لماذا يشعر المبدعون الكويتيون بالإحباط؟

قراءة في نصوص 17 كاتبا وكاتبة ينتمون لأجيال مختلفة

إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
TT

لماذا يشعر المبدعون الكويتيون بالإحباط؟

إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان

يا إلهي! يبدو الكويتيون بالفعل في حالة من الإحباط. هذه هي الفكرة التي تذهل أي قارئ بعد أن يمضي أياما مع مقتطفات من القصص القصيرة والروايات الكويتية، التي نشرتها مجلة «بانيبال»، مجلة الأدب العربي بالإنجليزية، في عددها الـ47.
على السطح، بالطبع، ثمة سبب يدفع الكويتيين للشعور بالإحباط. تتمتع الدولة بقدر من الحرية السياسية يفوق الكثير من الدول الأخرى في المنطقة وتقدم لمواطنيها نظام رفاهية شامل نسبيا. غير أن الأدب القصصي الحالي في الكويت يجسد مجتمعا يتمتع بقدر ضئيل من البهجة، على الأقل. في ظل هذا الأدب القصصي، يبدو أن الكويتيين يشبعون شهيتهم ولكنهم لا يشعرون بالرضا، يملكون المال ولكن ليسوا أثرياء، أحرار ولكن يتمتعون بحريات محدودة. هنا، كل شيء يتخذ حالة «تقريبا»؛ الكوب يقترب من الشفاه، ولكنه لا يصل إليها تماما.
الكثير من الشخصيات لا تشعر بالحرية في الكشف عن ذاتها الداخلية إلى أن تخرج من الكويت. إنهم بدويون حديثون، يهاجرون مع المواسم. خذ، على سبيل المثال، بطلة قصة فاطمة يوسف علي القصيرة «العودة من شهر عسل»، التي تحكي قصة مجموعة من الشابات الكويتيات اللائي يزرن القاهرة، حيث يتنقلن بحرية في المدينة من دون الأعين المراقبة من قبل الأقارب والجيران. ولكن حتى في ذلك الحين، تشعر البطلة بسعادة حقيقية فقط عندما ينتهي بها الحال للنوم وحيدة والحلم باللحاق برحلة بالطائرة إلى وجهة غير معلومة.
أو خذ مثال البطلة بثينة العيسى في رواية «صدام صامت». يتعين عليها الذهاب إلى مدينة سويدية بعيدة لمقابلة «غجري بدوي» يسألها عن حال الكويت. ويكون هذا هو الجواب: «تسألني: كيف حال الكويت؟ كما لو أنك تسأل عن صديقة قطعت الاتصال بها. قد تسأل: هل تزوجت؟ هل تزوجت أم ما زالت عزباء أم تعيش قصة حب؟ هل تستقبل الخطباء غير الملائمين كما هو الحال دائما؟ ما الذي ستفعله لمواجهة هذا الإثم؟ هل تهينك وتحبك في آن واحد؟ هل تذهب إلى الأمكان وكل مكان في الوقت نفسه؟ ربما ظلت بشخصيتها، ساحرة ولكن مستحيلة. كيف حال عزيزتي الكويت؟».
أما شخصية «طيبة»، البطلة التي لا تتوفر فيها الصفات التقليدية للبطلة في «كحل أسود قلب أبيض» لمنى الشمري، فهي في حالة اغتراب مزدوج. فعلى الرغم من أنها ما زالت طفلة، فإنه «تم جلبها من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية لتكون زوجة (لعبة) لسليل أسرة ثرية بدين يعاني من تخلف عقلي يعتبر أقاربه هذه الفتاة الشابة بمثابة علاج سحري لحالته. تنجح الشمري في خلق مناخ من القمع والرعب يعيد إلى الأذهان أفضل ما في أدب الجريمة (القوي). وفي ظل ذلك المناخ، لا يشعر أحد بالسعادة نظرا لأنه حتى المستبدين في الأسرة مقموعون من التقاليد والخرافات والتعصب».
