نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد

أعمالها في ازدهار مستمر لكن خدماتها مرتفعة التكلفة

نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد
TT

نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد

نموذج «أوبر» الحالي لم يعد يفيد

يعد إيقاف السيارات في مدينة سان فرانسيسكو، كما هو الحال في معظم المدن الأخرى، من المشاكل اليومية الباهظة التي تستنزف الأموال والأرواح. ومنذ ما يقرب من عام ونصف العام، عندما علمت بتطبيق خدمة إيقاف السيارات الإلكتروني «لوكس»، بدأت الغمة في التبدد، وشرع الناس في الابتهاج وتلونت السماء بألوان قوس قزح الزاهية. وكان الأمر، كما كنت مقتنعا حينها، يمكن أن يكون بمثابة الإنجاز الكبير القادم.
تمكن تطبيق «لوكس» من حل مشكلة إيقاف السيارات من خلال جيش من مستخدمي الهواتف الذكية الذين كانوا يوقفون سياراتهم ثم يستعيدونها مرة أخرى بمجرد ضغطة على زر الهاتف. ولقد بدا الأمر وقتها وكأنه رفاهية برجوازية غير متوقعة، ولكن السحر الحقيقي لتطبيق «لوكس» كان يكمن في الاقتصاديات الكامنة. فعن طريق نقل مختلف السيارات من المناطق المعروفة إلى مواقف انتظار السيارات غير المستخدمة، أعلن مؤسسو تطبيق «لوكس» أنهم اكتشفوا مجالاً فضفاضا في شبكة مواقف السيارات داخل المدينة. وكان الأمر مناسبًا للجميع بشكل كبير، كان تطبيق «لوكس» يكلف 5 دولارات في الساعة، وبحد أقصى 15 دولارًا عن اليوم الواحد، مما يجعله أرخص بكثير من أي وسيلة أخرى لإيقاف أو انتظار السيارات في المدينة.
ولكن الأمور قد تغيرت منذ ذلك الحين، ولكن ليس للأفضل على أي حال. فلقد أصبح تطبيق «لوكس» أقل موثوقية عن ذي قبل، كما ارتفعت الأسعار كثيرا – حيث يكلفني إيقاف سيارتي في سان فرانسيسكو عن طريق خدمة تطبيق «لوكس» الآن ما يقرب من 30 دولارا في اليوم، وهو المعدل الذي يفوق مواقف السيارات المحلية، ولا سيما مع تضمين نصائح التطبيق المقترحة للاستفادة من الخدمات.
يقول «لوكس» بأنه يشهد تحولا معتبرا في نموذج الأعمال لديه أو تغيرات في جمهور المستخدمين المستهدفين. كما تقول الشركة بأن أعمالها في ازدهار مستمر. ولكن الخدمات غير المنصفة والمتفاوتة والأسعار المتزايدة دون توقف تثير تساؤلات كبيرة حول تطبيقات تحت الطلب، وتعني كتائب الشركات الناشئة التي تأسست خلال السنوات القليلة الماضية للقيام بمختلف الخدمات للعملاء في العالم الحقيقي، مثل توصيل الطعام، والبقالة، والتسوق، ومواقف السيارات.
وعلى خلاف أوبر، التطبيق البارز والذي حقق نجاحا فائقا بين مختلف التطبيقات تحت الطلب، فإن الكثير من هذه الشركات ترزح فعليا تحت ضغوط مستمرة. فعبر مجموعة متنوعة من التطبيقات تحت الطلب، نشهد ارتفاعا مطردا في الأسعار، مع تدهور في الخدمات، وتحول في نماذج الأعمال، وفي بعض الحالات، توقف بعض الشركات عن العمل تماما.

