لقد ألحقت الحرب العالمية الثانية الخراب بأوروبا وبالنظام الاقتصادي الدولي وتركت العالم في حالة من الفوضى الاقتصادية والسياسية على حد سواء. وبالتالي، كان لا بد من وضع منظومة دولية قادرة على تسيير النظام الاقتصادي الدولي بما يسمح لها بتلافي المشكلات الأساسية التي ساهمت في خلق الحروب الاقتصادية - كما تابعنا في الأسبوع الماضي - وبما يسمح لها بتطبيق الفلسفة الاقتصادية الليبرالية الجديدة المبنية على حرية التبادل الاقتصادي باعتبارها قاطرة التنمية من ناحية، وأداة للسلام بين الدول والشعوب.
هذه هي الفكرة التي وردت ضمن النقاط الـ14 التي صاغها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في مؤتمر السلام، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1919، ولم يلتفت له الساسة الأوروبيون وحاربه الأميركيون حينذاك.
أما الآن فقد سمحت الظروف بتطبيقها، وبالفعل، بدأ الحلفاء في وضع الهيكل العام للاقتصاد الدولي مع انحصار المد النازي. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، اجتمع الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة و43 دولة عام 1944 في بلدة بريتون وودز بولاية نيو هامبشير في شمال شرقي الولايات المتحدة. وكان الهدف من الاجتماع صياغة النظام المالي والاقتصادي الجديد في العالم بهدف الخروج من الاقتصادات المغلقة المتنافسة وسياسات «على حساب الجار» التي كانت متبعة وخلق نظام نقدي صلب يؤدي إلى النمو وتدفق رأس المال والتجارة والانتعاشة الاقتصادية المرجوة.
واقع الأمر أنه كان لدى الدول الكبرى المجتمعة أهداف ورؤية واضحة بما في ذلك المصالح المشتركة، خاصة، أن الولايات المتحدة كانت على أتم استعداد لقيادة العالم لتطبيق هذه السياسات الجديدة بعدما نبذت سياسة العزلة الدولية، وأصبحت منخرطة في السياسة الدولية بعد الحرب. والأهم من ذلك، كانت مستعدة لدفع ثمن تطبيق هذا النظام الجديد بعدما كانت جيوشها متناثرة في بقاع كثيرة من العالم. ومما ساهم في نجاح هذه المفاوضات أن الدول الأوروبية الكبرى، بدورها، كانت بأمسّ الحاجة إلى دور الولايات المتحدة لتمويل التنمية بها، لا سيما أن اقتصادات الولايات المتحدة كانت في عز قوتها متمتعة بوفرة مالية نادرة وتقدم علمي مذهل آنذاك، وبتجمع هذه العوامل أصبح الاتفاق ممكنًا.
كان الهدف الأساسي لهذا النظام الجديد هو صياغة منظومة تضمن تثبيت أسعار صرف العملات الدولية Fixed Exchange Rate منعًا للتذبذبات التي أدت إلى الفوضى الاقتصادية، ناهيك بتوفير السيولة اللازمة من أجل إعادة البناء، خاصة في دول أوروبا واليابان كأولوية باعتبارهم حلفاءها.
ومن ثم استقر الرأي في هذه الاجتماعات على إنشاء مؤسستين دوليتين مهمتين للغاية: الأولى هي البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية، والثانية كانت صندوق النقد الدولي.
كان الهدف من إنشاء البنك الدولي تقديم التمويل اللازم للتنمية في أوروبا الغربية الخارجة من الحرب بأسعار فائدة متواضعة. وفعلا استطاع البنك القيام بجزء من هذه المهمة المنوطة به، إلا أن هيكله ورأسماله لم يكفلا له تحقيق هذا الهدف بالكامل، مما اضطر الولايات المتحدة للتدخل بقوّة في هذا الصدد، ومع ذلك، فقد كان البنك يقدم التمويل اللازم لبعض المشاريع في فرنسا ولوكسمبورغ وغيرهما للمساهمة في تطوير البنية الأساسية. ومع التطوّر الدولي مدّ البنك قروضه إلى الدول النامية، وأصبحت عملياته الأساسية اليوم في الدول النامية والأقل نموًا بالأساس. كذلك توسّعت مؤسساته بالفعل لتشمل اليوم خمس مؤسسات أساسية تحت مسمّى البنك الدولي، وواقع الأمر أنه لم يواجه نفس المشكلات التي واجهها صندوق النقد الدولي لأن مهمته لم تكن على نفس قدر التعقيد والصعوبة مثل الصندوق.
أما صندوق النقد الدولي فكان الهدف منه هو إدارة النظام النقدي الدولي. حيث استقر رأي المجتمعين على أن الفوضى القائمة كان لا بد من القضاء عليها، فلقد كانت أسعار العملات تحدد على خلفية ملكية الدولة للذهب واحتياطياتها من الجنيه الإسترليني الذي كان العملة السائدة دوليًا، ولكن بعد الحرب أصبحت العملة البريطانية في حالة متدهورة للغاية ناهيك بالمشكلات المرتبطة بالذهب. وبالتالي، جرى تثبيت أسعار صرف العملات على أساس أن يتولى الدولار مهمة الذهب والإسترليني معًا على أساس استعداد الولايات المتحدة لتوفير الدولار بديلاً عن الذهب من خلال استعدادها لتحويل الدولار إلى ذهب في أي وقت على أساس خمسة وثلاثين دولارًا للأوقية الواحدة، مع استعدادها لتوفير السيولة الدولارية اللازمة على المستوى الدولي. وصيغ النظام الجديد على أساس تثبيت أسعار الصرف مع السماح بتذبذبها في حدود 1 في المائة فقط، وهو ما استتبعه إنشاء سلة من العملات والذهب بقيمة تقدّر بنحو 8.8 مليار دولار آنذاك لتوفير السيولة اللازمة للدول التي يعاني ميزانها الحالي من الخلل حتى لا تضطر لخفض أسعار الصرف.