إن عددا قليلا من الشخصيات في الأدب الكويت الحالي يتمثل في أجانب يعملون في الدولة. البعض، على غرار المعلم المصري في رواية طالب الرفاعي «مرحبا بكم في شركة أبو عجاج للبناء»، الذي شغف بخرافة الكويت كمكان أسطوري، وكان شعاره هو: «الكويت والبترول والمال والعمل!». ومع ذلك، فسرعان ما وقع ضحية للبيروقراطية والممارسات القاسية وصور الخداع من كل نوع وعزلة تنخر في روحه. كذلك، أذهلته حقيقة أنه قلما يلتقي كويتيين من السكان الأصليين. يحادث المهاجر المصري نفسه قائلا: «ربما كنت في الهند، وليس الكويت». وحول ما يصفه بـ«محنة النفي المريرة»، يخلق الرفاعي حالة تتداخل فيه لحظات الكوميديا السوداء مع خطاب الإحباط الذي أفرزه التحرر من الوهم.
يترك منفيون آخرون، أمثال البطل العراقي في رواية إسماعيل فهد إسماعيل «حدث بالأمس»، الكويت للعودة للوطن بحثا عن طفولتهم الضائعة وشبابهم المفقود. في هذه الحالة، ينجح المنفي العائد في العثور على ضاحيته القديمة التي تحمل عن جدارة اسم «باب الهوى» في البصرة على طول شط العرب لينتهي به الحال إلى أن يلقى مصرعه جراء طلقة من مدفع رشاش على جبهته. وبعد رحيله من الكويت للفرار من حالة الإحباط التي تعتريه، كان مصدر بهجته الوحيد هو لحظة قصيرة يسمع فيها أصوات نقيق الضفادع. ويشير بقدر من الاعتزاز إلى عدم وجود ضفادع في الكويت. إن «النثر الثري لإسماعيل وبراعته في استخدام الأساليب غير المباشرة في الكتابة الأدبية تمكنه من المقاربة بين قصة بطله وقصة العراق كسلسلة مكتملة من المشاهد التي تعود بالأحداث لوقت سابق وتلك التي تتطلع للمستقبل».
يتناول حميدي حمود أيضا موضوع النفي في قصته القصيرة «لاجئ»، المكتوبة بإيجاز تقرير شرطة. اللاجئ محور القصة هو كاتب ينظر لحياته، بكل آماله وطموحاته، وكأنها اختزلت في ملف على مكتب محقق ينبغي أن يتخذ قرارا بشأن طلبه الحصول على حق اللجوء السياسي أو حتى «تحويلي إلى مجرم».
في قصة سليمان الشطي القصيرة: «صوت من الظلام»، تتحطم الصورة البطولية، التي رسمها برغوازي لنفسه مع اتصال شخص ما بهاتفه ليلا طالبا النجدة. تأتي لحظة الحقيقة بشأن جبنه بعد مناجاة في حلم يرى نفسه فيه يلقي خطابا عن الحاجة للعودة إلى فضائل الصحراء.
«كانت الصحراء خاوية إلا من صوت الإنسان الذي ملء مساحتها بأنبل الأفكار: وجد تقييم المحتاجين والصداقة الحميمة والكرامة، بل وحتى التضامن الاجتماعي، مكانا لا يمكن إنكاره على قائمتنا».
ومع ذلك، فإن هذا هو الماضي. فماذا عن الحاضر؟ الحاضر يتعلق بالخوف من التعرض للسطو أو حتى القتل؛ من الأفضل للمرء أن يعزل نفسه، أملا في أن يأتي الآخرون لمساعدة الشخص الذي يطلب النجدة. أثناء نومه، يستمر البطل الذي لا تتوفر فيه الصفات التقليدية للبطل في الصراخ قائلا: «أيقظوهم، أيقظوهم!».
وفي «حب من أول مكالمة» لسليمان الخليفي، تعتقد الشخصيتان المحوريتان أنهما قد وقعا في حب بعضهما البعض من خلال سلسلة من المحادثات الهاتفية. ولأنهما لم يلتقيا وجها لوجه، فإن كلا منهما يرسم صورة مثالية للآخر. في النهاية، يتفقان على أن يلتقيا بالقيادة حتى الوصول إلى موقع معين. ومن دون علمهما، يتورطان في مشهد عنف في القيادة، يقود بطريقة شبه متعمدة لقتل الآخر.
ونظرا لصعوبة التقاء الرجال والنساء الذين لا تربطهم علاقة زواج في الأماكن العامة في الكويت، يبدو أن العلاقات العاطفية الهاتفية شائعة. في «سجين المرايا» لسعود السنوسي، وهي رواية كاملة عن التجربة الرهيبة للكويت خلال الغزو العراقي والاحتلال في الفترة 1990 - 1991، يغرم البطلان ببعضهما بعضا من خلال سلسلة من المكالمات الهاتفية. يتساءل البطل، ويدعى عبد العزيز، وهو ابن مقاتل مقاوم نال الشهادة، قائلا: «هل وقعت في حب صوتك؟ شعرت بحافز غريب يدفعني للاستماع إليه».