نهاية حلم التطبيقات تحت الطلب
كان ذلك الحلم معنيا بالأسعار وتوفير الراحة للعملاء. مثالا بتطبيق «لوكس»، عملت الكثير من هذه الشركات على تسويق خدماتها من واقع أنها توفر الحلول الخارقة للعادة لمشاكل النظام القائم في الحياة اليومية. ولم يكمن تميزهم في أنهم يسببون قدرا أقل من الصداع مقارنة بخدمات العالم القديم السائدة، ولكن بسبب أنهم يستخدمون الهواتف في القضاء على أوجه القصور الشائعة، ويقولون: إنهم قد يوفرون الخدمات بأرخص الأسعار كذلك – والخدمات كانت رخيصة بحيث إنه مع نمو تلك الشركات فإنهم يمكنهم توفير خدمات المستوى الفاخر بأسعار الأسواق العادية.
ولكن ذلك لا يحدث في الواقع. وعلى الرغم من أنني لا أزال أستخدم تطبيق «لوكس» في كثير من الأحيان، فإنه يبدو الآن مثل حالة أخرى من الرفاهية بالنسبة للأشخاص الذين يملكون المزيد من الأموال أكثر مما لديهم من الوقت.
وكذلك تفعل الكثير من التطبيقات الأخرى التي توفر الخدمات المتنوعة عبر عدد من الصناعات. وهي خدمات توفر راحة كبيرة للعملاء، غير أن تلك الراحة تأتي بأسعار كبيرة، ويبدو أن الأمر جاء ليبقى.
وبعض من هذه الخدمات يجعل الأعمال والشركات على ما يرام، ولكن يصعب تماما أن نطلق عليها مسمى الشركات أو الخدمات الرائدة. وبعد كل شيء، فإن دفع الأموال الإضافية للحصول على المزيد من الراحة لا علاقة له بالابتكار في شيء – بل إنه يوحي وإلى حد كبير إلى الطريقة التي يعمل بها عالمنا المعاصر.
قبل الانتقال إلى تفسير السبب وراء معاناة الكثير من التطبيقات تحت الطلب لتوفير الخدمات بأسعار الأسواق الشاملة، من الأهمية بمكان أن نتذكر السبب الأصلي وراء اعتقاد أي منا بقدرتهم على تحقيق ذلك بالمقام الأول: ذلك لأن أوبر حققت ذلك. فلقد بدأت شركة خدمات التوصيل الشهيرة، والتي يقدر المستثمرون قيمتها السوقية الحالية بأكثر من 60 مليار دولار، بتوفير الخدمات الفاخرة. ويكمن السحر وراء أوبر في أن الشركة استغلت نموها المطرد في مواصلة تخفيض الأسعار وتوسيع نطاق الخدمات. ولقد تحولت شركة أوبر من بديل مريح للسيارات الفارهة إلى بديل عن سيارات الأجرة العادية، والآن، أصبحت الشركة بمثابة بديل موثوق فيه عن شراء وامتلاك السيارات.
اعتبر المستثمرون نجاح أوبر كنموذج لنجاح أي شيء وكل شيء. يقول هانتر ووك، المستثمر الرأسمالي في شركة «هوم - بريو»، والتي استثمرت أموالها في شركة واحدة على الأقل من شركات التطبيقات تحت الطلب وهي شركة «شيب» للشحن: «مرت الصناعة بفترة كنا نقول فيها: دعونا نبحث عن أي صناعة كبيرة للخدمات، ونلصق عبارة تحت الطلب بها، ولسوف نحقق نجاحا كنجاح أوبر تماما».
غير أن نجاح أوبر، من نواح كثيرة، يعتبر حالة فريدة ومميزة من النجاح. فمن إحدى الزوايا، كانت الشركة تتعامل مع سوق أكثر تواجه الكثير من المخاطر. وفي الكثير من المدن، كان مجال سيارات الأجرة من المجالات الحمائية، غير الودودة من جانب العملاء، والتي تتضخم فيها الأسعار بصورة مصطنعة، إلى جانب تدهور قيمة رعاية العملاء وخدماتهم.
بالتالي، كانت الفرصة كبيرة وسانحة أمام أوبر لكي تصبح جزءا منتظما ولا يتجزأ من حياة الناس. يستقل الناس السيارات في كل يوم، وإذا ما ارتبطت بعميل من العملاء سوف يتكرر العملاء لديك بمرور الوقت. وفي نهاية المطاف، تعتبر السيارات ثاني أغلى العناصر تكلفة التي يشتريها الناس، وأكثر الأمور شيوعا مع استخدام السيارات هو إيقاف وانتظار السيارات يوميا. ذلك القدر الضخم من عدم الكفاءة فتح المجال على مصراعيه أمام أوبر للاستفادة من الأرباح، حتى بعد تخفيض الشركة لمقدار ما ندفعه يوميا الآن لقاء السيارات.
