أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. يستحضر ألق الزمن الجميل

عودة إلى مفهوم الموضة الحقيقي بديكورات بسيطة.. وصالونات حميمة

TT

أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. يستحضر ألق الزمن الجميل

أخيرا تنفست أوساط الموضة الصعداء بعد شهر كامل من عروض الأزياء، بدأت في نيويورك ومرت بلندن وميلانو لتنتهي في باريس. ورغم أنه لم تكن هناك ثورات، بمعنى توجهات بالمعنى الجديد، كانت هناك أناقة واضحة، تميل إلى التجاري، وتمثلت أكثر في طرق تنسيق القطع مع بعضها بشكل مبتكر، إضافة إلى الجمع بين قطع لم يكن يخطر بالبال جمعها بهذا المستوى الراقي. وليس أدل على هذا من الكنزة الصوفية العالية الرقبة التي ظهرت في عرض دار «فالنتينو» مع فساتين سهرة أو كوكتيل، ستجعل كل امرأة راضية عنها، لعمليتها. ثمانية أيام في باريس وحدها تجعل الشهية مفتوحة على مواضيع هامشية تكسر رتابة العروض حينا والملل الذي يتسرب إلى النفس حينا آخر، لهذا كانت هناك مواضيع كثيرة مثيرة للجدل تباينت بين التدبيرات الأمنية الصارمة التي أخرت بعض العروض وبين برودة الطقس. لكن الموضوع الذي تم تداوله أكثر، إلى جانب غياب مصممين فنيين من بيوت أزياء كبيرة، مثل «ديور»: «لانفان» وإشاعات بمغادرة آخرين مثل هادي سليمان، هو طرح كل ما يُعرض على منصات العرض مباشرة في اليوم التالي أو في نفس الأسبوع. صحيح أن الكثير من المصممين في بريطانيا والولايات المتحدة رحبوا به، إلا أن آخرين في باريس وميلانو رفضوه بشكل قاطع، بينما استبعد بعضهم تطبيقه في المستقبل القريب، على أساس أنه غير واقعي ويتطلب تحضيرات كثيرة. فعدم عمليته لا تشمل عروض الأزياء والزبناء بل تمس طريقة عمل المشترين والمشتريات الذين يعملون مع محلات كبيرة. فهؤلاء سيكون عليهم أن يأخذوا قرارات مصيرية، ستترجم إلى أرقام وأرباح عندما تصل إلى المحلات، مما سيجعل مهمتهم أصعب. فكيف يمكنهم انتقاء قطع قبل أن تعرض على منصات العرض؟ على الأقل اختياراتهم بعد رؤيتها على منصات العرض ومعاينة ردود أفعال الحضور، تمنحهم فكرة أوضح.
لحسن الحظ أن هذه المواضيع الجانبية، رغم أهميتها المصيرية إن صح القول، لم تغط على لحظات تاريخية عايشناها خلال أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017. مثل أول عرضه قدمه الجيورجي ديمنا فازاليا لدار «بالنسياجا»، أو ما يمكن أن يكون آخر عرض قدمه هادي سليمان لدار «سان لوران». وإذا كان الأول نجح في الامتحان بعودته إلى المؤسس كريستوبال بالنسياجا وأعاد صياغة تصاميمه المعمارية بأسلوب هندسي معاصر، فإن هادي سليمان كالعادة كان مثيرا للجدل. هو الآخر عاد، وربما لأول مرة، للغرب من أرشيف الدار وإحياء أسلوب إيف سان لوران. غاب أسلوبه الخاص المتأثر بأسلوب «الغرانج» الذي يحاول منذ سنوات تسويقه لنا برقي، وعاد إلى الثمانينات وعهد الراحل إيف سان لوران، الأمر الذي جعل العرض تجربة عاطفية ومنح التشكيلة تأثيرا دراميا. قد لا تكون كل التصاميم موفقة، خصوصا أن بعضها عاد إلى الثمانينات بشكل حرفي، أو توخى الفنية إلى حد السريالي مثل جاكيت على شكل قلب باللون الأحمر، إلا أن عدم استعماله للموسيقى، رغم أنه يعشق الموسيقى، واختياره مكانا حميما للعرض من دون ديكورات أو سفسطة، جعل العرض تجربة من الصعب أن تُنسى بسرعة، لا سيما أنها عادت بنا إلى عصر الصالونات. فقد خيم على المكان صمت لم يكسره سوى صوت بينيديكت دي جينستو، وهي تقدم كل قطعة كما كانت تفعل في عهد إيف سان لوران ما بين عامي 1977 و2002. رسالة هادي سليمان كانت إبراز الأزياء أولا وأخيرا، ونجح إلى حد كبير، إذ كان تأثير التجربة أكبر من تأثير الأزياء التي أغرق بعضها في الحنين إلى الماضي، إلى جانب أطوالها القصيرة جدا التي قد تجعل تسويقها صعبا في بعض الأسواق. ما يشفع لها أنك عندما تقترب منها وتلمسها، تلمس مدى الحرفية التي تمت بها. فهي تحاكي الـ«هوت كوتير» بكل تفاصيلها، ما يشير إلى أن الدار قد تكون بالفعل جادة في إعادة خط الـ«هوت كوتير» الذي أقفلته الدار بعد أن اشترتها مجموعة «كيرينغ» وتسلمها المصمم توم فورد.
