الفنان الفلسطيني أمجد غنام في «راس وروس»

أعمال معرضه في رام الله صرخات في وجه القمع

إحدى لوحات المعرض
إحدى لوحات المعرض
TT

الفنان الفلسطيني أمجد غنام في «راس وروس»

إحدى لوحات المعرض
إحدى لوحات المعرض

«من بين احتمالات الموت المؤجل، إما قبول الصحراء، أو الخروج منها بحرًا.. ومن بين احتمالات الموت المؤكد، إما اختناقًا بكيس داعش أو إسرائيل أو أي قمع كان، أو الاختناق في أقبية الأنظمة من جهة أخرى.. من بين جميع الاحتمالات يبقى احتمال الحياة هو الأقل حظًا.. غابت جميع الوجوه التي أعرفها ورسمتها مرارًا تحت الأقنعة، أو تحت أكياس الخيش.. موت واحد بمساحة العالم.. قمع باق ويتمدد».. هذا ما وقع باسم الفنان أمجد غانم في مقدمة الكتب الخاص بمعرضه «راس وروس»، واحتضنه «جاليري1» في مدينة رام الله، مؤخرًا.
والمتجول في المعرض، ما بين لوحات «أرض السواد»، و«غارة»، و«وطن»، و«قيم»، و«نزوح»، و«درس»، و«أحمد عبد الكريم جواد»، و«أمام المجزرة»، و«حرية»، وغيرها، يلاحظ أن غنام يقاوم بلوحاته العنف المستشري في فلسطين والعالم، ويعمل على تعريته، في لوحات سوداوية لا تقل عن سواد العالم المعاش، وإن كان تحاكيه بشكل أو بآخر، عبر لوحات ارتبط بماسي الحروب لفنانين عالميين كبار، أو التهكم اللوني والتشكيلي الذي غلبت فيه الواقعية البعيدة عن «الكلاشيهات» على الأمل الذي حاول اللجوء إليه بلوني الزهر، والأزرق الفاقع.
ويقترح علينا أمجد غنام أعمالاً فنية ورسومات تنوء تحت وطأة الأسر والمنع والاحتجاز.. يأخذنا إلى حيث نعيش واقع وقسوة حياة مصادرة ومنهكة، ويحضر إلينا التجربة الإنسانية، وهو المسكون بهذه الفكرة، على قماش اللوحة بصيغ متعددة.. لوحات تطرح فكرة أزمة الإنسان داخل السجن أو السجن الذي في داخله، وكأنه لم يخرج تمامًا من تجربة الاعتقال التي عاشها في سجون الاحتلال، وهو المسكون بأقرانه من المعتقلين السياسيين، بآمالهم وأحلامهم المحبطة.
ويفرد غنام ألوانه الباهتة نسبيًا على مساحة اللوحة، وهو يجتهد في وضع تلك العلامات والخطوط والكتل، مستحضرًا بذلك الجسد الآدمي المنتهكة كينونته من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، حيث تسجل لوحات «راس وروس» محنة المعتقل وموضوع الأسر والسجون المتلاصقة التي تتعاظم بدل أن تضمحل وتزول، وكأن اللوحات تدعونا ربما إلى أن نمد يدنا لنزيل غطاء الرأس عن الوجوه والعيون الممنوعة من البصر، أو لنتحسس ذلك الغطاء وتلك الغشاوة على وجوهنا.
ويلفت الفنان خالد حوراني إلى أن غنام «يأخذنا إلى درس راس وروس الشهير في كتب القراءة الأولى لخليل السكاكيني، ليضعه هنا في معادل بصري جديد، يبحث في المعنى الحقيقي للقراءة التي تقترحها الحياة الآن وهنا، ومن حضور الرأس لا بمعناه التوضيحي كما في الدرس، وإنما الرأس المغطى والمعصوب العينين، وكذلك عن حضور الجسد كموضوع للقمع والقهر.. رؤوس وقامات تحاول التمرد تارة، والسخرية من قيدها وهي تثور تارة أخرى، فيبدو أن الكيس والعتمة ليست عناصر مدخلة على الشخوص في اللوحة فقط، وإنما على اللوحة نفسها أيضًا، وهي من نفس خامتها في غالب الأمر.
