لماذا يشعر المبدعون الكويتيون بالإحباط؟

قراءة في نصوص 17 كاتبا وكاتبة ينتمون لأجيال مختلفة

إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
TT

لماذا يشعر المبدعون الكويتيون بالإحباط؟

إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان

يا إلهي! يبدو الكويتيون بالفعل في حالة من الإحباط. هذه هي الفكرة التي تذهل أي قارئ بعد أن يمضي أياما مع مقتطفات من القصص القصيرة والروايات الكويتية، التي نشرتها مجلة «بانيبال»، مجلة الأدب العربي بالإنجليزية، في عددها الـ47.
على السطح، بالطبع، ثمة سبب يدفع الكويتيين للشعور بالإحباط. تتمتع الدولة بقدر من الحرية السياسية يفوق الكثير من الدول الأخرى في المنطقة وتقدم لمواطنيها نظام رفاهية شامل نسبيا. غير أن الأدب القصصي الحالي في الكويت يجسد مجتمعا يتمتع بقدر ضئيل من البهجة، على الأقل. في ظل هذا الأدب القصصي، يبدو أن الكويتيين يشبعون شهيتهم ولكنهم لا يشعرون بالرضا، يملكون المال ولكن ليسوا أثرياء، أحرار ولكن يتمتعون بحريات محدودة. هنا، كل شيء يتخذ حالة «تقريبا»؛ الكوب يقترب من الشفاه، ولكنه لا يصل إليها تماما.
الكثير من الشخصيات لا تشعر بالحرية في الكشف عن ذاتها الداخلية إلى أن تخرج من الكويت. إنهم بدويون حديثون، يهاجرون مع المواسم. خذ، على سبيل المثال، بطلة قصة فاطمة يوسف علي القصيرة «العودة من شهر عسل»، التي تحكي قصة مجموعة من الشابات الكويتيات اللائي يزرن القاهرة، حيث يتنقلن بحرية في المدينة من دون الأعين المراقبة من قبل الأقارب والجيران. ولكن حتى في ذلك الحين، تشعر البطلة بسعادة حقيقية فقط عندما ينتهي بها الحال للنوم وحيدة والحلم باللحاق برحلة بالطائرة إلى وجهة غير معلومة.
أو خذ مثال البطلة بثينة العيسى في رواية «صدام صامت». يتعين عليها الذهاب إلى مدينة سويدية بعيدة لمقابلة «غجري بدوي» يسألها عن حال الكويت. ويكون هذا هو الجواب: «تسألني: كيف حال الكويت؟ كما لو أنك تسأل عن صديقة قطعت الاتصال بها. قد تسأل: هل تزوجت؟ هل تزوجت أم ما زالت عزباء أم تعيش قصة حب؟ هل تستقبل الخطباء غير الملائمين كما هو الحال دائما؟ ما الذي ستفعله لمواجهة هذا الإثم؟ هل تهينك وتحبك في آن واحد؟ هل تذهب إلى الأمكان وكل مكان في الوقت نفسه؟ ربما ظلت بشخصيتها، ساحرة ولكن مستحيلة. كيف حال عزيزتي الكويت؟».
أما شخصية «طيبة»، البطلة التي لا تتوفر فيها الصفات التقليدية للبطلة في «كحل أسود قلب أبيض» لمنى الشمري، فهي في حالة اغتراب مزدوج. فعلى الرغم من أنها ما زالت طفلة، فإنه «تم جلبها من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية لتكون زوجة (لعبة) لسليل أسرة ثرية بدين يعاني من تخلف عقلي يعتبر أقاربه هذه الفتاة الشابة بمثابة علاج سحري لحالته. تنجح الشمري في خلق مناخ من القمع والرعب يعيد إلى الأذهان أفضل ما في أدب الجريمة (القوي). وفي ظل ذلك المناخ، لا يشعر أحد بالسعادة نظرا لأنه حتى المستبدين في الأسرة مقموعون من التقاليد والخرافات والتعصب».