ولكن، كم من الأسواق الأخرى التي يتوفر فيها مثل تلك الفرص؟ ليس الكثير. هناك خدمات يتكرر استخدام العملاء لها، ولكنها ليست بمثل تلك القيمة – مثل الأشياء ذات الصلة بالطعام، على سبيل المثال، التي توفر هوامش ربح ضعيفة. وبعض الأعمال الأخرى التي ينخفض تكرار استخدامها كثيرا وبالتالي تنخفض قيمتها المادية من التي وصفها السيد ووك بأنها ليست أكثر من «فخ».
وثمة مشكلة أخرى تتعلق بالتمويل المشوه للأعمال تحت الطلب. حيث تمكنت الكثير من الشركات الناشئة من تأمين الكثير من الأموال بين عام 2014 و2015 حتى أنهم تحرروا من ضغوط ضرورة جني الأرباح من كل طلب أو خدمة يوفرونها. والآن، وبعد تحول شهية المستثمرين عن تمويل الشركات تحت الطلب، اضطرت تلك الشركات إلى العودة «العقلانية» إلى مجالات أعمالهم الأولى، عن طريق زيادة أسعار الخدمات في بعض الأحيان.
فلنلق نظرة على شراء البقالة. ففي العام الماضي، قللت الشركة الناشئة «انستاكارت» لتوصيل البقالة من أسعار خدماتها بسبب اعتقادها في الحصول على أرباح إضافية من سلاسل متاجر السوبر ماركت، والتي بدأت تنجذب إلى مجالات الأعمال الجديدة التي حققت فيها شركة «انستاكارت» بعض النجاحات.
لم ينجم عن ذلك إلا نجاحات جزئية. فلقد أخبرني أحد ممثلي الشركة الناشئة أن أرباح «انستاكارت» زادت بواقع 6 نقاط مئوية منذ بداية عام 2015. وكانت الشركة قادرة على استخدام علوم البيانات في تحقيق المزيد من الكفاءة في عملياتها. ولكن الأرباح الواردة من سلاسل متاجر السوبر ماركت لم تكن كافية لتغطية التكاليف، ومن ثم رفعت شركة «انستاكارت» في ديسمبر (كانون الأول) من رسوم التوصيل من 4 دولارات إلى 6 دولارات بالنسبة لأغلب طلبات الخدمات. كما عمدت الشركة إلى تخفيض بعض من أجور العاملين فيها.
وتتماشى تلك التغييرات مع التوجه نحو تحقيق المزيد من الأرباح. حيث تقول الشركة بأنها شهدت خسائر في أكبر المدن التي تعمل فيها، وتهدف إلى أن تصبح «إيجابية من حيث الهامش الإيجابي» – بمعنى، وقف خسارة الأموال على كل طلب من الطلبات – في كافة عمليات الشركة بحلول نهاية العام.
دعونا نلق نظرة أيضا على خدمات التوصيل. حيث بدأت شركة «بوست - ميتس»، وهي واحدة من أقدم شركات التوصيل تحت الطلب، أعمالها بخدمات الأقساط التي تفرض رسوما بهوامش ربح غير عادية – فنسبة 50 في المائة من الرسوم ليست أمرا غير مألوف – من أجل سهولة الحصول على أي شيء وتوصيله لأي مكان. ولقد عززت تلك السياسة من الأرباح المباشرة للشركة. وبالتالي لم تفقد شركة «بوست - ميتس» أي أموال من الجزء الأكبر من أوامر الخدمات لديها.
ولكن أسعار الخدمات العالية تركت الشركة عرضة للمنافسين من ذوي الأسعار الأقل، بما في ذلك شركة «دورداش» الناشئة حديثا نسبيا، والتي تلقت تمويلا هائلا من شركات وادي السليكون (حيث أعلنت الشركة يوم الثلاثاء عن تلقيها تمويلا بقيمة 127 مليون دولار بعد معاناتها لتأمين الحد الأدنى من التمويل اللازم لأعمالها).
وبصفتي مجرد مستخدم، فإنني آمل ذلك فعلا. ولكنني أتساءل، أن الدرس المستفاد حتى الآن في عالم شركات وتطبيقات تحت الطلب يفيد بأن أوبر هي الاستثناء الوحيد، وليس القاعدة. بمعنى، أن نموذج أوبر صالح فقط لأوبر – وليس لأي شيء آخر.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«جاكسون هول» يضع وارش أمام اختبار الأسواق والتضخم