إن ما يريده أمجد هو أن نتقرب من هذه التجربة الجسدية دون أن يورطنا في النواح والشكوى ودون رفع الشعارات، وهو بذلك يتركنا وحدنا في زمن تعصف به أزمات، وتضع كل حياة الإنسان، وليس حريته فقط، على كف عفريت، بل على أكف عفاريت الاحتلال والاستبداد والقمع، وكذلك الجهل والإرهاب، إلا أن هذه اللوحات تنم عن قدرة على الإنشاء والتخطيط والرسم والتلوين، ويصبغها الفنان بذكاء وهالة من السحر والغموض الآسر تجعلها أيضًا موضوعًا للحب والتعاطف الإنساني لا بتوقيت السجن، أي سجن، بل بتوقيت رام الله والقدس والملتبس».
يقول غنام في لقاء لنا معه: «راس وروس هو درس اللغة العربية الأول في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وكتبه خليل السكاكيني ورسمت رسوماته الفنانة الفلسطينية الراحلة فاطمة المحب، والمعرض عبارة عن إعادة قراءة لذلك الدرس في ظل الظروف التي نعيشها ونعايشها اليوم، والتي يفرضها علينا الواقع السياسي في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة. نقطة البداية كانت من محاولة محاكاة الأوضاع الحالية في سوريا، ونقاط الاشتباك والتشابه مع حدث معنا كفلسطينيين، من قتل واعتقال وتجويع وغيرها».
وهناك لوحات تروي حكايات معينة، أبرزها لوحة «أحمد عبد الكريم جواد»، وتروي بالرسم حكاية مواطن سوري عرض سيارته للبيع مقابل خمسة كيلوات من الأرز، وبعد أسبوع مات جوعًا، فرسم غنام صورته على طريقة الأيقونة المسيحية، مستبدلاً هالة القداسة بـ«كيس خيش» فارغ، هذا الكيس الحاضر في الكثير من لوحات المعرض، بما يحمله من رمزيات الاعتقال، والاختناق، والقمع، وهي الحالات التي باتت تكبل وتحاصر وتكاد تكون عناوين يومية في حيوات الفلسطينيين والعرب أيضًا هذه الأيام.
أما «الستارة الزرقاء»، فيحاكي فيها غنام لوحة «الغارنيكا» لبيكاسو، التي رسمها في عام 1937 حول الحرب الأهلية في إسبانيا. وحكاية رسمها تعود إلى المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول حول الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، حيث تمت تغطية اللوحة حينها بستارة زرقاء، ولقي هذا التصرف انتقادًا كبيرًا من نقاد وفنانين وإعلاميين، وبررت الخارجية الأميركية هذا التصرف بأن الخطوط الحادة للوحة كانت ستؤثر على جودة تصوير المؤتمر الصحافي، في حين وجد غنام ما قاله قبله الكثير من الساسة وغيرهم، بأن وجود اللوحة التي تتحدث عن مآسي البشرية بسبب الحروب ستصعب من مهمة باول في إقناع الأميركيين والعالم بجدوى الغزو الأميركي على العراق، والحروب المتعددة لجيشها في العراق وأفغانستان وغيرها من الدول بدعوى «مكافحة الإرهاب»، فرسم «الغارنيكا» مغطاة بستارة زرقاء على صورة معتقل من معتقلي سجن أبو غريب، على الشاكلة التي خرجت فيها بعض الصور المسربة عن حادثة «أبو غريب» الشهيرة، والتي تمت فيها تعرية السجناء في ذلك السجن بالعراق، والتقاط صور «سيلفي» لمجندة ومجندين أميركيين مع العراة من المعتقلين العراقيين.