السقوط عند أول صوت أمر شبه مفهوم. يصبح جسرا يصل بين شخصين يبحثان عن الحب. وفي هذه الحالة، ينتهي الحال باثنين من المحبين عبر الهاتف للالتقاء واكتشاف أن والديهما كانا رفيقين في المقاومة ضد «الضباع» العراقية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن حتى الحب لا يمكن أن ينقذ البطل من إحباطه. حياته عبارة عن قصة خسائر متكررة، الأب والأم والدولة. وحتى عندما استردت الكويت، لم تعد الأمور مطلقا مثلما كانت من قبل. يتساءل عبد العزيز، وهو يجلس في مطعم، عما إذا كان موت أبيه لم يذهب سدى، إذ «اختفى الأبطال كالأفيال المنقرضة والديناصورات».
ويرى أنه «حتى مع أن السواد الأعظم من الناس هناك كانوا في نفس عمري، فلم تجمعنا أي صفات مشتركة. فمع وجود شباب يرتدون ملابس على أحدث صيحات الموضة وفتيات يعتمدن مساحيق تجميل بشكل مفرط، بدا المطعم كله أشبه بممشى عرض أزياء، وطغت رائحة العطور على رائحة الطعام». وفي سياق مثل هذا، يصبح الحب مستحيلا.
وفي رواية «سلم النهار»، أظهرت فوزية شويش السالم أيضا استحالة الحب من خلال كسر الكثير من المحاذير في الرواية العربية قدر استطاعتها. واستخدمت السالم مجموعة من الكليشيهات الغربية، مثل وضع وشاح أحمر حول خصر المرأة، واستخدام موسيقى الفلامنكو، واللجوء إلى شكل من أشكال التعري يبدأ بالتخلي عن الحجاب، لترسم صورة مثيرة تذكرنا بأفضل مشاهد الغرام في ألف ليلة وليلة. وتعمل البطلة على «انتزاع الحب من العصر الذي تعيش فيه، ومن أعين والديها ومن حكم القبيلة؛ ذلك الحب الذي تقف فيه السعادة في مواجهة الخطر».
وتعد رواية «حذاء أسود على الرصيف» للكاتبة باسمة العنزي بمثابة هجاء معاصر للافتتان الكويتي بكل ما هو غربي. وتشير العنزي إلى أن الكويت، التي يصل عدد سكانها إلى نصف مليون نسمة، بها أكثر من 20,000 حاصل على شهادة الدكتوراه، وهو رقم قياسي عالمي على الأرجح. فايز، بطل الرواية، هو خبير استراتيجي في مجال الأعمال ومتخصص في «تقليص العمالة». إنه يلقي خطبا رنانة حول حاجة العرب لخلق 50 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2020 حتى يتم الحفاظ على معدل البطالة الحالي. ويتنقل فايز من مكان إلى آخر باستمرار، ونادرا ما يقيم في أي دولة لأكثر من أسبوع. ويمتلئ عالم الدكتور، كما تطلق عليه العنزي، بالعلامات التجارية الفاخرة والمثيرة للإعجاب. وهو يتفاخر بساعته الـ«رولكس»، «لأن أي رجل لا يستطيع امتلاك ساعة (رولكس) حتى الـ50 من عمره، فهذا يعني أنه شخص فاشل!». وعلى الرغم من أن الحياة الخاصة للدكتور تمتلئ بالرفاهية، فإن حياته العامة مليئة بالوحدة والدمار، وملوثة بأكوام من القمامة.
وترسم العنزي مجموعة رائعة من الشخصيات على خلفية من المؤامرات الإدارية والعلاقات غير الشرعية والمشكلات، ومن بين الشخصيات التي لا تنسى توجد شخصية أبو طارق الذي يحاول ألا يفقد إنسانيته عن طريق تربية خيول السباق.
وكان الافتتان بالغرب أيضا هو موضوع رواية «غيوم تحت وتر» لعلي حسين الفيلكاوي. الراوي يعمل وكيل سفريات، ولكنه يزور كل ركن من أركان المعمورة من خلال قصص الرحلات والكتيبات والأفلام الوثائقية. لكن عزلته تنتهي عندما يرافق كدليل مجموعة من السائحين الكويتيين في رحلة إلى باريس والريفيرا الفرنسية. ولا يهتم السائحون بأشياء أكثر من المشروبات الغريبة والجنس والتسوق والنميمة، ويتم الحكم على معظم الأشياء من خلال أسعارها، وقبل نهاية الرحلة، يقدم الراوي قائمة بأسعار الأشياء التي اشترتها المجموعة قبل عودته إلى وطنه.