«ميو ميو» كانت طبقا مشكلا من الأرستقراطية الإنجليزية، بعضها مأخوذ من عصر الريجنسي وبعضها من الإدواردي أو الفيكتوري ظهرت في تصاميم بذيول طويلة وياقات عالية. ولم تضاه قوة التصاميم سوى قوة «ميو ميو» كخط أصبحت له مكانته بين الكبار، وهو ما تجسد في آخر يوم من أسبوع باريس في ظهور باقة من العارضات السوبر، من كندل جينر وجيجي حديد إلى لارا ستون وأدريانا ليما وتايلور هيل وغيرهن. بريقهن لحسن الحظ لم يغط على جمال حقائب اليد والأحذية المرصعة باللؤلؤ أو المزينة بأشرطة تلتف حول الساق. بالنسبة للأزياء، فالكل خرج وهو يقول إنها من أكثر التشكيلات التي قدمتها ميوتشا برادا جرأة وفخامة، خصوصا أن طريقة التنسيق اعتمدت على الـ«ماكسيماليزم»، أي أن الكثير قليل. الفكرة منها كانت رسم لوحة فنية لامرأة قوية وفاتنة لا يمكن أن تمر من دون أن تلتفت الرؤوس نحوها وتتحول الأنظار باتجاهها. قد تكون الفكرة منها أيضا لفتة إلى الثمانينات بالنظر إلى عدد العارضات السوبر اللواتي شاركن في العرض. بعد العرض تسابقت محررات الأزياء إلى الكواليس لفهم المزيد من ميوتشا برادا، التي شرحت أن «النبل والبؤس» هو العنوان الذي انطلقت منه وبنت عليه التشكيلة. النبل جسدته من خلال الأقمشة التي تعود إلى القرنين الـ16 والـ17 حيث كان بعضها يستعمل في صنع السجاد الباريسي. هذه الأقمشة صاغتها بمهارة في جاكيتات عصرية وبنطلونات واسعة وتنورات طويلة إضافة إلى إطلالات تستحضر ركوب الخيل. أما البؤس فكان مجرد نظرية لم تتجسد في أي قطعة، بما في ذلك الجينز المفترض أن يكون قماش الطبقة البروليتارية، والذي افتتحت به العرض. فقد جاء بتصاميم ارتقت به إلى مستوى جديد من النبل.