سمر نور: أُجرِّب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي


سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
TT

سمر نور: أُجرِّب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي


سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
سمر نور وغلاف روايتها «آشا»

تتعامل الكاتبة والروائية المصرية سمر نور مع الكتابة بوصفها أفقاً للتجريب واكتشاف الذات والعالم، متنقلةً بين القصة القصيرة والرواية، وبين الواقعية والفانتازيا، وعبر أزمنة وبيئات اجتماعية متباينة، دون أن تتخلى عن هواجس تتصل بالذاكرة والهوية، والعلاقة الملتبسة بين الحقيقة وما يصنعه الخيال الفردي والجمعي من تصورات عنها.

ومن «محلك سر» إلى «تماثيل الجان» و«الست»، تتعدد عوالمها السردية وأساليب بنائها، بينما تظل أسئلة السلطة والقيود الاجتماعية، خصوصاً في علاقتها بالمرأة، حاضرةً في تجاربها، إلى جانب انشغالها بقدرة الذاكرة على إعادة تشكيل الماضي، وبالحدود المتحركة بين الواقع والوهم.

في روايتها «آشا»، التي فازت بجائزة كتارا، تعود إلى جذورها النوبية، مستلهمةً حكاية عائلية قديمة لبناء عالم تتداخل فيه الأسطورة والتاريخ والموروث الشعبي، بعيداً عن اختزال النوبة في ثيمات الحنين والفقد والتهجير. وعبر جزأي الرواية الآخرين، «الجعران والقمر» و«يوم وصول الرجل الأحمر»، تخوض تجربة سردية تقوم على بناء الحكاية ثم مراجعتها من زوايا رؤية مختلفة.

هنا حوار معها:

> في «آشا» تبدو النوبة عالماً متكاملاً من الحكايات والأساطير والطقوس، وليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث. ما الذي دفعكِ إلى استعادة هذا العالم، وكيف اشتغلتِ على تفاصيله التاريخية والتراثية، خاصة أنكِ عدتِ إلى فترة بعيدة نسبياً من تاريخ النوبة؟

- أنا نوبية الأصل، تنتمي جذوري لقرية الشباك النوبية، لكنى ولدت في القاهرة حيث استقرت عائلتي منذ ثلاثينات القرن الماضي، لكنى لم أجد الدافع للكتابة عن النوبة قبل «آشا»، وكنت أرى نفسى ابنة القاهرة بكل تفاصيلها، لكن العالم الذي وُلد من استعادة حكاية عائلية من طفولتي عن أصول عائلتي، هذا العالم اكتشفت بعد سنوات من البحث بين الكتب والتسجيل مع كبار من العائلة أنه لم يغادرنى أبداً، بل كنت أستعيد أشياءً من ذاكرة طفولتي عن سيدات من القرية كن يأتين لزيارة جدتي، فوجدتني مسكونة بهذا العالم، حتى وإن لم أعِ ذلك إلا بفعل الكتابة، أما عن الاشتغال على التفاصيل التاريخية والتراثية، فقد كان أمراً ضرورياً ليس فقط لاستعادة وعيي بالنوبة الكامن بداخلي، بل أيضاً لفهم الشخصيات ودوافعها وزاوية رؤيتها للحياة، فربما تكون الحكاية واحدة في كل مكان وزمان، فالكل يولد ويموت، يفرح ويحزن، لكن المعرفة بتفاصيل العالم هي التي تخلق الاختلاف وفهم طبيعة الصراع.

> كثيراً ما ارتبط حضور النوبة في الأدب المصري بثيمات الحنين والفقد والتهجير، بينما تقدمين في «آشا» مجتمعاً حياً بتناقضاته وصراعاته. هل كنتِ معنية بتجاوز هذه الصورة التقليدية؟ وكيف تنظرين إلى موقع الأدب النوبي في المشهد الروائي المصري والعربي؟