إن عددا قليلا من الشخصيات في الأدب الكويت الحالي يتمثل في أجانب يعملون في الدولة. البعض، على غرار المعلم المصري في رواية طالب الرفاعي «مرحبا بكم في شركة أبو عجاج للبناء»، الذي شغف بخرافة الكويت كمكان أسطوري، وكان شعاره هو: «الكويت والبترول والمال والعمل!». ومع ذلك، فسرعان ما وقع ضحية للبيروقراطية والممارسات القاسية وصور الخداع من كل نوع وعزلة تنخر في روحه. كذلك، أذهلته حقيقة أنه قلما يلتقي كويتيين من السكان الأصليين. يحادث المهاجر المصري نفسه قائلا: «ربما كنت في الهند، وليس الكويت». وحول ما يصفه بـ«محنة النفي المريرة»، يخلق الرفاعي حالة تتداخل فيه لحظات الكوميديا السوداء مع خطاب الإحباط الذي أفرزه التحرر من الوهم.
يترك منفيون آخرون، أمثال البطل العراقي في رواية إسماعيل فهد إسماعيل «حدث بالأمس»، الكويت للعودة للوطن بحثا عن طفولتهم الضائعة وشبابهم المفقود. في هذه الحالة، ينجح المنفي العائد في العثور على ضاحيته القديمة التي تحمل عن جدارة اسم «باب الهوى» في البصرة على طول شط العرب لينتهي به الحال إلى أن يلقى مصرعه جراء طلقة من مدفع رشاش على جبهته. وبعد رحيله من الكويت للفرار من حالة الإحباط التي تعتريه، كان مصدر بهجته الوحيد هو لحظة قصيرة يسمع فيها أصوات نقيق الضفادع. ويشير بقدر من الاعتزاز إلى عدم وجود ضفادع في الكويت. إن «النثر الثري لإسماعيل وبراعته في استخدام الأساليب غير المباشرة في الكتابة الأدبية تمكنه من المقاربة بين قصة بطله وقصة العراق كسلسلة مكتملة من المشاهد التي تعود بالأحداث لوقت سابق وتلك التي تتطلع للمستقبل».
يتناول حميدي حمود أيضا موضوع النفي في قصته القصيرة «لاجئ»، المكتوبة بإيجاز تقرير شرطة. اللاجئ محور القصة هو كاتب ينظر لحياته، بكل آماله وطموحاته، وكأنها اختزلت في ملف على مكتب محقق ينبغي أن يتخذ قرارا بشأن طلبه الحصول على حق اللجوء السياسي أو حتى «تحويلي إلى مجرم».
في قصة سليمان الشطي القصيرة: «صوت من الظلام»، تتحطم الصورة البطولية، التي رسمها برغوازي لنفسه مع اتصال شخص ما بهاتفه ليلا طالبا النجدة. تأتي لحظة الحقيقة بشأن جبنه بعد مناجاة في حلم يرى نفسه فيه يلقي خطابا عن الحاجة للعودة إلى فضائل الصحراء.
«كانت الصحراء خاوية إلا من صوت الإنسان الذي ملء مساحتها بأنبل الأفكار: وجد تقييم المحتاجين والصداقة الحميمة والكرامة، بل وحتى التضامن الاجتماعي، مكانا لا يمكن إنكاره على قائمتنا».
ومع ذلك، فإن هذا هو الماضي. فماذا عن الحاضر؟ الحاضر يتعلق بالخوف من التعرض للسطو أو حتى القتل؛ من الأفضل للمرء أن يعزل نفسه، أملا في أن يأتي الآخرون لمساعدة الشخص الذي يطلب النجدة. أثناء نومه، يستمر البطل الذي لا تتوفر فيه الصفات التقليدية للبطل في الصراخ قائلا: «أيقظوهم، أيقظوهم!».
وفي «حب من أول مكالمة» لسليمان الخليفي، تعتقد الشخصيتان المحوريتان أنهما قد وقعا في حب بعضهما البعض من خلال سلسلة من المحادثات الهاتفية. ولأنهما لم يلتقيا وجها لوجه، فإن كلا منهما يرسم صورة مثالية للآخر. في النهاية، يتفقان على أن يلتقيا بالقيادة حتى الوصول إلى موقع معين. ومن دون علمهما، يتورطان في مشهد عنف في القيادة، يقود بطريقة شبه متعمدة لقتل الآخر.
ونظرا لصعوبة التقاء الرجال والنساء الذين لا تربطهم علاقة زواج في الأماكن العامة في الكويت، يبدو أن العلاقات العاطفية الهاتفية شائعة. في «سجين المرايا» لسعود السنوسي، وهي رواية كاملة عن التجربة الرهيبة للكويت خلال الغزو العراقي والاحتلال في الفترة 1990 - 1991، يغرم البطلان ببعضهما بعضا من خلال سلسلة من المكالمات الهاتفية. يتساءل البطل، ويدعى عبد العزيز، وهو ابن مقاتل مقاوم نال الشهادة، قائلا: «هل وقعت في حب صوتك؟ شعرت بحافز غريب يدفعني للاستماع إليه».