الدول رأت في هذا النظام أفضل وسيلة لتثبيت أسعار الصرف، منعًا للسياسات الانعزالية والتنافسية في خفض أسعار العملات لتطبيق أهداف حمائية، وبالفعل دخل هذا النظام بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيز التنفيذ، وبدا وكأن العالم أصبح لديه نظام يكفل له الاستقرار والطمأنينة النقدية والتي هي أساس أي فرص للتنمية والتجارة الحرة والاستقرار السياسي.
واقع الأمر، أنه على الرغم من خروج الاتحاد السوفياتي والدول التي احتلها في شرق القارة الأوروبية والتي اعتنقت الشيوعية من هذه المنظومة، فإن الظروف الدولية - خاصة في أوروبا الغربية - كانت غاية في التدهور. ومن ثم، كان على الولايات المتحدة أن تتدخل بقوة من أجل ضمان استعادة هذه الاقتصادات لعافيتها لأسباب سياسية مفهومة، وحقًا، تدخلت الولايات المتحدة من خلال «خطة مارشال» لتوفير التمويل اللازم لإعادة البناء في ست عشرة دولة أوروبية بقيمة بلغت سبعة عشر مليار دولار منذ عام 1948. وتبع ذلك «خطة ترومان لليونان وتركيا» للهدف نفسه. لقد كانت الولايات المتحدة مستعدة للعب دور البنك المركزي الدولي، ولذا اتخذت الكثير من الخطوات المهمة لتسهيل حركة الدولار منها إلى أوروبا وسهّلت الواردات الأوروبية إليها، وقبلت بالعوائق التي وضعتها أوروبا على وارداتها لتسهيل عملية النمو فيها إلى الحد الذي سمح لأوروبا واليابان بالخروج من الأزمة وبناء اقتصادات قوية منافسة بلغت إجمالي احتياطياتها من العملات والذهب ما يوازي احتياطيات الولايات المتحدة ذاتها بحلول عام 1959.
غير أن العام التالي، كما كان متوقعًا، شهد لأول مرة بداية أزمة في سعر صرف الدولار ذاته أمام العملات الغربية والين الياباني، وكان هذا نذير بداية اهتزاز دور الولايات المتحدة كقائدة للنظام النقدي الدولي من ناحية، ولكن الأهم كان بداية اهتزاز منظومة النظام النقدي في حد ذاته والمبني على تثبيت أسعار الصرف دوليًا.
حقيقة الأمر أن أساس الحل للأزمة الاقتصادية في «صيغة بريتون وودز» شمل في طياته بذور الأزمة الاقتصادية على المدى المتوسط، فلم يكن الاقتصاد الأميركي قادرًا على الصمود طويلاً أمام الضغوط الدولية، إذ لا تستطيع الدول أن تموّل عجز الآخرين على حسابها من دون أن ينفد رصيدها مهما كان. وهذا بالضبط ما حدث للولايات المتحدة، فقد انخفضت احتياطيات الولايات المتحدة من الذهب إلى 19.5 مليار دولار من 24.5 بحلول عام 1959، كما أن السيولة الدولارية زادت على المستوى الدولي من 7.3 مليارات إلى 19.4 مليار دولار، وهو ما خلق عرضًا دولاريًا مهولاً بمعايير ذلك الوقت تخطى احتياطيه من الذهب. وعليه، كان من الطبيعي أن يبدأ الدولار في فقدان قيمته الحقيقية وبدأ النظام النقدي يهتز ومعه النظام الاقتصادي الجديد.
على الفور اضطرت الدول الكبرى للعمل الجماعي لإنقاذ الدولار ومعه النظام النقدي. فشاركت الولايات المتحدة في اجتماعات البنوك المركزية الأوروبية، لأول مرة، بهدف فرض الاستقرار على النظام النقدي الدولي، حيث جرى الاتفاق على تدخل البنوك المركزية لتخفيف حدة الضغط على الذهب من خلال منظومة متعددة تكفل عرض نسب من احتياطيات الذهب بها كلما زاد الطلب لتخفيف الضغط عن الدولار في حدود مقبولة.
كذلك تم الاتفاق على إنشاء «مجموعة العشرة» بهدف صياغة التعديلات المطلوبة على النظام النقدي في صندوق النقد الدولي، وهو ما أسفر عن صياغة آلية تمويلية جديدة في الصندوق لتوفير استقرار أسعار الصرف بضخ ستة مليارات دولار جديدة لهذا الغرض. ويومذاك ظنت الدول أن هذه المتغيرات كانت كفيلة بتثبيت النظام النقدي الدولي، إلا أن المتغيرات الدولية المتتالية كانت كفيلة بتقويض فكرة تثبيت أسعار الصرف الدولية لتدخل النظام الدولي في شكله القائم اليوم، كما سنرى.
من التاريخ : «نظام بريتون وودز» والاقتصاد الدولي
من التاريخ : «نظام بريتون وودز» والاقتصاد الدولي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