- يسبقني منجز كبير وضعه النقاد تحت إطار مصطلح الأدب النوبي بدءاً من رواية «الشمندورة» لمحمد خليل قاسم ثم أعمال ليحيى مختار وإدريس علي وحجاج أدول وحسن نور، ارتبطت بالنوبة وثيمات الحنين والفقد والتهجير، ربما تجاوز إدريس علي ذلك إلى نقد المجتمع أحياناً، أو تنوعات أعمال حجاج أدول في أمكنة أخرى غير النوبة مثل الإسكندرية مقر ميلاده، لكن في النهاية تم تأطير أعماله في هذه الثيمات من قبل النقاد، ولم يُنظر للجانب الفني في تجربتهم بما تستحقه تلك التجارب، بل تم التركيز دائماً على الثيمات المذكورة، وحين بدأت الكتابة كان هناك اعتقاد أنى سأكمل تلك المسيرة لكنى لم أكن أشعر بقدرتي على ذلك، وتمسكت بكوني ابنة المدينة وهواجسها ومخاوفها في كل الأعمال السابقة لـ«آشا»، وأعتقد أنى لم أكن لأكتب عن النوبة لو لم يتملكني عالم يحمل رؤيتي الجمالية الخاصة.

> تتداخل الأسطورة والتاريخ في عالم «آشا»، وتبدو الحكايات الشعبية أحياناً وسيلة لفهم العالم، وأحياناً أخرى سلطة تتحكم في مصائر الشخصيات. إلى أي مدى يشغلكِ هذا التداخل بين الحقيقة وما يصنعه الخيال الجمعي من حقائق بديلة؟

- إلى حد كبير، وربما كان امتداداً لانشغالي بألاعيب الذاكرة وقدرتها على خلق واقع مشوه وتاريخ مشوه، وما يمكن أن نعتقد أنه حقيقة لمجرد أنه ما تعودنا على حضوره باعتباره حقيقة دون مراجعة فعلية، ويتجلى ذلك في أعمال سابقة لى مثل رواية «محلك سر» ومراجعة الذاكرة الشخصية، أو رواية «تماثيل الجان»، حيث يبدو الذهان والخرافة ثنائياً حاكماً للذاكرة الشخصية والجماعية، أما في «آشا» بجزأيها فأمارس لعبة نسج حكاية بيقين الراوي الشعبي في جزء «الجعران والقمر» ثم هدمها وبناء حكاية جديدة على لسان شخصيات مختلفة في رؤيتهم للعالم في «يوم وصول الرجل الأحمر».

> تمتد تجربتكِ في الكتابة من القصة القصيرة إلى الرواية، وعبر سنوات تنقلتِ بين عوالم وأساليب سردية مختلفة. كيف ترين تطور مشروعكِ الأدبي منذ بداياته؟ وهل هناك أسئلة أو هواجس ظلت ترافقكِ رغم اختلاف الأشكال والموضوعات؟

- لا أعرف، أنا أجرب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي، ولا أرى نفسي سوى تلك الطفلة التي كانت تهوى تفكيك لعبتها الجديدة حتى تكتشف كيف صنعت، لذلك أبني الآن ألعاباً كتابية جديدة عوضاً عن كل الألعاب التي فككتها وفشلت في تركيبها من جديد. اللعب بالخيال هو كل ما أجيده في الحياة، والتطور لا يأتي بشكل مقصود لكنه يأتي خلال محاولات فهم الذات والعالم، وربما الفشل في ذلك هو الذي يدفعنا إلى الاستمرار في اللعب.

> تبدو شخصياتكِ النسائية، من بطلة «الست» إلى «آشا»، في مواجهة مستمرة مع القيود الاجتماعية والسلطات المختلفة. هل تنطلقين من انشغال واعٍ بأسئلة المرأة وحريتها، أم أن هذه الشخصيات تفرض تمردها الخاص أثناء الكتابة؟

- أنشغل بأسئلة المرأة وحريتها لكنى أيضاً أعي طبيعة الفن الذي أقدمه، ولا أحب أن تحركني آيديولوجية من أي نوع أثناء الكتابة، ولكنى أعي أيضاً أن تكويني وهواجسي وأفكاري تفرض نفسها في مراحل سابقة وتؤثر على اختيار الفكرة وبناء العالم وزاوية الرؤية، غير أن الشخصيات تفرض تمردها أثناء الكتابة وتفاجئني أحياناً بمسارات لم تكن في حسباني.