السقوط عند أول صوت أمر شبه مفهوم. يصبح جسرا يصل بين شخصين يبحثان عن الحب. وفي هذه الحالة، ينتهي الحال باثنين من المحبين عبر الهاتف للالتقاء واكتشاف أن والديهما كانا رفيقين في المقاومة ضد «الضباع» العراقية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن حتى الحب لا يمكن أن ينقذ البطل من إحباطه. حياته عبارة عن قصة خسائر متكررة، الأب والأم والدولة. وحتى عندما استردت الكويت، لم تعد الأمور مطلقا مثلما كانت من قبل. يتساءل عبد العزيز، وهو يجلس في مطعم، عما إذا كان موت أبيه لم يذهب سدى، إذ «اختفى الأبطال كالأفيال المنقرضة والديناصورات».
ويرى أنه «حتى مع أن السواد الأعظم من الناس هناك كانوا في نفس عمري، فلم تجمعنا أي صفات مشتركة. فمع وجود شباب يرتدون ملابس على أحدث صيحات الموضة وفتيات يعتمدن مساحيق تجميل بشكل مفرط، بدا المطعم كله أشبه بممشى عرض أزياء، وطغت رائحة العطور على رائحة الطعام». وفي سياق مثل هذا، يصبح الحب مستحيلا.
وفي رواية «سلم النهار»، أظهرت فوزية شويش السالم أيضا استحالة الحب من خلال كسر الكثير من المحاذير في الرواية العربية قدر استطاعتها. واستخدمت السالم مجموعة من الكليشيهات الغربية، مثل وضع وشاح أحمر حول خصر المرأة، واستخدام موسيقى الفلامنكو، واللجوء إلى شكل من أشكال التعري يبدأ بالتخلي عن الحجاب، لترسم صورة مثيرة تذكرنا بأفضل مشاهد الغرام في ألف ليلة وليلة. وتعمل البطلة على «انتزاع الحب من العصر الذي تعيش فيه، ومن أعين والديها ومن حكم القبيلة؛ ذلك الحب الذي تقف فيه السعادة في مواجهة الخطر».
وتعد رواية «حذاء أسود على الرصيف» للكاتبة باسمة العنزي بمثابة هجاء معاصر للافتتان الكويتي بكل ما هو غربي. وتشير العنزي إلى أن الكويت، التي يصل عدد سكانها إلى نصف مليون نسمة، بها أكثر من 20,000 حاصل على شهادة الدكتوراه، وهو رقم قياسي عالمي على الأرجح. فايز، بطل الرواية، هو خبير استراتيجي في مجال الأعمال ومتخصص في «تقليص العمالة». إنه يلقي خطبا رنانة حول حاجة العرب لخلق 50 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2020 حتى يتم الحفاظ على معدل البطالة الحالي. ويتنقل فايز من مكان إلى آخر باستمرار، ونادرا ما يقيم في أي دولة لأكثر من أسبوع. ويمتلئ عالم الدكتور، كما تطلق عليه العنزي، بالعلامات التجارية الفاخرة والمثيرة للإعجاب. وهو يتفاخر بساعته الـ«رولكس»، «لأن أي رجل لا يستطيع امتلاك ساعة (رولكس) حتى الـ50 من عمره، فهذا يعني أنه شخص فاشل!». وعلى الرغم من أن الحياة الخاصة للدكتور تمتلئ بالرفاهية، فإن حياته العامة مليئة بالوحدة والدمار، وملوثة بأكوام من القمامة.
وترسم العنزي مجموعة رائعة من الشخصيات على خلفية من المؤامرات الإدارية والعلاقات غير الشرعية والمشكلات، ومن بين الشخصيات التي لا تنسى توجد شخصية أبو طارق الذي يحاول ألا يفقد إنسانيته عن طريق تربية خيول السباق.