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
TT

«جاكسون هول» يضع وارش أمام اختبار الأسواق والتضخم

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)

تتجه أنظار الأسواق العالمية ابتداءً من الخميس إلى منتدى «جاكسون هول» الاقتصادي في وايومنغ، الذي يجمع مسؤولي البنوك المركزية والاقتصاديين لمناقشة آفاق الاقتصاد والسياسة النقدية، في حين تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الجمعة، في أول ظهور رئيسي له في المنتدى منذ توليه قيادة البنك المركزي.

وتأتي كلمة وارش في توقيت حساس، بعدما أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة من دون تغيير في اجتماعه الأخير، في حين لا يزال التضخم أعلى بكثير من مستهدفه البالغ 2 في المائة، في وقت بدأت فيه الأسواق تعيد تسعير احتمالات رفع الفائدة قبل نهاية العام.

وأظهرت أحدث البيانات أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) ارتفع 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز)، في حين استقر المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، عند 3.3 في المائة. وتبقي هذه المستويات ضغوط الأسعار حاضرة بقوة في حسابات «الاحتياطي الفيدرالي»، رغم استمرار حالة عدم اليقين بشأن النمو وسوق العمل.

لكن اختبار وارش في «جاكسون هول» لا يتعلق بمسار الفائدة وحده، بل بقدرته على استعادة ثقة الأسواق في أسلوب التواصل مع المستثمرين. فمنذ توليه رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار)، تبنى وارش نهجاً أكثر تحفظاً في تقديم توجيهات مسبقة بشأن قرارات السياسة النقدية المقبلة، وسعى إلى تقليص الإشارات المباشرة إلى المسار المحتمل للفائدة. إلا أن مؤتمره الصحافي عقب اجتماع يوليو (تموز) أثار انتقادات من اقتصاديين ومستثمرين رأوا أنه لم يقدم وضوحاً كافياً بشأن رؤيته للاقتصاد والسياسة النقدية.

وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» لتقديم قدر أكبر من الشفافية، من دون التخلي عن توجهه للابتعاد عن توجيه الأسواق مسبقاً بشأن قرارات الفائدة.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

بين الشفافية وتجنب التوجيه المسبق

ويمثل ذلك معادلة دقيقة أمام وارش، الجمعة: فهو مطالَب بتوضيح كيفية قراءته للتضخم والنمو وسوق العمل، لكنه لا يريد أن يقيد نفسه بإشارة صريحة إلى قرار الفائدة المقبل.

ويرى مؤيدو نهجه أن رد فعل الأسواق على مؤتمره الصحافي في يوليو كان مبالَغاً فيه، وأن تغيير أسلوب التواصل يحتاج إلى وقت حتى تعتاد الأسواق على نهج أقل اعتماداً على التوجيه المستقبلي.

وقال راندال كروسزنر، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو وعضو سابق في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، في تصريحات لـ«بلومبرغ»، إن البنك المركزي لا يزال في بداية عملية إعادة صياغة لأسلوب التواصل، مشيراً إلى أن الأسواق قد تخطئ أحياناً في تفسير رسائل البنك المركزي.

في المقابل، ترى أوساط في «وول ستريت» أن تقليص التوجيه المسبق لا يعني بالضرورة تقليص الشفافية، وأن المستثمرين يريدون على الأقل معرفة كيف ينظر وارش إلى البيانات الاقتصادية الحالية وما الذي يدفعه إلى موقفه بشأن الفائدة.

التضخم يعقّد مهمة وارش

وتزداد صعوبة المهمة مع بقاء التضخم أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي». فقد استقر التضخم الأساسي عند 3.3 في المائة في يوليو، في حين بقي التضخم العام عند 3.7 في المائة؛ ما يجعل أي إشارة إلى خفض الفائدة أكثر حساسية.

وفي المقابل، أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الأساسي في اجتماعه الأخير عند نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، بعدما صوّت ثلاثة مسؤولين لصالح رفعه ربع نقطة مئوية، في إشارة إلى انقسام متزايد داخل البنك بشأن مدى الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم.

وتُظهر تسعيرات الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ نحو 45 في المائة لرفع الفائدة بحلول اجتماع ديسمبر (كانون الأول)؛ ما يعكس عودة سيناريو التشديد النقدي إلى دائرة الاهتمام بعد أن كانت توقعات خفض الفائدة هي المحرك الرئيسي للأسواق في مراحل سابقة.

سوق السندات تضيف ضغطاً آخر

ولا يأتي وارش إلى «جاكسون هول» في فراغ مالي؛ إذ تتعرض سوق السندات الأميركية لضغوط متزايدة مع ارتفاع احتياجات الاقتراض الحكومي، في وقت أعلنت فيه وزارة الخزانة الأميركية توسيع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة وخفض العوائد طويلة الأجل.

