا). وقد حاولت الإبستمولوجيا أن تفكر في تاريخ العلم والمعرفة العلمية. وكانت الغاية، نقد الأسس والمبادئ التي يقوم عليها العلم والمعرفة العلمية. بل نقد، كذلك، ادعاءاته، (اليقين - الحقيقة المطلقة – الثبات، وغيرها). وعلى الرغم من أن التفكير في تاريخ العلم حديث النشأة، فإننا نجد تفكيرا في شروط المعرفة العلمية حاضرا لدى الفلاسفة عبر تاريخ الفلسفة. فقد فكر أفلاطون في الأسس التي يمكن أن يقوم عليها العلم الرياضي في اليونان (الدوكسا أو الإيدوس). كما فكر أرسطو في ذلك أيضا. لكن التفكير في الأسس التي يمكن أن يقوم عليها العلم والمعرفة العلمية، يتغير من لحظة تاريخية إلى أخرى. فتفكير اليونان مختلف عن تفكير علماء العصر الحديث والمعاصر. فإذا كان بعض الفلاسفة قد أعلوا من قيمة العقل (النظرية)، على حساب الواقع (التجربة)، فإن البعض جمع ووفق بينهما، ورأى أنه لا معرفة من دون تجربة تحاور النظرية. فما النظرية وما التجربة؟ بعبارة أخرى، ما مصادر المعرفة العلمية لدى الإنسان؟ وكيف تمثل الفلاسفة والعلماء هذه المصادر عبر تاريخ الفكر البشري؟
يحدد لالاند في معجمه الفلسفي النظرية، بأنها إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمبادئ. وهي تتعارض مع الممارسة أو التجربة بمعناها النفعي المصلحي. أما التجربة في تعريفها المتداول، فإنها تحيل على الواقع المباشر الماثل أمام العين المجردة. وعند لالاند، هي المعرفة المباشرة والفورية التي نحرزها عن الوقائع والظواهر، من خلال احتكاكنا اليومي معها. وهي عكس التجريب، فهو الاستعمال المنهجي للعقل، ويقوم على إجراء سلسلة أو جملة من الاختبارات أو التجارب، من أجل إحداث تأثير في الواقع أو الظاهرة المدروسة، وغايته الكشف عن القوانين والمبادئ المتحكمة فيها. وهكذا، فإننا لا نهتم في العلم بالنظرية، أي الرؤية الساذجة والبسيطة والعفوية، بل باعتبارها بناء عقليا منهجيا ومنظما للواقع وللظواهر المدروسة، وللقوانين التي تحكمها في علاقتها بالتجربة. وهنا لا نتحدث عن التجربة العفوية والتلقائية، لأنها في العلم، لا تساهم في تطور المعرفة العلمية، ولا في إنتاجها. بل نتحدث عن التجربة المحدثة وفق منهج علمي يسمى التجريب.
إن الفكر الفلسفي والعلمي القديم لم يكن يعرف إلا شكلا واحدا من التجربة، هو التجربة الحسية الخام، المتمثلة في مجموع معطيات العالم التي تصدم حواس الإنسان، وتولّد لديه انطباعات مختلفة. وقد انقسم هؤلاء الفلاسفة، بخصوص أهمية التجربة في بناء المعرفة وفهم حقيقة العالم، إلى اتجاهين: أحدهما يمثله أفلاطون، والآخر يمثله أرسطو. بالنسبة لأفلاطون، ليس للتجربة الحسية أي دور أو أهمية في بناء المعرفة العلمية الحقيقية واليقينية حول موجودات العالم. بل على العكس من ذلك، المعرفة الحسية تمثل عائقا. على الفيلسوف - العالم التخلص منه إن هو أراد بلوغ الحقيقة واليقين، وتجاوز الآراء والظنون. فالتجربة الحسية، كما يصورها أفلاطون في أمثولة الكهف، هي بمثابة قيود وأغلال تعيق، وتحول دون إدراك المعقولات الثابتة والحقائق المفارقة، الموجودة في عالم المثل الذي توجد فيه المعرفة اليقينية والثابتة. فما يوجد في التجربة الحسية والعالم المحسوس، مجرد نسخ وظنون متغيرة. لذلك فبلوغ المعرفة اليقينية وبلوغ عالم المثل، لا يتطلب وساطة التجربة الحسية والحواس، بل يتطلب التحرر منها. في السياق نفسه، نجد أرسطو، وعلى نحو مغاير، يدافع عن دور التجربة في معرفة العالم، ويعتبر أنها تمثل نقطة انطلاق لا يمكن لأي معرفة علمية أن تتجاوزها. فحقيقة الموجودات المادية وإن كانت لا تكمن في المظاهر والأعراض التي ندركها بواسطة حواسنا، فهي لا توجد منفصلة عنها ومفارقة لها، وإنما كامنة خلفها ومحايثة لها، وتبعا لذلك فإن استقراء أعراض الموجودات وملاحظتها، يمثل، في رأي أرسطو، الخطوة الأولى والضرورية من أجل بناء أي معرفة حقيقية حول العالم وحول الموجودات التي يحتويها ويتألف منها.