> حققت «آشا» بجزأيها حضوراً لافتاً بين القراء، وتُوِّج الجزء الأول بجائزة كتارا. وكنتِ قد أشرتِ إلى أنكِ لم تحسمي فكرة تحويل العمل إلى ثلاثية. هل يمكن لهذا النجاح أن يدفعكِ إلى إعادة التفكير في كتابة جزء ثالث؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتحول نجاح العمل نفسه إلى عامل يؤثر في اختيارات الكاتب، وربما يدفعه إلى استثمار عالم روائي لم يكن ينوي العودة إليه؟

- لا أحب أن يحركني أمر ما في كتابتي سوى الكتابة ذاتها، ولا أجد أن استثمار النجاح أمر يمكنه أن يشغل كاتباً يدعي أن لديه مشروعاً كتابياً، النجاح أمر جيد ودافع لمواصلة الكتابة، لكن لدي الكثير لأقدمه بعد «آشا»، بالتأكيد سأعود لعالم النوبة، وربما أعود لآشا نفسها إذا شغلني عالمها من جديد، وسيطرت علي شخوصه، ووجدت جديداً لأقدمه من خلاله.

> تتنقلين بين أزمنة وبيئات وعوالم شديدة الاختلاف، من المجتمع المعاصر إلى النوبة التاريخية، ومن الواقعية إلى الفانتازيا. ما التحديات التي يفرضها عليكِ الانتقال بين هذه العوالم؟ وهل يتطلب كل عالم منها أدوات سردية مختلفة؟

- جزء كبير من متعة الكتابة في مواجهة التحديات والانتقال بين عوالم مختلفة، وإيجاد حلول للصعوبات التي تواجهك، ولغة مناسبة لعالمك لكنها لغة تحمل بصمتك الخاصة في الوقت نفسه، وبناء يتوافق مع طبيعة نصك، فكل عالم تجربة مغايرة وتحدٍّ جديد يواجه الكاتب.

> بعد فوز «آشا» بجائزة «كتارا»، وما يتيحه ذلك من وصول الرواية إلى قراء جدد وترجمتها إلى الإنجليزية، كيف تنظرين إلى المرحلة المقبلة من مشروعكِ الأدبي؟

- يبدو أن لـ«آشا» حظاً أفضل من أعمالي السابقة ويمكنها استكمال طريقها وأتمنى أن تحظى بالتوفيق وتلقي الضوء على مشروعي الأدبي، أتمنى أن أحظى بفرصة لإعادة نشر رواياتي ومجموعاتي القصصية السابقة، وأتمنى أيضاً ألا أقف على عتبة «آشا» وأعبر نحو عالم جديد وكتابة جديدة.

> ما الموضوع الذي يشغلكِ الآن وتستعدين للكتابة عنه؟

- يشغلني عالم مختلف على صعيد المكان والزمان، رواية معاصرة لكنها متصلة بتاريخ طويل من السحر والاختفاء، أعود إلى القاهرة التي أعرفها بكل تحولاتها وتغيراتها المفاجئة في السنين الماضية.

أنشغل بأسئلة المرأة وحريتها لكني أيضاً أعي طبيعة الفن الذي أقدمه ولا أحب أن تحركني آيديولوجية من أي نوع أثناء الكتابة


رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر
TT

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

وصفتها «واشنطن بوست» بأنها «مغامرة فكرية آسرة مليئة بالأسرار والدهشة»، أما مجلة «تايم» فرأت فيها «مزيجاً عبقرياً من ألف فكرة وألف قصة ليصوغ لنا المؤلف بمهارة سبيكة من الجنون والحكمة ليجد القارئ ملاذه الخاص».

تلك هى رواية «بندول فوكو» للروائي الإيطالي البارز أومبرتو إيكو التي باعت أكثر من 3 ملايين نسخة وتُرجمت إلى أكثر من 40 لغة، كما صدرت طبعة جديدة منها عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة الراحلة أماني فوزي حبشي.