وكان الافتتان بالغرب أيضا هو موضوع رواية «غيوم تحت وتر» لعلي حسين الفيلكاوي. الراوي يعمل وكيل سفريات، ولكنه يزور كل ركن من أركان المعمورة من خلال قصص الرحلات والكتيبات والأفلام الوثائقية. لكن عزلته تنتهي عندما يرافق كدليل مجموعة من السائحين الكويتيين في رحلة إلى باريس والريفيرا الفرنسية. ولا يهتم السائحون بأشياء أكثر من المشروبات الغريبة والجنس والتسوق والنميمة، ويتم الحكم على معظم الأشياء من خلال أسعارها، وقبل نهاية الرحلة، يقدم الراوي قائمة بأسعار الأشياء التي اشترتها المجموعة قبل عودته إلى وطنه.
ومثله مثل بعض الكتاب في هذه المقتطفات الأدبية المختارة، نجد أن الفيلكاوي قد تأثر كثيرا بأنماط النثر الأميركية، وهو ما يقوي ويعزز موضوع التغريب.
وتعد ليلى العثمان أحد الكتاب القلائل في هذه المقتطفات الأدبية المختارة الذين يرون الحياة التقليدية على أنها ما زالت حيوية للحفاظ على الحبكة الدرامية للعمل الأدبي. وفي روايتها «عباءة الكاظم»، أصبحت عباءة الصوف التقليدية رمزا لتلاشي نمط الحياة العربي. وتحول ما بدأ على أنه قصة حب تقليدية إلى انعكاس لعلاقة الشخص بالماضي. وتقوم بطلة الرواية بزيارة ضريح الإمام الشيعي موسى الكاظم في بغداد، وعندما طلب منها الحارس ارتداء العباءة قبل الدخول، ردت قائلة «أنا أكره العباءات، ولم أرتدها من قبل. ولكنه سحب عباءة من كوم من الملابس الموضوعة في صندوق قديم وطلب مني أن أقوم بارتدائها، وبالفعل قمت بارتدائها وأنا مشمئزة، فقد كانت رثة، وكانت أطرافها تكتسي باللون الأخضر نتيجة لقدمها وللاستخدام المتكرر، وكانت تنبعث منها رائحة كريهة».
وتتميز الرواية بالتشويق حتى النهاية، حيث تصور الرواية الاختيار الواضح للعرب: فإما الانغماس في الماضي أو طيه في بحر النسيان.
وبينما يتعامل معظم الكتاب في هذه المقتطفات الأدبية المختارة مع مواجهة العرب للغرب، تركز ثريا البقصمي على المواجهة مع الشرق في شكل الاتحاد السوفياتي المنحل الآن. وفي روايتها «زمن المزمار الأحمر»، تأخذنا البقصمي إلى عدد من الطلاب العرب في العاصمة السوفياتية. وتلقي الضوء على كيفية قيام الشباب العرب، على الرغم من مواقفهم اليسارية، بجلب الممارسات التقليدية والأفكار المسبقة معهم لقلب الإمبراطورية السوفياتية. وتجد إحدى شخصيات الرواية، وهي عائشة، نفسها ضحية للابتزاز من قبل زوجها، حيث تقول البقصمي في الرواية: «كانت عائشة ضحية لتراثها الممتد على مدى قرون؛ امرأة تسحق في كل لحظة، من قبل رجل كان سعيدا بركوب جواد المروءة».
وضع المرأة، ومعاناة «البدون» أو الكويتيين الذين يحرمون من المواطنة، والانبهار بالبذخ المادي للغرب، والاغتراب كتهديد وكمصدر للراحة على حد سواء، والضغط الفصامي من الماضي والصراع الدائم مع الحاضر، كل هذا يقدم الموضوعات الرئيسة للخيال الكويتي في الوقت الراهن.
وبعيدا عن هذه الخلفية القاتمة، تمنحنا القصص القصيرة للكاتب وليد الرجيب بعض الراحة الهزلية، ولا سيما روايته «صباح يوم عادي»، كما يمكنا الاستمتاع أيضا بـ«القصص القصيرة» أو الكاريكاتير اللفظي، الذي يشبه رسائل «تويتر» في حجمه، للكاتب يوسف خليفة، كما في قوله: «بعد 20 عاما كزوجة وأم لخمسة أطفال، نظر إليها رجل من بعيد وابتسم، وتذكرت أنها كانت امرأة».
ولكن دعونا ننهي هذه المقالة بالعودة إلى باسمة العنزي التي أعلنت عن حبها للكويت قائلة: «الحب الذي يجعلك تحب شيئا أكثر من أي شيء آخر، ليس لأنه الأكثر جمالا، ولكن لأنك تحبه فهذا يجعله جميلا».
حسنا، يمكن لهذه المختارات الأدبية أن تجعلنا نحب الكويت القديمة - الجديدة، على الرغم من جميع عيوبها.