في مقابل هذه التصورات، التي كانت تعطي القيمة للتجربة بمعناها الحسي الخام والتلقائي، سيعرف الفكر العلمي، منذ مطلع القرن السادس عشر، شكلا آخر من التجربة، هو التجربة المبنية والمشيدة والموجهة بمقتضيات نظرية محددة سلفا، التي ستسمى التجربة العلمية. فأمام الانتقادات والمراجعات التي تعرض لها العلم الأرسطي، منذ بيكون وتيكوبراهي وغاليليو وغيرهم، كان لزاما على العلماء التفكير في المنهج الذي يمكنهم من بلوغ المعرفة والحقيقة. وهو ما أفضى إلى ظهور ما يعرف بالمنهج التجريبي، القائم على الملاحظة الموجهة والمبنية. فالعالم لم يعد يلاحظ (التجربة - الواقع) أولا، ثم يفكر ثانيا (النظرية - العقل)، كما كان الأمر مع أرسطو. وإنما العكس، أصبح العالم يحدد لنفسه مشكلة، وفي ضوئها يتجه إلى الواقع لملاحظته، حيث لا يلاحظ أي شيء وكيفما اتفق، وإنما يلاحظ فقط، ما يفيده في الجواب عن ذلك المشكل الذي بناه بفكره. فمثلا، ظل العلماء على مر الزمان، يراقبون السماء ويلاحظون ما يجري فيها، لكن وحده تكوبراهي من لاحظ تكون نجم جديد في السماء، وأن بعض المذنبات تصعد حتى تقترب من الشمس ثم تعود لتقترب من الأرض، وسبب ذلك ليس تطور الأدوات التي كان يستخدمها، وإنما كون ملاحظاته كانت موجهة بمشكلات نظرية محددة، وهي: هل عالم ما فوق القمر يطاله الكون والفساد، أم أنه كما اعتقد أرسطو ثابت لا تغير فيه؟ فوجود مثل هذه التساؤلات في ذهن العالم، هو الذي جعله يدرك، بملاحظته للسماء، أن المذنبات تخترق في مسارها السماء، وأن هناك عالم ما فوق القمر، نجوم جديدة تتكون وأخرى قديمة تختفي، وما ينطبق على عالم ما فوق القمر، ينطبق على أي عالم آخر. فمن دون تساؤلات يحملها العالم في ذهنه، ومن دون خطة مسبقة توجه الملاحظة، لا يمكن لأي ملاحظة أن تكون منتجة وعلمية.
وهكذا أضحى التجريب، عبارة عن جملة من الإجراءات المختبرية المحددة أدواتها وخطواتها مسبقا. إنها عبارة عن عمليات مقصودة ينجزها العالم نفسه، بناء على المعطيات النظرية التي يريد فحصها، واعتمادا على وسائل وتقنيات هي نفسها نتاج وحصيلة لنظريات معينة سابقة. وتبعا لهذا، فالتجربة بمفهومها العلمي الحديث، عبارة عن استنطاق ومساءلة للواقع وليست مجرد إنصات وملاحظة عمياء. فمثلا كلود برنار، أكد في كتابه «مدخل لدراسة الطب التجريبي»، على أن معرفة قوانين الطبيعة وبلوغ المعرفة العلمية، يقتضيان من الباحث، ملاحظة الظاهرة بشكل منظم ودقيق. وانطلاقا من ملاحظتها، يصوغ مجموعة من الفرضيات التي تظل مجرد احتمالات، قد تكون صادقة أو كاذبة. ومن أجل التأكد منها، يلجأ إلى اختبارها، ما يتيح له في النهاية، القبض على الفرضية الصحيحة التي يؤسس عليها قانونا مفسرا للظاهرة بشكل عام. من هنا، يتضح لنا أن قيمة هذا المنهج، تكمن في كونه لا يدع فرصة للباحث كي يلقي بميوله وذاتيته على الظواهر التي يدرسها. بل كل خطوات المنهج، تكون خاضعة لتنظيم قبلي يضعه وينتجه العالم من أجل تفادي أي معارف تلقائية أو ظنون. بل يتم الاحتكام إلى التجربة العلمية المبنية، فما أكدته يعتبر علميا وما فندته يتم التخلي عنه.