وأثارت هذه الخطوة تساؤلات إضافية حول العلاقة بين السياسة المالية والنقدية، خصوصاً مع وصول الدَّين الحكومي الأميركي إلى مستويات قياسية وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة.

ومن هنا، ستراقب الأسواق ما إذا كان وارش سيقدم في كلمته تصوراً أوضح بشأن العلاقة بين التضخم والفائدة وعوائد السندات، أو سيواصل نهجه القائم على ترك القرارات مفتوحة أمام البيانات المقبلة.

الجمعة... كلمة تحت المجهر

وبذلك، لا تبدو كلمة وارش، الجمعة، مجرد خطاب تقليدي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أحد أهم التجمعات الاقتصادية السنوية، بل ستكون اختباراً مبكراً لأسلوب قيادته للبنك المركزي.

فالأسواق تريد إجابات عن اتجاه الفائدة، والتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وعوائد السندات تضغط على الأوضاع المالية، في حين يسعى وارش إلى إثبات أن تقليص التوجيه المسبق لا يعني غياب الرؤية أو ضعف التواصل.

ولهذا؛ قد تكون الرسالة الأهم التي يبحث عنها المستثمرون، الجمعة، ليست قراراً محدداً بشأن سبتمبر (أيلول)، وإنما الطريقة التي سيشرح بها وارش كيف يفكر «الاحتياطي الفيدرالي» في المرحلة المقبلة.


«بنك اليابان» يمهد لرفع جديد للفائدة

مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يمهد لرفع جديد للفائدة

مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)

عزز نائب محافظ «بنك اليابان»، ريوزو هيمينو، التوقعات بأن «البنك المركزي» يقترب من رفع جديد لأسعار الفائدة، بعدما شدد على ضرورة التحرك «في الوقت المناسب» لمنع التضخم من تجاوز المستويات المستهدفة، في تحول يعكس ازدياد القلق من ضعف الين وارتفاع تكاليف الطاقة واتساع الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الياباني.

ورغم أن هيمينو تجنب الإشارة صراحة إلى رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر (أيلول) المقبل، فإن تصريحاته أبقت هذا الاحتمال قائماً بقوة، خصوصاً بعدما أصبحت الأسواق تستوعب بصورة شبه كاملة إمكانية زيادة تكاليف الاقتراض الشهر المقبل. وقال هيمينو إن «البنك» يحتاج إلى تحقيق توازن بين جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتحرك بالسرعة اللازمة لتجنب التأخر في مواجهة التضخم. وأضاف أن «مجلس السياسة النقدية» سيناقش هذا التوازن في كل اجتماع، خصوصاً مع اقتراب التضخم الأساسي من هدف «البنك» البالغ اثنين في المائة.

وتأتي هذه اللهجة بعد مدة طويلة كان فيها التحدي الأساسي أمام «بنك اليابان» هو رفع التضخم، وليس كبحه. لكن الصورة تغيرت مع ارتفاع أسعار الواردات، وضعف الين، وزيادة تكاليف الوقود؛ بسبب الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب قوة الطلب العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

ويرى هيمينو أن اليابان دخلت مرحلة يتعين فيها على «البنك المركزي» أخذ احتمال تجاوز التضخم الأساسي مستوى اثنين في المائة بجدية أكبر. وقال إن تجاوز التضخم الهدف ستكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد؛ مما يستدعي إيلاء مخاطر ارتفاع الأسعار اهتماماً أكبر من السابق.

وتدعم البيانات الأخيرة هذا القلق. فقد بلغ التضخم على مستوى الجملة 7.2 في المائة على أساس سنوي خلال يوليو (تموز) الماضي؛ مما يشير إلى ضغوط متنامية على تكاليف الشركات قد تنتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين.

* سبتمبر تحت المجهر

تكتسب تصريحات هيمينو أهمية إضافية نظراً إلى سجله السابق في إرسال إشارات تسبق تحولات السياسة النقدية. وقال شوتارو موري، كبير الاقتصاديين لدى «إس بي آي شينسي بنك»، إن هيمينو لم يستبعد رفع الفائدة في سبتمبر المقبل، وإن لهجته جاءت متشددة بصورة عامة كما كان متوقعاً، مضيفاً أن اجتماع الشهر المقبل سيكون مفتوحاً على اتخاذ قرار.

وكان «بنك اليابان» قد رفع سعر الفائدة الرئيسي في يونيو (حزيران) الماضي إلى واحد في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، قبل أن يبقي السياسة النقدية دون تغيير في يوليو الماضي، مع إطلاق أقوى تحذيراته حتى الآن بشأن مخاطر التضخم.