في رحيل سعيد السريحي.. المعتَزَلُ ووعُولُه

د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
TT

في رحيل سعيد السريحي.. المعتَزَلُ ووعُولُه

د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)

هل لي أن أعيد تعريف الموت بطريقة أخرى؟ فمرّات قليلة فقط يظهر فيها هذا الشبح الأسود في صورة قنّاص محترف، فلا فريسته هذه المرة من الداجن والأليف، ولا البندقية مستعدة لإفراغ حشوتها في حقل من القطن.هكذا يصبح الأمر مبرراً، فالبندقية مصوّبة ومتكئة فوق صخرة من الهواء الصلب، بينما الفريسة تنتقل في خفة وراء طرائدها دون أن تلتفت، إنه مرح المعرفة المرعب، ماؤها المزجج بذهب وريش، غير المهتم بالخطر والمراقبة.

ومع كلّ هذا، لا يمكن اختصار السريحي في خطبة كالتي أحاول أن أبنيها من حطب الغابة. وحتى دون أن أكون متصوفاً أو كاهناً، يمكن أن ألمح تلك الصومعة اليتيمة على جناح السروات، صومعةٌ تفرّغ فيها السريحي لِسَنِّ قرون وعوله، معتزلٌ يليق بلغة فيها من حرارة العراك بين الوحشي والأليف ما يكفي لإيقاظ جبانة من الكبريت، فقد كان السريحي مبللاً بالحريق على الدوام.