إن التجريب العلمي، باعتباره مساءلة منهجية للواقع، ساهم في تطور العلم وتقدمه، عكس التجربة العفوية والتلقائية والحسية. وهكذا أصبح العالم كما يقول كانط في كتابه «نقد العقل الخالص»: «يواجه الطبيعة وهو يحمل مبادئه التي هي وحدها قادرة على أن تمنح الظواهر المتطابقة قوانين صارمة، ويحمل من جهة ثانية التجريب الذي تخيل صورته وفقا لهذه المبادئ. إذ عليه أن يواجه الطبيعة لكي يتعلم منها، ولكن ليس بوصفه تلميذا يتقبل كل ما يريده المعلم، بل بوصفه قاضيا يحث الشهود على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها عليهم». وفي ظل التحولات التي عرفها العلم المعاصر، وظهور معطيات جديدة، حيث انتقلنا من الماكروفيزياء إلى الميكروفيزياء، مع اكتشاف الجراثيم، والباكتيريات، واكتشاف الإلكترونات والفوتونات التي لا نملك التقنيات والوسائل للكشف عنها، لكن العالم يقر بوجودها، لذلك لم يعد التجريب كافيا للتحقق من صحة فرضية ما، بل أصبح بإمكان العلماء أن يلجأوا إلى الاعتماد على الخيال للقيام بتجارب ذهنية، ولقد سبق أن وجه روني طوم نقدا لاذعا للقائلين بإطلاقية المنهج التجريبي وصلاحيته اللامتناهية، وبإمكانية شموليته لجميع الظواهر، كما ذهب إلى ذلك فرنسيس بيكون، وهو ما اعتبره روني طوم مجرد وهم، لذلك أكد طوم على أن التجربة لا تكون علمية إلا إذا كنا قادرين على إعادة صنعها في مكان وزمان آخرين. كما يربط عملية التجربة العلمية بالأهداف النفعية التي تسعى لتحقيقها. وفي هذا السياق، يؤكد روني طوم على محدودية الواقع في قوله: «إن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما، ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي، هذه القفزة نحو الخيالي هي أساسا عملية ذهنية، أو تجربة ذهنية، ولا يمكن لأي جهاز علمي أن يعوضها».
نخلص إلى أن فلسفة العلوم، على وعي تام اليوم بالتحولات الكبرى التي يعرفها العلم، والتي تطورت معها آليات اشتغاله وإنتاجه معارفه العلمية حول الظواهر التي يدرسها. فإذا كانت المعارف العلمية على العموم، هي نتاج حوار مستمر بين النظرية والتجربة، فإن التجربة التي تحدثنا عنها، والتي ساهمت في تطور العلم ليست التجربة الحسية، بل التجريب العلمي باعتباره مساءلة منهجية للواقع. فلم يعد العالم يتعامل مع الواقع بعفوية، بل انطلاقا من تفكير نظري. فإذا كانت التجربة هي معطى خام قائم بذاته في الواقع، وسابق على كل تفكير نظري، فإن التجريب هو عبارة عن فعل وإنجاز يقوم بهما العالم نفسه بناء على معارف يمتلكها سلفا، وقد يتدخل فيها الخيال، لأن التطور المعاصر والاكتشافات العلمية المعاصرة للجزيئات الذرية وللإلكترون الذي يحوم حول النواة وغيرها من الاكتشافات، أثبتت محدودية المنهج التجريبي، وأعادت الاعتبار للتجربة الذهنية التي تقوم على الخيال الخلاق والمبدع كما يقول آينشتاين.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.