نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد

أعمالها في ازدهار مستمر لكن خدماتها مرتفعة التكلفة

نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد
TT

نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد

نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد

يعد إيقاف السيارات في مدينة سان فرانسيسكو، كما هو الحال في معظم المدن الأخرى، من المشاكل اليومية الباهظة التي تستنزف الأموال والأرواح. ومنذ ما يقرب من عام ونصف العام، عندما علمت بتطبيق خدمة إيقاف السيارات الإلكتروني «لوكس»، بدأت الغمة في التبدد، وشرع الناس في الابتهاج وتلونت السماء بألوان قوس قزح الزاهية. وكان الأمر، كما كنت مقتنعا حينها، يمكن أن يكون بمثابة الإنجاز الكبير القادم.
تمكن تطبيق «لوكس» من حل مشكلة إيقاف السيارات من خلال جيش من مستخدمي الهواتف الذكية الذين كانوا يوقفون سياراتهم ثم يستعيدونها مرة أخرى بمجرد ضغطة على زر الهاتف. ولقد بدا الأمر وقتها وكأنه رفاهية برجوازية غير متوقعة، ولكن السحر الحقيقي لتطبيق «لوكس» كان يكمن في الاقتصاديات الكامنة. فعن طريق نقل مختلف السيارات من المناطق المعروفة إلى مواقف انتظار السيارات غير المستخدمة، أعلن مؤسسو تطبيق «لوكس» أنهم اكتشفوا مجالاً فضفاضا في شبكة مواقف السيارات داخل المدينة. وكان الأمر مناسبًا للجميع بشكل كبير، كان تطبيق «لوكس» يكلف 5 دولارات في الساعة، وبحد أقصى 15 دولارًا عن اليوم الواحد، مما يجعله أرخص بكثير من أي وسيلة أخرى لإيقاف أو انتظار السيارات في المدينة.
ولكن الأمور قد تغيرت منذ ذلك الحين، ولكن ليس للأفضل على أي حال. فلقد أصبح تطبيق «لوكس» أقل موثوقية عن ذي قبل، كما ارتفعت الأسعار كثيرا – حيث يكلفني إيقاف سيارتي في سان فرانسيسكو عن طريق خدمة تطبيق «لوكس» الآن ما يقرب من 30 دولارا في اليوم، وهو المعدل الذي يفوق مواقف السيارات المحلية، ولا سيما مع تضمين نصائح التطبيق المقترحة للاستفادة من الخدمات.
يقول «لوكس» بأنه يشهد تحولا معتبرا في نموذج الأعمال لديه أو تغيرات في جمهور المستخدمين المستهدفين. كما تقول الشركة بأن أعمالها في ازدهار مستمر. ولكن الخدمات غير المنصفة والمتفاوتة والأسعار المتزايدة دون توقف تثير تساؤلات كبيرة حول تطبيقات تحت الطلب، وتعني كتائب الشركات الناشئة التي تأسست خلال السنوات القليلة الماضية للقيام بمختلف الخدمات للعملاء في العالم الحقيقي، مثل توصيل الطعام، والبقالة، والتسوق، ومواقف السيارات.
وعلى خلاف أوبر، التطبيق البارز والذي حقق نجاحا فائقا بين مختلف التطبيقات تحت الطلب، فإن الكثير من هذه الشركات ترزح فعليا تحت ضغوط مستمرة. فعبر مجموعة متنوعة من التطبيقات تحت الطلب، نشهد ارتفاعا مطردا في الأسعار، مع تدهور في الخدمات، وتحول في نماذج الأعمال، وفي بعض الحالات، توقف بعض الشركات عن العمل تماما.

