أفغانستان: تهديدات طالبان لا تخيف السلطة الرابعة

صحافي أفغاني لـ «الشرق الأوسط» : مستعد لأن أدفع حياتي ثمنًا لحرية الكلمة ولن أغادر العاصمة كابل

مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل
مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل
TT

أفغانستان: تهديدات طالبان لا تخيف السلطة الرابعة

مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل
مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل

الصحافيون والمراسلون الأفغان بعد مضي خمسة عشر عاما من حضور القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لا يزالون يواجهون صعوبات ومشكلات جمة تهدد بتقييد حرية الكلمة، وتهدد حياة العشرات منهم الذين يقومون بتغطية الأحداث الدامية اليومية التي تقع في عموم المناطق الأفغانية التي تشهد باستمرار حربا مستعرة بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية. وليّ أرين، واحد من الصحافيين الأفغان القلائل الذين يقومون بتغطية الحوادث الميدانية، وتجده حاضرا في كل المعارك التي يشنها الجيش الأفغاني من أجل تطهير المناطق من مقاتلي طالبان، ويعمل ولي أرين، البالغ من العمر 27 عاما، في قناة محلية تتميز بنقل الأخبار السريعة وحضورها القوي في الساحة وبرامجها الشيقة لمشاهديها في مرحلة ما بعد طالبان. حركة طالبان ترى في الإعلام عدوا خفيا لها، وهددت عدة قنوات تلفزيونية ومراسليها بتصفية جسدية بعد أن قاموا بنقل الأخبار من ولاية قندوز التي سقطت بيد طالبان لعدة أيام. وتقول طالبان إن هؤلاء الصحافيين قاموا بنقل الأخبار الخاطئة وعمدوا إلى تشويه صورة مقاتليها بعد السيطرة على المدينة من خلال بث أخبار كاذبة مفادها أن مقاتلي طالبان قاموا باغتصاب الفتيات في جامعة قندوز، الأمر الذي أدى إلى فتح جبهة جديدة لطالبان ضد الإعلام المحلي، وهددت بشكل صريح بأنها ستستهدف قناة «طلوع» التي يعمل فيها «ولي أرين»، وبعد عدة أشهر من التهديد ترجمت طالبان وعيدها باستهداف حافلة كانت تقل موظفين في قناة «طلوع» مما أسفر عن مقتل خمسة صحافيين في القناة وإصابة عشرين آخرين غالبيتهم موظفون في القناة.
يقول أرين إنه يدرك تماما المخاطر الأمنية التي تحيط بالصحافيين والمراسلين، خصوصا أولئك الذين يقومون بنقل الأخبار والحوادث الأمنية في الميدان، مشيرا إلى أن التهديدات التي تطلقها طالبان لا تخيفه؛ بل سيظل أكثر قوة، وأنه سيستمر في عمله الصحافي حتى لو أدى ذلك إلى دفع حياته ثمنا للحرية وحرية الكلمة. يضيف أرين لـ«الشرق الأوسط» أن «الحرية التي نتمتع بها لم نحصل عليها مجانا، ولا يمكن الاحتفاظ بها مجانا، فهي تتطلب تضحيات كبيرة، وعلينا نحن الجيل الصاعد تحمل تبعاتها وتحمل كل المخاطر التي نواجهها في سبيل الاحتفاظ بالمنجزات التي تحققت خلال الأربعة عشر عاما الماضية».
تزوج «ولي أرين» وهو الوجه المعروف لجميع الشعب الأفغاني الذين يتابعون القناة التي يعمل فيها، من خلال تقاريره المتميزة وحضوره الدائم في الساحة، وهو أب لطفلين، ويقول إنه غادر البلاد برفقة أطفاله لمدة أسبوعين فقط بعد أن تصاعدت وتيرة التهديدات خلال الفترة الأخيرة، لكنه لم يتحمل الغياب عن الساحة، وعاد فورا، مشيرا إلى أنه تعهد بأنه لن يغادر أفغانستان مهما كان مستوى الخطر، وأنه سيظل فيها ينقل الأخبار ويوجد في الميدان حتى آخر يوم في حياته المهنية. وفي سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول خروج المئات من الشباب الأفغان إلى أوروبا هذه الأيام وما إذا كان هو ينوي الخروج من البلد بسبب تصاعد التهديدات الأمنية ضده، قال أرين إن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، وهو يدرك تماما أن لا أحد يستطيع إلحاق الأذى به أو بعائلته دون مشيئة الله تعالى، وبالتالي، فإن مسألة الخروج من البلد وترك الساحة للمسلحين والمتمردين الذين يسعون إلى إرجاع أفغانستان إلى القرون الوسطى وإلى العهد الحجري، غير واردة له، ويؤكد أن المتمردين لن ينجحوا في هذه المحاولة، وأنه سيبقى في البلد وينقل الحقيقة إلى المشاهد عبر تغطية الأحداث، وأن التهديدات ليست جديدة بالنسبة له، فهو عاش في زمن الحرب الأهلية في المدينة ولم يغادرها. وتظل أفغانستان مكانا غير آمن للصحافيين والمراسلين الأفغان والأجانب؛ حيث قتل العشرات منهم خلال تغطية الحرب الجارية في هذه البلاد منذ الإطاحة بنظام طالبان نهاية عام 2001.