نيكولا غيسكيير بدوره عاد إلى الماضي ليصوغ المستقبل، فيما يمكن القول: إنه أفضل تشكيلة قدمها لدار «لويس فويتون» لحد الآن. من الواضح أنه أراد تقديم كل ما تحتاجه المرأة، وراعى أن تناسب كل المناسبات والأجواء، آخذا بعين الاعتبار أن السفر جزء لا يتجزأ من الثقافة المعاصرة، عدا أنه يدخل في صلب جينات الدار الفرنسية، الأمر الذي يفسر أن التشكيلة مناسبة لكل المواسم. أقيم العرض كما العادة في «فاوندايشن لويس فويتون» التي صممها المعماري فرانك غيري، وفي قاعة زينتها ديكورات مستقبلية توسطتها نحو 57 عمودا مغلفا بالزجاج. عندما تدخلها تشعر بأن المصمم يريد أن يأخذنا في مغامرة إلى مدينة أتلانتيس الغارقة، واكتشاف كنوزها المدفونة. وعندما بدأ العرض نجح المصمم في الحفاظ على شعلة الحماس وحس المغامرة، بفضل تصاميم تتحدى الزمن، يتمازج فيها الكلاسيكي بالحداثي، ويتراقص فيها القديم على إيقاعات مستقبلية. ففي الكتيب الذي وضعه على المقاعد، شرح بأنه أراد «صياغة إبداعات الماضي لخدمة الذوق العصري الحالي»، وربما هذا ما يفسر ما تتضمنه التشكيلة من حنين إلى الماضي. فهذا الماضي، حسب المصمم، ركيزة مهمة لبناء الاستمرارية ومن دونه لا يوجد حاضر أو مستقبل، في إشارة مبطنة إلى أن السفر جزء من ماضي الدار وركيزة من ركائزها الأساسية، وهو ما احترمه غيسكيير وقدمه هنا على نغمات «سبور» تارة، ونغمات كلاسيكية تارة أخرى. والنتيجة أنه تفوق على نفسه وقدم أحسن ما لديه منذ أن تسلم المشعل من مارك جايكوبس.
لكن باريس ليست باريس من دون «شانيل». وكما عودتنا كان عرضها في «لوغران باليه»، مقرها شبه الرسمي، متعة لكل الحواس ولم يخل من المفاجآت. المفاجأة هذه المرة أنها لم تعتمد على ديكور ضخم كان يسرق الأضواء من الأزياء، كما في السابق، بل اكتفت بصالون يشعر فيه كل الحضور، وعددهم لا يقل عن 3000، بأهميتهم. فقد جلسوا كلهم في الصف الأمامي، وهو ما جاء واضحا في بطاقة الدعوة التي رُسم عليها كرسي كتب فوقه «فرونت رو أونلي» أي صف أمامي فقط. ربما كانت فكرة مصممها كارل لاغرفيلد، أن يأخذنا إلى الأيام الخوالي عندما كانت عروض الأزياء قصرا على الطبقات الثرية والأرستقراطية، مع اختلاف كبير هذه المرة أنه فتح أبواب «لوغران باليه» الأربعة لكل الطبقات. فـ«شانيل» كما يكرر «ديمقراطية»، لا تفرق بين أحد، وهو ما يُحسب له في ظل التغيرات التي بدأت تهدد الموضة وتحاول إنزالها من برجها العاجي وفي ظل تزايد أهمية التواصل الاجتماعي.
للخريف والشتاء المقبلين، قدم نحو 100 إطلالة، حتى تجد فيها المرأة، أيا كان أسلوبها، ذوقها، عمرها أو بيئتها، ما يناسبها. أفليست هذه ديمقراطية أيضا؟ طبعا حضرت كل رموز الدار، من تايور التويد والفستان الناعم إلى اللؤلؤ، إضافة إلى تنورات مستقيمة وطويلة بسحابات جانبية يمكن التحكم فيها، بفتحها أو إغلاقها للحصول على مظهر مختلف في كل مرة، أو حسب البيئة التي تعيش فيها صاحبتها. الجاكيت بدوره جاء بسحاب ما أضفى على الإطلالة مظهرا عصريا و«سبور»، علما بأن التويد لم يكن هو الغالب على التايورات، إذ كانت هناك تايورات من الصوف لا تقل أناقة، بل تستحضر صورة كوكو شانيل خصوصا أنها زينت بقلادات متدلية بصفوف متعددة من اللؤلؤ المصفوف، وقبعات رأس مبتكرة بأشرطة من اللؤلؤ للتحكم فيها. الصوف ظهر أيضا في كنزات سميكة بعضها مرصع يذكرنا بأن الدار تمتلك ورشات كثيرة متخصصة في كل المجالات، ما يجعل مهمة لاغرفيلد سهلة من جهة، وتشجعه على البذخ من جهة ثانية. تجسد هذا البدخ في استعماله أجمل الأقمشة وأيضا في استعماله طبقات متعددة من الأزياء في الإطلالة الواحدة، فيما يمكن القول إنه أيضا نوع من العملية. رغم جمال الأزياء وما تحمله من فكرة الديمقراطية، فإنها ستبقى بالنسبة للبعض بعيدة المنال ومجرد حلم، على العكس من الإكسسوارات. فهذه مقدور عليها وهو ما تعرفه الدار، بدليل أنها جاءت بأعداد وأشكال لا تحصى، من السلاسل والقلادات إلى القبعات والأساور، وطبعا حقائب اليد والأحذية. وهكذا إذا لم تستطع الواحدة منا شراء تايور أو فستان سهرة طويل، يمكنها أن تشتري حقيبة أو ربما أقراط أذن لتدخل نادي «شانيل».