ومع كلّ صباح كان يقوم بتدريب شاق صعوداً ونزولاً على منحدرات وحواف حادة من الرعود والصواعق، ولكنه في نهاية اليوم، دائماً ما كان يملأ صحاف الليل بالبخور، ربابته إلى جانبه، مطرقاً على الدوام، مهتماً على الدوام، قاطعاً أرسان وعوله، مسرّحاً إياها لتملأ جيوب الليل بأنفاسها التي ما إن تلفح فجّاً من الصخور إلا وشبَّ وكأنه شواظ من الجمر.

د. سعيد السريحي أمام قصر فرساي في فرنسا 2025 (من أرشيف السريحي)

هل لي أن أعيد تعريف الموت بطريقة أخرى؟ برباطة جأش كالتي لمقاتل طروادي، فقد كان السريحي يجيد هذا النوع من القتال أيضاً، يجيد الدفاع عن قلاعه ببسالة كالتي لحديد، وليونة كالتي لعشب، منتقلاً بين ضفتيهما، حابساً أنفاس الماء والهواء معاً، يفعل كل ذلك من أجل أن تنام قصيدته هيلين مطمئنة تحت شجر الليل، كما يقترح هو في قصيدته «خليص».

«خليص» و«مصر حلوة» تحديداً، حتى لا أذيب شحم هذا الحبر فيما هو أبعد، فمقدمة منطقية محكية ومشحونة بالبداوة وخفة الظل كالتي يقترحها هذا التوأم، مقدمة كهذه تتوفر على سليقة سيل وناب ذئب تغطيهما سماء من الفراش، لن تترك للخيال الشيء الكثير ليصطاد الصقور، ليكتشف ما هو عليه السريحي في بقية إجراءاته الإبداعية، هذا العدم الشعري الذي كان يخفيه السريحي وراء جلد كونه السميك والظاهر، كون من نيازك الحداثة الصلدة ومذنباتها، كون كان يعرف مسالكه وأقفاله أكثر مما يعرف عن مزاليج عشّه الدنيوي. في الحقيقة كان ذلك العدم عدماً مشبعاً بالنور والاشتعالات السديمية.

وكأن لغة السريحي مفطومة على العراء، مجبولة من رغبة فرناسية في الطيران المحفوف، حتى صارت ترضع من ثدي الأسطورة الشخصية بمعناها المركب والعميق.

الناقد السريحي والشاعر محمد الماجد (أرشيف الماجد)

ومع ذلك، يمكن أن يكون التوأم هذا صدفة زواج سعيدة، لكنني أفضل أن أصفه بالصدمة، كهرباء تسري في الجسد فتجعله يرتعد. ففي المناسبات الرسمية والأكاديمية، كان السريحي يعتمر قبعة الأكاديمي الصارم، لا أستطيع تشبيه حضوره سوى بكمرة من الخرسانة العارية، أو ضفيرة من الألماس، هكذا هو، دائماً ما كان يكمل مثلث الصلابة بصلصاله العتيد، ولكنه عندما يفترش الحصير والدلال بين أصدقائه، يستحيل إلى رويٍ راقص، رويّ ينتقل بخفة بين خيام الشعر دون ملل، يقول فيستزيده الأصدقاء، يدق البنَّ، ثم يشعل سيجاره، يسرح الهواء بفضة رأسه ويبدأ بعدها بالغناء.

كم كانت كتب السريحي ودراساته رائعة وجميلة، سرداً ملغوماً بغزالات وفوانيس من الزيتون، وكأنها سلة حصاد لمئوية كاملة من الكد الحداثي. ولكنني عندما أقارن ذلك بممارسته، أستطيع بوضوح أن أرى كفة الميزان وهي تميل لصالح هذه الأخيرة، لصالح الترجمة الحيّة، وهذا ما يبرع فيه السريحي دون تكلّف، وكأنه يصرخ: المفاهيم والمصطلحات تركتها هناك، حيث الدرس والتعلم، أما هنا فلا أستطيع سوى الإشعال في جسدي لكي تروا تماماً وبوضوح ما كنت أرمي إليه دائماً.

——

(*) شاعر سعودي


إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.