المعارك الصغيرة تعصف باتحاد كتاب مصر

أكثر من نصف مجلس إدارته استقالوا وسط اتهامات بالتخوين

مدحت الجيار أمين المالية  -  علاء عبد الهادي  -  محمد سلماوي  -  أحمد سراج
مدحت الجيار أمين المالية - علاء عبد الهادي - محمد سلماوي - أحمد سراج
TT

المعارك الصغيرة تعصف باتحاد كتاب مصر

مدحت الجيار أمين المالية  -  علاء عبد الهادي  -  محمد سلماوي  -  أحمد سراج
مدحت الجيار أمين المالية - علاء عبد الهادي - محمد سلماوي - أحمد سراج

مشهد مؤلم يعيشه اتحاد كتاب مصر منذ عدة أشهر، غابت فيه لغة الحوار الجاد من أجل المصلحة العامة، بينما ارتفعت وتيرة التخوينات والتواطؤات والاتهامات والشتائم بين أعضاء مجلس إدارة الاتحاد المكون من ثلاثين عضوا، وبعضها وصل إلى ساحة القضاء، حتى أن المجلس نفسه لم يستطع وسط هذا الاحتراب أن يجتمع لمرة واحدة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة تضع مصير الاتحاد في مهب الريح، إن لم يتم تدارك الموقف، واستعادة الاتحاد لهويته الممزقة، ودوره المفتقد في الساحة الثقافية.
تعرض الاتحاد منذ إنشائه في سبعينات القرن الماضي، لهزات، لكنها كانت رد فعل، لتردي الأوضاع الثقافية، وموقف السلطة ووزارة الثقافة، حيال بعض الأحداث الثقافية، مثل استقالة الكاتب الروائي بهاء طاهر من عضوية مجلس الاتحاد في عام 2000، بعد أن أدرك أن وجوده في مجلس إدارة اتحاد الكتاب على مدى ثلاث سنوات «لم يحقق ما كنت أتمناه، من اتحاد قوى ومستقر وفعال».
لكن لم يحدث في تاريخ الاتحاد أن يستقيل هذا الكم من أعضاء مجلس إدارته، والذي وصل إلى نحو عشرين عضوا، من أصل 30 عضوا يتكون منهم المجلس، ومن بين المستقيلين نائب رئيس الاتحاد، وأمين الصندوق، الأمر الذي من شأنه أن يعطل منظومة الخدمات التي يقدمها الاتحاد لأعضائه وعلى رأسها المعاش الشهري لمن بلغوا السن القانونية للتقاعد عن الوظيفة، وأيضا التأمين الصحي، ما يعني بحسب خبراء قانونيين أن شرعية المجلس أصبحت منتهية، فطبقًا للمادة 42 من قانون الاتحاد، يصعب عقد مجلس الإدارة للبت في قبول أو رفض أي استقالة سابقة، ولا ينعقد المجلس كما تنص المادة المذكورة إلا بحضور بأغلبية أعضائه، وهو لن يتحقق في ظل استقالة أكثر من نصف أعضاء المجلس، لذلك يلزم الدعوة لانعقاد جمعية عمومية طارئة، وإجراء انتخابات يتم من خلالها اختيار مجلس جديد.
صورة الاتحاد المهلهلة لا تخلو من إشارات دراماتيكية موجعة، بل تكاد تكون نسخة مصغرة لأوضاع الثقافة المصرية المضطربة بشكل عام، والتي فشلت حتى الآن في أن تنتج فعلا ثقافيا حقيقيا، يشد هموم المبدعين، ويلتفون حوله من أجل مستقبل خصب، يعتد بالتنوع والحوار الخلاق بين شتى التيارات والمشارب الثقافية والإبداعية.
تزداد هذه الصورة انقساما وإيلاما، حين تتكشف حقيقة الصراع في هذه الاحتراب، وهو أنه صراع أشخاص وشللية، وجماعات مصالح وولاء، والخاسر الأكبر هو الاتحاد نفسه، فبدلا من العمل على تطويره ودفعه كمؤسسة مهنية مستقلة تحمي الكتاب والمبدعين، يتم النهش فيه، على هذا النحو الذي لا يليق بأعضاء اتحاد كتاب، يمثلون - من المفترض - ضمير المجتمع وعقله الحر.