نهاية حلم التطبيقات تحت الطلب
كان ذلك الحلم معنيا بالأسعار وتوفير الراحة للعملاء. مثالا بتطبيق «لوكس»، عملت الكثير من هذه الشركات على تسويق خدماتها من واقع أنها توفر الحلول الخارقة للعادة لمشاكل النظام القائم في الحياة اليومية. ولم يكمن تميزهم في أنهم يسببون قدرا أقل من الصداع مقارنة بخدمات العالم القديم السائدة، ولكن بسبب أنهم يستخدمون الهواتف في القضاء على أوجه القصور الشائعة، ويقولون: إنهم قد يوفرون الخدمات بأرخص الأسعار كذلك – والخدمات كانت رخيصة بحيث إنه مع نمو تلك الشركات فإنهم يمكنهم توفير خدمات المستوى الفاخر بأسعار الأسواق العادية.
ولكن ذلك لا يحدث في الواقع. وعلى الرغم من أنني لا أزال أستخدم تطبيق «لوكس» في كثير من الأحيان، فإنه يبدو الآن مثل حالة أخرى من الرفاهية بالنسبة للأشخاص الذين يملكون المزيد من الأموال أكثر مما لديهم من الوقت.
وكذلك تفعل الكثير من التطبيقات الأخرى التي توفر الخدمات المتنوعة عبر عدد من الصناعات. وهي خدمات توفر راحة كبيرة للعملاء، غير أن تلك الراحة تأتي بأسعار كبيرة، ويبدو أن الأمر جاء ليبقى.
وبعض من هذه الخدمات يجعل الأعمال والشركات على ما يرام، ولكن يصعب تماما أن نطلق عليها مسمى الشركات أو الخدمات الرائدة. وبعد كل شيء، فإن دفع الأموال الإضافية للحصول على المزيد من الراحة لا علاقة له بالابتكار في شيء – بل إنه يوحي وإلى حد كبير إلى الطريقة التي يعمل بها عالمنا المعاصر.
قبل الانتقال إلى تفسير السبب وراء معاناة الكثير من التطبيقات تحت الطلب لتوفير الخدمات بأسعار الأسواق الشاملة، من الأهمية بمكان أن نتذكر السبب الأصلي وراء اعتقاد أي منا بقدرتهم على تحقيق ذلك بالمقام الأول: ذلك لأن أوبر حققت ذلك. فلقد بدأت شركة خدمات التوصيل الشهيرة، والتي يقدر المستثمرون قيمتها السوقية الحالية بأكثر من 60 مليار دولار، بتوفير الخدمات الفاخرة. ويكمن السحر وراء أوبر في أن الشركة استغلت نموها المطرد في مواصلة تخفيض الأسعار وتوسيع نطاق الخدمات. ولقد تحولت شركة أوبر من بديل مريح للسيارات الفارهة إلى بديل عن سيارات الأجرة العادية، والآن، أصبحت الشركة بمثابة بديل موثوق فيه عن شراء وامتلاك السيارات.
اعتبر المستثمرون نجاح أوبر كنموذج لنجاح أي شيء وكل شيء. يقول هانتر ووك، المستثمر الرأسمالي في شركة «هوم - بريو»، والتي استثمرت أموالها في شركة واحدة على الأقل من شركات التطبيقات تحت الطلب وهي شركة «شيب» للشحن: «مرت الصناعة بفترة كنا نقول فيها: دعونا نبحث عن أي صناعة كبيرة للخدمات، ونلصق عبارة تحت الطلب بها، ولسوف نحقق نجاحا كنجاح أوبر تماما».
غير أن نجاح أوبر، من نواح كثيرة، يعتبر حالة فريدة ومميزة من النجاح. فمن إحدى الزوايا، كانت الشركة تتعامل مع سوق أكثر تواجه الكثير من المخاطر. وفي الكثير من المدن، كان مجال سيارات الأجرة من المجالات الحمائية، غير الودودة من جانب العملاء، والتي تتضخم فيها الأسعار بصورة مصطنعة، إلى جانب تدهور قيمة رعاية العملاء وخدماتهم.
بالتالي، كانت الفرصة كبيرة وسانحة أمام أوبر لكي تصبح جزءا منتظما ولا يتجزأ من حياة الناس. يستقل الناس السيارات في كل يوم، وإذا ما ارتبطت بعميل من العملاء سوف يتكرر العملاء لديك بمرور الوقت. وفي نهاية المطاف، تعتبر السيارات ثاني أغلى العناصر تكلفة التي يشتريها الناس، وأكثر الأمور شيوعا مع استخدام السيارات هو إيقاف وانتظار السيارات يوميا. ذلك القدر الضخم من عدم الكفاءة فتح المجال على مصراعيه أمام أوبر للاستفادة من الأرباح، حتى بعد تخفيض الشركة لمقدار ما ندفعه يوميا الآن لقاء السيارات.