تدور الأحداث في قلب ميلانو وبين جدران دار نشر صغيرة، حيث يقرر ثلاثة محررين مواجهة ملل المخطوطات الغامضة بابتكار لعبة على الحاسوب سرعان ما تتحول إلى مؤامرة متشابكة مستوحاة من حكاية كولونيل غريب الأطوار عن خطة سرية حيكت عبر العصور الوسطى للسيطرة على العالم.

وحين تبدأ اللعبة بالتحكم في الواقع ويُقتل الكولونيل، وآخرون بعده، يجد المحررون أنفسهم في سباق محموم مع الزمن لكشف الحقيقة قبل أن تبتلعهم المؤامرة، عبر نص بالغ التشويق والإثارة يتضمن رحلة مذهلة عبر التاريخ والفكر والثقافة، ينتقل فيها المتلقي من المخطوطات السرية إلى أجهزة الحاسوب ومن ديكارت إلى النازيين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لابد أن أكون في سلام الآن فقد فهمت، ألم يقل أحدهم إن الخلاص يأتي عندما يصل المرء إلى كمال المعرفة؟ من قال إن السلام ينبع من التأمل في النظام المفهوم الممتع المتحقق بلا رواسب، في الفرح والانتصار، في انتهاء السعي؟

كل شيء واضح جلي والعين ترى الجزء والكل وترى كيف أن الجزء تواطأ مع الكل وتدرك المركز الذي تدفقت منه الدماء الأنفاس وجذر الدوافع.

لابد أن أكون في سلام تام. من نافذة مكتب العم كارلو، أنظر إلى الهضبة وذلك الجزء الصغير من القمر الذي يوشك على الظهور المنحنى المتسع والنتوءات الأكثر بروزاً للتلال خلفه والتي تحكي قصة التقلبات البطيئة والناعسة للأرض الأم والتي من خلال تمددها وتثاؤبها تخلق وتمحو أسطحاً زرقاء.

في الوميض المفزع لمئات البراكين تتحرك الأرض في أثناء نومها وتبدل سطحاً بآخر. وحل الألماس حيث ترعى الأصداف والكروم حيث يكبر الألماس، إنه منطق الركام وانهيار الصخور وانهيار الكتل الثلجية.

إذا نزعت حصى من مكانه بالمصادفة، فإنه يبدأ في الحركة يتدحرج إلى أسفل ويترك فراغاً في أثناء الهبوط ويقع آخر فوقه ثم يليه آخر، أسطح فوق أسطح. إنها حكمة الأرض.

أين قرأت أنه في اللحظة النهائية عندما تصبح الحياة سطحاً وراء سطح، محشوة بالخبرات، يعرف المرء كل شيء: السر القدرة والمجد، لماذا ولد ولماذا يموت وكيف يمكن لكل شيء أن يسير بطريقة مختلفة ؟ يصبح حكيماً ولكن الحكمة الكبرى في تلك اللحظة هي معرفة أنه عرف كل هذا متأخراً جداً. يفهم المرء كل شيء عندما لا يعود هناك شيء آخر يحتاج إلى الفهم».


«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات
TT

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

تضع مجلة «القافلة»، التي تصدرها «أرامكو السعودية»، قارئها في عددها الجديد أمام أسئلة تتجاوز حدود الثقافة والأدب، إلى مستقبل الإنسان وعلاقته بالمعرفة والتكنولوجيا والطبيعة. ومن خلال موضوعات تتوزع بين الفكر، والفنون، والعلوم، والبيئة، ينشغل العدد بسؤال يتردد بصيغ مختلفة: ماذا يبقى من خصوصية الإنسان في ظل تسارع التحولات التقنية وتغير أنماط المعرفة والتجربة الإنسانية؟

العلوم الإنسانية... أزمة المكانة وغياب النقد

تحتل قضية «العلوم الإنسانية.. حقائق منسية» موقعاً محورياً في العدد؛ إذ تناقش تراجع مكانة العلوم الإنسانية أمام صعود التخصصات التقنية والتطبيقية، وما يرافق ذلك من تشكيك في جدوى تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع والآداب، وعلاقة هذه التخصصات بسوق العمل ومتطلبات التنمية.