الكاتب الروائي والمسرحي الشاعر أحمد سراج عضو اتحاد الكتاب يفند كواليس الأزمة لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «يعاني اتحاد الكتاب ما تعانيه نقابات ومؤسسات كثيرة في مصر، فلقد تم تحويلها ليكون رؤساؤها ألسنة للأنظمة، وبعد الثورة بدأ هؤلاء الرؤوس يتوارون، ويحاول من يأتي خلفهم أن يرث المهمة أو يحور فيها، فيما تعاني البنية الداخلية لها من التشويه بفعل وجود عناصر ضعيفة ترى في قربها من النظام شرعنة لوجودها، هذا غير امتلاء الفضاء بالعناصر الطفيلية التي تقوم بالاستفادة المستمرة من هذه الأداءات المشبوهة، ويقاوم كل هؤلاء أي محاولات إصلاحية أو تجديدية من شأنها النهوض باتحاد الكتاب».
ويحمل سراج مجلس إدارة الاتحاد المسؤولية قائلا إنه «تم ضرب مركز قيادته الرئيسي، فصار الاقتتال والتطاحن، والمضحك المزري: استخدام الاتهامات نفسها والأسلحة ذاتها»، مشيرا إلى أنه منذ عام تقريبا ترك سلماوي الاتحاد على جرف هارٍ، وأن الاتحاد تواجهه أزمات أصحاب الهوى والانتماءات المشبوهة، لكنني لم أتوقع أن يكون أداء رئيسه بهذا السوء والديكتاتورية والاختلال بما دفع أعضاء لتحرير محاضر سب وقذف له». ودعا زملاءه في ائتلاف التغيير إلى تقديم استقالة من المجلس.
أصابع الاتهامات في كل هذا الغبار موجهة إلى الدكتور علاء عبد الهادي رئيس الاتحاد، الذي تولى المنصب خلفا للكاتب محمد سلماوي، حيث يرى معظم أعضاء الاتحاد أنه يتجاوز سلطاته ويخالف القانون، ويعطل انعقاد الجمعية العمومية الدورية للاتحاد والمقرر لها شهر مارس (آذار) من كل عام.
وردا على قرار عبد الهادي بتصعيد نفس عدد الأعضاء المستقيلين من الأعضاء الذين خاضوا الانتخابات الأخيرة ولم يحالفهم التوفيق أصدر عدد من أعضاء مجلس إدارة الاتحاد منهم، محمد السيد عيد، الدكتور مدحت الجيار، الدكتور شريف الجيار، ربيع مفتاح، مصطفى القاضي، عبده الزراع، حمدي البطران، بيانا أكدوا فيه أن رئيس الاتحاد يتجاوز سلطاته التي حددها القانون، وقال البيان: يواجه اتحاد الكتاب هذه الأيام عدة أزمات، أهمها استقالة نحو عشرين عضوًا من مجلس الإدارة، الذي يبلغ عدد أعضائه ثلاثين عضوا. ويترتب على هذا الوضع سؤال حيوي هو: ما الحل؟ الدكتور علاء عبد الهادي أراد أن يحل هذه المشكلة فصنع مشكلتين، الأولى: أنه أعطى نفسه حق قبول استقالة الأعضاء الذين تقدموا باستقالاتهم، والثانية: أنه قرر تصعيد نفس عدد الأعضاء المستقيلين من الأعضاء الذين خاضوا الانتخابات الأخيرة ولم يحالفهم التوفيق. وهذا تجاوز من علاء عبد الهادي لسلطاته التي حددها القانون على وجه القطع، وهي: 1 - توجيه الدعوة للجمعية العمومية لدور الانعقاد العادي وغير العادي ورئاسة الجمعية العمومية وإعداد جدول أعمالها. 2 - تمثيل الاتحاد لدى الغير وأمام القضاء. 3 - القيام بجميع الأعمال القضائية التي يتطلبها وضع قرارات مجلس الاتحاد موضع التنفيذ. 4 - مباشرة الأعمال التي يفوضه فيها مجلس الاتحاد.
ورفض البيان تعلل عبد الهادي بأنه يطبق المادة 32 من قانون الاتحاد، موضحا أنه لم يكلف القانون رئيس المجلس بذلك، بل أناط بالمجلس كله أن يقوم بعملية الاستبدال، كما تنص المادة رقم 37 من قانون الاتحاد.
على الصعيد نفسه كون أعضاء بالاتحاد بقيادة الشاعر محمد ثابت السيد جبهة أطلقوا عليها «جبهة إنقاذ الاتحاد»، وجمعوا أكثر من توقيع مائة عضو بالاتحاد لعقد جمعية عمومية طارئة كما ينص القانون، وطالبوا بسحب الثقة من علاء عبد الهادي رئيس الاتحاد، مؤكدين أنه «بتوقيع 16 عضوا من مجلس الإدارة بسحب الثقة منك أصبحت معزولاً من رئاسة مجلس الإدارة».