ولكن، كم من الأسواق الأخرى التي يتوفر فيها مثل تلك الفرص؟ ليس الكثير. هناك خدمات يتكرر استخدام العملاء لها، ولكنها ليست بمثل تلك القيمة – مثل الأشياء ذات الصلة بالطعام، على سبيل المثال، التي توفر هوامش ربح ضعيفة. وبعض الأعمال الأخرى التي ينخفض تكرار استخدامها كثيرا وبالتالي تنخفض قيمتها المادية من التي وصفها السيد ووك بأنها ليست أكثر من «فخ».
وثمة مشكلة أخرى تتعلق بالتمويل المشوه للأعمال تحت الطلب. حيث تمكنت الكثير من الشركات الناشئة من تأمين الكثير من الأموال بين عام 2014 و2015 حتى أنهم تحرروا من ضغوط ضرورة جني الأرباح من كل طلب أو خدمة يوفرونها. والآن، وبعد تحول شهية المستثمرين عن تمويل الشركات تحت الطلب، اضطرت تلك الشركات إلى العودة «العقلانية» إلى مجالات أعمالهم الأولى، عن طريق زيادة أسعار الخدمات في بعض الأحيان.
فلنلق نظرة على شراء البقالة. ففي العام الماضي، قللت الشركة الناشئة «انستاكارت» لتوصيل البقالة من أسعار خدماتها بسبب اعتقادها في الحصول على أرباح إضافية من سلاسل متاجر السوبر ماركت، والتي بدأت تنجذب إلى مجالات الأعمال الجديدة التي حققت فيها شركة «انستاكارت» بعض النجاحات.
لم ينجم عن ذلك إلا نجاحات جزئية. فلقد أخبرني أحد ممثلي الشركة الناشئة أن أرباح «انستاكارت» زادت بواقع 6 نقاط مئوية منذ بداية عام 2015. وكانت الشركة قادرة على استخدام علوم البيانات في تحقيق المزيد من الكفاءة في عملياتها. ولكن الأرباح الواردة من سلاسل متاجر السوبر ماركت لم تكن كافية لتغطية التكاليف، ومن ثم رفعت شركة «انستاكارت» في ديسمبر (كانون الأول) من رسوم التوصيل من 4 دولارات إلى 6 دولارات بالنسبة لأغلب طلبات الخدمات. كما عمدت الشركة إلى تخفيض بعض من أجور العاملين فيها.
وتتماشى تلك التغييرات مع التوجه نحو تحقيق المزيد من الأرباح. حيث تقول الشركة بأنها شهدت خسائر في أكبر المدن التي تعمل فيها، وتهدف إلى أن تصبح «إيجابية من حيث الهامش الإيجابي» – بمعنى، وقف خسارة الأموال على كل طلب من الطلبات – في كافة عمليات الشركة بحلول نهاية العام.
دعونا نلق نظرة أيضا على خدمات التوصيل. حيث بدأت شركة «بوست - ميتس»، وهي واحدة من أقدم شركات التوصيل تحت الطلب، أعمالها بخدمات الأقساط التي تفرض رسوما بهوامش ربح غير عادية – فنسبة 50 في المائة من الرسوم ليست أمرا غير مألوف – من أجل سهولة الحصول على أي شيء وتوصيله لأي مكان. ولقد عززت تلك السياسة من الأرباح المباشرة للشركة. وبالتالي لم تفقد شركة «بوست - ميتس» أي أموال من الجزء الأكبر من أوامر الخدمات لديها.
ولكن أسعار الخدمات العالية تركت الشركة عرضة للمنافسين من ذوي الأسعار الأقل، بما في ذلك شركة «دورداش» الناشئة حديثا نسبيا، والتي تلقت تمويلا هائلا من شركات وادي السليكون (حيث أعلنت الشركة يوم الثلاثاء عن تلقيها تمويلا بقيمة 127 مليون دولار بعد معاناتها لتأمين الحد الأدنى من التمويل اللازم لأعمالها).
وبصفتي مجرد مستخدم، فإنني آمل ذلك فعلا. ولكنني أتساءل، أن الدرس المستفاد حتى الآن في عالم شركات وتطبيقات تحت الطلب يفيد بأن أوبر هي الاستثناء الوحيد، وليس القاعدة. بمعنى، أن نموذج أوبر صالح فقط لأوبر – وليس لأي شيء آخر.
* خدمة «نيويورك تايمز»



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.