ويشارك في القضية، الدكاترة: عبد السلام الوايل، وسماهر الضامن، وعبد السلام بنعبد العالي، من خلال 3 مقاربات تتناول القيمة الاجتماعية للعلوم الإنسانية، وأزمة تدريسها في الجامعات العربية، ومدى احتفاظها بوظيفتها النقدية.

يرفض الدكتور عبد السلام الوايل اختزال قيمة العلوم الإنسانية في فرص التوظيف والعائد الاقتصادي، ويرى أنها تسهم في بناء الهوية والقيم والثقة والتماسك الاجتماعي، وأنها عناصر يقوم عليها الاقتصاد نفسه. ويؤكد أن انتشار الذكاء الاصطناعي سيزيد الحاجة إلى التفكير النقدي والحكم الأخلاقي وفهم السياقات الإنسانية، «وهي قدرات يصعب اختزالها في الأتمتة».

«العلوم الإنسانية»

وتتناول الدكتورة سماهر الضامن أزمة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعات، مشيرة إلى النظرة التي تضع التخصصات العلمية في مرتبة أعلى من التخصصات الأدبية. وتلفت إلى أن «بعض الطلاب يلتحقون بالعلوم الإنسانية اضطراراً، بوصف ذلك محطة للانتقال إلى تخصصات أخرى». وترى أن «تحديث المناهج وحده لا يكفي ما لم يتغير النظام التعليمي وأساليب التدريس، ويستعد الأستاذُ الجامعي دورَه في إثارة الفضول والتفكير».

أما الدكتور عبد السلام بنعبد العالي، فيقدم مقاربة نقدية لأزمة العلوم الإنسانية العربية، عادّاً أنها استوردت النظريات والمناهج الغربية دون الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها... «ونتيجة لذلك؛ تحولت في حالات كثيرة إلى مقررات جامعية تعيد إنتاج المفاهيم، بدلاً من أن تصبح أدوات لفهم المجتمع ونقده».

ويربط بنعبد العالي هذه الأزمة بـ«غياب الروح الفلسفية، وضعف المجال العام، وانفصال الجامعة عن المجتمع، وهي عوامل حدّت من قدرة العلوم الإنسانية على التأثير وإنتاج فكر نقدي».

وتخلص القضية إلى أن أزمة العلوم الإنسانية ليست أزمة جدوى أو توظيف فقط؛ «بل تتصل ببنية التعليم والمؤسسات والمناهج وعلاقة الجامعة بالمجتمع». وأن استعادة مكانتها تتطلب «الانتقال من استهلاك النظريات إلى إنتاج المعرفة، ومن الدفاع عن قيمتها إلى إثبات دورها في فهم التحولات الاجتماعية والثقافية».

حمد الجاسر... المعلم والباحث

في باب «أدب وفنون»، يستعرض عبد العزيز بن سلمة المسيرة العلمية والثقافية للعلامة السعودي حمد الجاسر، وإسهاماته في تطوير التعليم والصحافة والبحث التاريخي والجغرافي في المملكة.

ويتوقف عند رحلته مع المخطوطات والمكتبات العربية والعالمية، ودوره في تطوير التعليم بالمنطقة الشرقية ونجد، وتشجيع النشاط الأدبي بين الطلاب، فضلاً عن ريادته الصحافية من خلال إصدار مجلة «اليمامة» عام 1953، وإسهاماته في حركة النشر بالرياض.

وتقدم المادةُ الجاسرَ بوصفه «نموذجاً للمثقف الذي لم يكتف بإنتاج المعرفة، بل أسهم في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية التي تحفظها وتنشرها، وترك إرثاً من المؤلفات والتحقيقات التي تناولت تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وسكانها».