وتشير مصادر تحدثت إلى «رويترز» إلى أن «البنك» قد يرفع الفائدة في أقرب وقت خلال سبتمبر المقبل، كما يبحث إمكانية تسريع وتيرة التشديد النقدي مقارنة بمعدل الزيادات الحالي البالغ نحو مرتين سنوياً.

ولا يتعلق القرار بالتضخم وحده. فضعف الين يرفع تكلفة السلع المستوردة، لا سيما الطاقة والغذاء، ويزيد الضغوط على الأسر والشركات.

وأكد هيمينو أن «البنك» سيدقق في تأثير سعر الصرف على التضخم عند تقييم قراراته المقبلة.

وفي المقابل، تواجه السلطات معضلة دقيقة؛ إذ إن رفع الفائدة بسرعة أكبر قد يزيد تكاليف التمويل ويضغط على النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التأخر في التحرك إلى ترسيخ التضخم وربما إجبار «البنك» لاحقاً على زيادات أعلى حدة. ورفض هيمينو فكرة أن مزيداً من رفع الفائدة سيضر بالضرورة بالاقتصاد الهش، عادّاً أن تعديل الظروف المالية التي لا تزال تيسيرية يمكن أن يساعد على توجيه رؤوس الأموال نحو استثمارات أعلى إنتاجية. وقال إن رفع الفائدة في التوقيت المناسب يمكن أن يمنع قفزة مستقبلية في التضخم وما قد تستتبعه من زيادات مفاجئة في أسعار الفائدة؛ مما يصب بنهاية المطاف في مصلحة الشركات الصغيرة.

وشبه هيمينو السياسة الحالية بسيارة لا تزال تضغط فيها على دواسة الوقود، قائلاً إن «البنك» سيحتاج إلى تخفيف هذا الضغط تدريجياً عبر رفع الفائدة في الوقت المناسب. وبذلك، تتحول مسألة رفع الفائدة من سؤال بشأن «ما إذا» كان «بنك اليابان» سيواصل التشديد، إلى سؤال عن «متى وبأي سرعة». وإذا استمرت ضغوط الأسعار وضعف الين، فقد يكون اجتماع سبتمبر المقبل أول اختبار فعلي لمدى استعداد «البنك» لتسريع خروجه من إرث السياسة النقدية فائقة التيسير.


واشنطن تدرس فرض رسوم جديدة على أشباه الموصلات تشمل أجهزة الكمبيوتر والخوادم

رقائق إلكترونية تظهر على لوحة دوائر (رويترز)
رقائق إلكترونية تظهر على لوحة دوائر (رويترز)
TT

واشنطن تدرس فرض رسوم جديدة على أشباه الموصلات تشمل أجهزة الكمبيوتر والخوادم

رقائق إلكترونية تظهر على لوحة دوائر (رويترز)
رقائق إلكترونية تظهر على لوحة دوائر (رويترز)

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض جولة جديدة من الرسوم الجمركية الواسعة على أشباه الموصلات، في خطوة قد تمتد إلى مجموعة من المنتجات التقنية التي تعتمد على الرقائق الإلكترونية، وفقاً لما أوردته صحيفة «بوليتيكو»، الخميس.

وحسب التقرير، نقلاً عن 8 أشخاص مطلعين على المناقشات، قد تشمل الرسوم المقترحة أجهزة الكمبيوتر المحمولة ووحدات ألعاب الفيديو وخوادم مراكز البيانات، إلى جانب الرقائق نفسها.

ويؤيد وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك ربط إعفاء الشركات الأجنبية من الرسوم بحجم استثماراتها في تصنيع الرقائق داخل الولايات المتحدة، في مسعى لتعزيز الإنتاج المحلي وإعادة جزء أكبر من صناعة أشباه الموصلات إلى البلاد.

وتبحث الإدارة الأميركية أيضاً تطبيق الرسوم الجديدة على مراحل، فيما لا تزال المقترحات قيد الدراسة، وقد تشهد تعديلات جوهرية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، وفق التقرير.

كان الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير قد قال في مايو (أيار) الماضي إنه لا توجد رسوم جديدة وشيكة على أشباه الموصلات، لكنه أكد أهمية حماية القطاع من خلال الرسوم الجمركية بهدف دعم إعادة تصنيع الرقائق داخل الولايات المتحدة.