وكان عبد الهادي أصدر بيانا مطولا فند فيه تصعيده لعدد من الأعضاء بديلا عن الأعضاء المستقيلين، رافضا عدولهم عن استقالاتهم، مؤكدا أنها «محاولة منهم للرجوع بالاتحاد ثانية إلى نقطة الصفر، وإرجاع الصراع على السلطة فيه إلى نقطة البداية». وقال البيان إنه «لا يوجد في قانون الاتحاد كله أو لائحته ما يلزم رئيس نقابة على عرض استقالات (غير مسببة)، على مجلس (لا يمكن انعقاده أصلا)، لأن عدد المستقيلين منه - قصدًا - جاء أكبر من نصف أعضائه! هنا تصبح القاعدة القانونية التي تجبرنا على تصعيد أعضاء جدد لمصلحة جموع الأعضاء، وحماية مصلحة المكان والمكانة ومن ينتمون إليهما واجبة التطبيق».
وتعهد عبد الهادي بالوقوف ضد «أي محاولة لإسقاط الاتحاد في أيدي جماعة من المقامرين بمصيره». وقال: «سنقدم خلال أيام في بيان كشف حساب كامل عن منجزات العام المنصرم، بالأرقام والمستندات، عاقدين العزم على المحافظة على حقوق الأعضاء من معاش وعلاج وإعانة، باذلين كل جهد لاستيفاء شروط انعقاد الجمعية العمومية العادية القادمة في أسرع وقت».
هذا المشهد المؤلم ليس وليد اللحظة، بل فيما يبدو وليد صراعات تم تجميدها، منذ تشكيل المجلس عقب الانتخابات التي جرت قبل نحو عامين، وهو ما يكشف عنه أحمد سراج قائلا: ما الذي جرى؟ تحالف الدكتور علاء عبد الهادي مع جمال التلاوي وأعطى كل منهما الآخر صوته وأصوات من معه.. ثم اتهم عبد الهادي التلاوي بأنه إخواني، وبأنه ضد الدولة.. فيما سعى التلاوي إلى تأليب المجلس على عبد الهادي للإطاحة به وترشيح نفسه رئيسا. ولم يستطع عبد الهادي أن يصل بمجلس الإدارة إلى الاجتماع مرة واحدة خلال ثلاثة أشهر.
ووصف سراج لعبة السلطة في الاتحاد قائلا بأنها تكمن في: تحرك السيناريو بين محاولة عبد الهادي الانفراد بالأمر ومحاولة الأطراف الأخرى للإطاحة به حتى تقدم 18 عضوا من إجمالي 30 بالاستقالة، وهنا وبحكم نص القانون الواضح فالأمر بحاجة إلى التصعيد إلى الجهة المسؤولة إداريا عن الاتحاد، لأن مجلس الإدارة بأغلبية هو من له الحق في قبول الاستقالة.. لكن قام عبد الهادي بالتغول على قانون اتحاد الكتاب فصعد 16 عضوا (لأن هناك استقالتين مسببتين تلزمانه بالتحقيق قبل قبولهما) وهذا ليس من صلاحياته المنصوص عليها..
وفسر سراج تراجع بعض مقدمي الاستقالة عنها، بأنهم بدأوا يعدون لإسقاط عبد الهادي عبر أغلبية، فيما يسعى التلاوي لإعادة الوضع إلى ما قبل الاستقالة مع سجن عبد الهادي في منصب صوري، أما حزين عمر فيصر على أن يكون رئيسًا للاتحاد.
ويخلص سراج إلى أنه: وفقا للقانون فقد دعا أعضاء إلى جمعية عمومية غير عادية ووقع على الطلب مائة عضو وثلاثة، وسلم الطلب المحامي فاروق عبد الله لمدير الاتحاد بما يلزم بعقد جمعية خلال 45 يوما من تسلمه الإخطار.
ويرى سراج أن الحلول كلها تصب في انتخابات جديدة، لكن يبدو من الواجب عزل أعضاء المجلس المتورطين في مخالفات الميزانية والتزوير لحين بت الجهة المختصة، محملا عبد الهادي، رئيس الاتحاد مسؤولية ما يجري في قائلا: «أخطأ عبد الهادي، حين اعتبر أنه بحكم منصبه صار الدولة ومن يعاديه فهو إخواني مخرب، ومن يؤيده، فهو وطني شريف».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.