ومثله مثل بعض الكتاب في هذه المقتطفات الأدبية المختارة، نجد أن الفيلكاوي قد تأثر كثيرا بأنماط النثر الأميركية، وهو ما يقوي ويعزز موضوع التغريب.
وتعد ليلى العثمان أحد الكتاب القلائل في هذه المقتطفات الأدبية المختارة الذين يرون الحياة التقليدية على أنها ما زالت حيوية للحفاظ على الحبكة الدرامية للعمل الأدبي. وفي روايتها «عباءة الكاظم»، أصبحت عباءة الصوف التقليدية رمزا لتلاشي نمط الحياة العربي. وتحول ما بدأ على أنه قصة حب تقليدية إلى انعكاس لعلاقة الشخص بالماضي. وتقوم بطلة الرواية بزيارة ضريح الإمام الشيعي موسى الكاظم في بغداد، وعندما طلب منها الحارس ارتداء العباءة قبل الدخول، ردت قائلة «أنا أكره العباءات، ولم أرتدها من قبل. ولكنه سحب عباءة من كوم من الملابس الموضوعة في صندوق قديم وطلب مني أن أقوم بارتدائها، وبالفعل قمت بارتدائها وأنا مشمئزة، فقد كانت رثة، وكانت أطرافها تكتسي باللون الأخضر نتيجة لقدمها وللاستخدام المتكرر، وكانت تنبعث منها رائحة كريهة».
وتتميز الرواية بالتشويق حتى النهاية، حيث تصور الرواية الاختيار الواضح للعرب: فإما الانغماس في الماضي أو طيه في بحر النسيان.
وبينما يتعامل معظم الكتاب في هذه المقتطفات الأدبية المختارة مع مواجهة العرب للغرب، تركز ثريا البقصمي على المواجهة مع الشرق في شكل الاتحاد السوفياتي المنحل الآن. وفي روايتها «زمن المزمار الأحمر»، تأخذنا البقصمي إلى عدد من الطلاب العرب في العاصمة السوفياتية. وتلقي الضوء على كيفية قيام الشباب العرب، على الرغم من مواقفهم اليسارية، بجلب الممارسات التقليدية والأفكار المسبقة معهم لقلب الإمبراطورية السوفياتية. وتجد إحدى شخصيات الرواية، وهي عائشة، نفسها ضحية للابتزاز من قبل زوجها، حيث تقول البقصمي في الرواية: «كانت عائشة ضحية لتراثها الممتد على مدى قرون؛ امرأة تسحق في كل لحظة، من قبل رجل كان سعيدا بركوب جواد المروءة».
وضع المرأة، ومعاناة «البدون» أو الكويتيين الذين يحرمون من المواطنة، والانبهار بالبذخ المادي للغرب، والاغتراب كتهديد وكمصدر للراحة على حد سواء، والضغط الفصامي من الماضي والصراع الدائم مع الحاضر، كل هذا يقدم الموضوعات الرئيسة للخيال الكويتي في الوقت الراهن.
وبعيدا عن هذه الخلفية القاتمة، تمنحنا القصص القصيرة للكاتب وليد الرجيب بعض الراحة الهزلية، ولا سيما روايته «صباح يوم عادي»، كما يمكنا الاستمتاع أيضا بـ«القصص القصيرة» أو الكاريكاتير اللفظي، الذي يشبه رسائل «تويتر» في حجمه، للكاتب يوسف خليفة، كما في قوله: «بعد 20 عاما كزوجة وأم لخمسة أطفال، نظر إليها رجل من بعيد وابتسم، وتذكرت أنها كانت امرأة».
ولكن دعونا ننهي هذه المقالة بالعودة إلى باسمة العنزي التي أعلنت عن حبها للكويت قائلة: «الحب الذي يجعلك تحب شيئا أكثر من أي شيء آخر، ليس لأنه الأكثر جمالا، ولكن لأنك تحبه فهذا يجعله جميلا».
حسنا، يمكن لهذه المختارات الأدبية أن تجعلنا نحب الكويت القديمة - الجديدة، على الرغم من جميع عيوبها.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.