هل افتقد الحضور الديكورات الضخمة التي كانت مادة دسمة تغذي الانستغرام والسناب تشات وغيرهما؟ الجواب بكل بساطة: أبدا، فقد كانوا أسعد بحصولهم على كراسي صفوف أمامية، جعلتهم يشعرون بأهميتهم وفي الوقت ذاته مكنتهم من معاينة كل إطلالة عن قرب، وفي نهاية الأمر هذا هو الأهم.
اسم «فالنتينو» في المقابل، ليس لصيقا بالديكورات أو الإبهار المسرحي، بقدر ما هو لصيق بالحرفية والتقنيات الإيطالية العريقة، وتلك التجربة الحميمة التي يخرج منها الحضور وهم في حالة نشوة. وهذا ما أكدته الدار هذه المرة أيضا وقدرته زبوناتها اللواتي لم يتوقفن عن ترديد كلمات مثل «برافا» أو «بيليسيما» طوال العرض.
فباستثناء بيانو توسط القاعة المنصوبة في حديقة التويلريز، عزفت عليه فانيسا واغنر مقطوعات لجون كايج وفيليب غلاس، بدا كل شيء عاديا إلى أن بدأ العرض وتهادت العارضات وكأنهن راقصات باليه. فالكثير من الإطلالات كانت بأقمشة خفيفة وشفافة أحيانا، ما جعلها تبدو حالمة. «فالنتينو» من بيوت الأزياء القليلة التي تحقق أرباحا تُثلج صدور مالكيها، حيث سجلت ارتفاعا في مبيعات الأزياء الجاهزة والإكسسوارات بنسبة 50 في المائة، في الآونة الأخيرة، بفضل وفائها لفلسفتها بأن الموضة «حلم» و«فن» وليس وجبة سريعة. هذه الفلسفة تجسدت هنا في أزياء تعبق بكل ما تؤمن به الدار من دقة وحرفية، تشير إلى أنها لن تركب موجة عرض الأزياء اليوم وطرحها للبيع مباشرة في الغد، لأن أزياءها تحتاج إلى وقت للتنفيذ والإنجاز لكي تأتي بالشكل المطلوب. تشبث مصمموها، ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي، بالطريقة الكلاسيكية لعرض تصاميمهما، ونظرتهما إلى الموضة ككل، يستهدف تسليط الأضواء على الأزياء، حيث كانت كل إطلالة بمثابة لوحة فنية رسما فيها مجموعة سخية من فساتين الكوكتيل والسهرة، نجح الثنائي في التخفيف من فخامتها، بتنسيقها مع كنزات بياقات عالية لكي تناسب النهار أيضا. استعملا أيضا أقمشة مثل حرير الجيرسيه عوض الحرير الكريب لنفس الغاية، ألا وهي التخفيف من رسميتها، كما استعاضا عن الياقات العالية والأكمام الطويلة التي رأيناها في تشكيلاتهما الأخيرة، بالكشاكش والياقات المفتوحة التي تفتح المجال لتنسيقها مع كنزات أو قمصان بالنسبة لامرأة تتوخى الحشمة أو الدفء. 20 دقيقة غاب فيها الحضور عن الواقع وعاشوا لحظات من الحلم تعيد للذهن الفرق بين الموضة كفن ووسيلة إبداع، وبين الأزياء السريعة رغم أن الديكور كان عاديا وليس صالونا يستحضر الزمن الجميل. فلكل زمن جمالياته ومبدعوه.



خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.