وفي الباب نفسه، يتناول أحمد عبد اللطيف ظاهرةَ «رواية الضواحي» في الأدب الإسباني، بينما تقرأ لمياء شمت التجربةَ الروائية للسوداني عبد العزيز بركة ساكن، وعلاقتَها بالموروث الشعبي. ويناقش زياد الدريس شهرة ابن خلدون، متسائلاً عما إذا كانت تعكس قراءةً فعلية لأعماله أم حضوراً رمزياً لاسمه.

كما يعرّف الباب بتجربة الكاتب الصيني نينغ كن، ويناقش جدوى كتب تعليم الكتابة الروائية، ويقارن بين فيلمَي السيرة «الست» و«مايكل» واختلاف معالجتهما السينمائية. ويضم أيضاً قصيدة للشاعر السعودي علي الحازمي، وقراءة في تجربة الفنان التشكيلي عبد الله العثمان.

حمد الجاسر

من يصنع عقل المستقبل؟

في باب «آفاق»، يناقش موضوع «القلم أم التابلت.. أيهما يبني عقل الطالب؟» أثرَ الأدوات الرقمية في التعلم والذاكرة والكتابة، مستعرضة تجارب تعليمية اندفعت نحو استخدام الشاشات قبل أن تعيد النظر في بعض نتائجها.

ويتصل بذلك موضوع «هكذا تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تعريف الشهرة»، الذي يفحص انتقال الشهرة من الاعتراف بالإنجاز إلى الانتشار الذي تصنعه المنصات وخوارزمياتها.

ويطرح الموضوعان أسئلة عن أثر التكنولوجيا في تشكيل الوعي والسلوك، وليس في تسهيل الحياة وحدها.

وفي قسم «علوم»، يناقش خالد كرم دور البحوث العلمية والطب الرياضي في تطوير أداء الرياضيين وتحطيم الأرقام القياسية. في حين يتناول سعد القحطاني فرضية اختفاء النحل من العالم وتداعياتها على الإنتاج الغذائي والتنوع الحيوي. وتنسجم صورة الغلاف، التي التقطها محمد آل ابن الشيخ لنحلة على زهرة الخزامى، مع موضوع «ماذا لو اختفى النحل؟»، الذي يوضح أن اختفاء هذه الحشرات لن يؤدي إلى اختفاء الغذاء كله، لكنه سيؤثر في تلقيح محاصيل ونباتات كثيرة، ويهدد التوازن البيئي.

وفي زاوية «العلم خيال»، يتساءل حسن الخاطر عن إمكانية استغناء الإنسان عن الطعام واستمداد طاقته من ضوء الشمس، والصعوبات التي تحول دون تحقيق ذلك. كما يستكشف القسم نزعتنا إلى إضفاء الصفات البشرية على الذكاء الاصطناعي، ويتناول شبكات التواصل في الغابات؛ من نداءات الطيور، إلى الإشارات الكيميائية للنباتات.

وتكشف هذه الموضوعات عن اهتمام المجلة بالعلاقة بين التقدم العلمي وحياة الإنسان، وبالأسئلة التي تثيرها التكنولوجيا بشأن مستقبل التعليم والغذاء والبيئة.

الكرسي... تاريخ السلطة والحياة اليومية

يخصص العدد ملفَّه لموضوع «الكرسي»، في معالجة تتجاوز تاريخ الأثاث إلى دلالاته الاجتماعية والسياسية والفنية، وتستعرض تحولاته من رمز للسلطة والهيمنة إلى أداة يومية للراحة والعمل.

ويتتبع الملف تطور تصاميم الكراسي عبر الحضارات، وتأثيرها في صحة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية، مستكشفاً دلالاتها في الثقافة العربية والأساطير القديمة والنص القرآني، وحضورها في الأدب والمسرح والسينما والفن التشكيلي.

وفي إحدى مواد الملف، تتناول مهى قمر الدين تاريخ الكرسي؛ من العروش القديمة إلى المقاعد البلاستيكية، وتكشف عن كيف تحول عبر العصور علامةً على السلطة والمكانة والذاكرة، وعن كيف يمكن قراءة جوانب من تاريخ المجتمعات من خلال الأشياء التي صنعتها واستخدمتها.