ويوجد حاليًا في أفغانستان مائة وخمسون محطة إذاعية وثلاثون قناة تلفزيونية، في مؤشر على تطور الصحافة وميلادها من جديد بعد الإطاحة بحركة طالبان.
استعاد المشهد الإعلامي عافيته في أفغانستان بعد سقوط حكم حركة طالبان قبل خمسة عشر عاما. وعلى الرغم من تواضع الإنجازات التي حقَّقتها المهام العسكرية الدولية بعد أكثر من عشرة أعوام من بدئها، فإن هناك كثيرا من الإعلاميين الذين يعملون بجد ونشاط على تطوير الصحافة والإعلام في جميع أنحاء البلاد.
واحتلت أفغانستان في «مؤشر حرية الصحافة» لعام 2010 الذي نشرته منظمة «مراسلون بلا حدود» مرتبة أفضل بكثير من جارتيها باكستان وإيران. وفي حين لم يكن يوجد في أفغانستان قبل عام 2001 سوى إذاعة واحدة تابعة لحركة طالبان اسمها «صوت الشريعة»، صار يوجد الآن مائة وخمسون محطة إذاعية. والإذاعة هي الوسيلة الأكثر انتشارًا في أفغانستان، وفي هذا البلد الذي تنتشر فيه الأمية على نطاق واسع، ويتم فيه توزيع وسائل الإعلام المطبوعة بطبعات صغيرة، تزداد معاناة الصحافيات من الضغوط الاجتماعية.
الصحافيون والصحافيات في أفغانستان مستهدفون من المتطرِّفين ولا يستطيعون حتى يومنا هذا ممارسة عملهم بحرية في المناطق الريفية، خصوصا الصحافيات بعد أن تم حرمانهن في السابق من العمل طيلة أعوام. زد على ذلك أنَّ الأوضاع الأمنية في البلاد تحول دون ممارسة المرأة العمل الصحافي بصورة طبيعية.
ولا يعاني الصحافيون في أفغانستان من حركة طالبان وحدها، بل من أمراء الحرب أيضًا؛ من زعماء الميليشيات الذين وصلوا في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي إلى السلطة والثروة، وأصبحوا الآن غارقين في كثير من النشاطات الإجرامية مثل تجارة المخدرات التي تدر عليهم كثير من الأرباح، وتحوَّلوا في الوقت نفسه إلى امتلاك وسائل إعلام خاصة بهم. وعلى سبيل المثال تعد قناة «تلفزيون أين» ملكًا لزعيم الحرب الجنرال عبد الرشيد دوستم الذي يتمتَّع بنفوذ واسع، وهو الآن يتقلد منصب النائب الأول للرئيس الأفغاني. وهؤلاء الزعماء لديهم حضور كبير الآن ضمن المشهد الإعلامي في أفغانستان. ويقول حكمت صافي، وهو صحافي في وكالة «أنباء باجهوك» الخاصة الحائزة على «جائزة حرية الصحافة» التي تمنحها في كلِّ عام لجنة حماية الصحافيين: «يتم تشغيل نصف المحطات التلفزيونية الأفغانية، التي يبلغ عددها ثلاثين محطة، من قبل أمراء الحرب».
لا يعاني الصحافيون إذن في أفغانستان من حركة طالبان وحدها، بل أيضًا من أمراء الحرب الذين يملكون الآن خمس عشرة محطة تلفزيونية أفغانية تضمن لهم حضورًا كبيرًا في المشهد الإعلام؛ حيث أنشئت وكالات محلية تقوم بنقل الأخبار إلى معظم وسائل الإعلام الأفغانية، كما أنَّها صنعت لنفسها اسمًا لامعًا من خلال أمانتها المهنية وجودة عملها. ولكن عمل حكمت وصحافيين آخرين من أمثاله ليسن بالعمل السهل والهين، وفي هذا الصدد، يقول صافي: «كثيرًا ما تنقصنا المعلومات الموثوقة، الأمر الذي يصعِّب عملية البحث». ويذكر هنا مثال هجوم إرهابي، ويتساءل: «كيف ينبغي لنا الكشف عن عدد الضحايا؟ إذ إن الدوائر الحكومية لا تقدِّم في الغالب أي إجابة، وحركة طالبان وحدها هي التي تسرع في الإعلان»، مشيرا إلى أن القوات الدولية ليست أفضل حالاً من الحكومة في سياستها الخاصة بتقديم المعلومات. ومن المفترض، حسب قول صافي، أنَّ القوَّات الأجنبية أيضًا تقوم بتزييف المعلومات، وكثيرًا ما تحاول قوة المساعدة الأمنية الدولية التكتم على عدد الضحايا المدنيين الذين يسقطون نتيجة الضربات العسكرية. ويشير صافي إلى صعوبة الحصول على الحقيقة في أفغانستان: «بعد تنفيذ أي عمل عسكري يقولون لنا إنَّ هذا الهجوم تم تنفيذه من قبل حركة طالبان». وهذا يظهر بوضوح أنَّ الصحافيين الأفغان معرَّضون للخطر من عدة جهات، وأنَّهم كذلك عرضة لضغوطات كثيرة.
وبالإضافة إلى ذلك، ينتشر بين الصحافيين في أفغانستان قدر كبير من الرقابة الذاتية، وكذلك تحدِّد الحساسيات الاجتماعية المحافظة ما يجوز للصحافيين كتابته وما يحظر عليهم تناوله. زد على ذلك أنَّ استمرار عمل الصحافة عالية الجودة في أفغانستان يبقى مرهونًا أيضًا بتوفير المال الذي كثيرًا ما يكون الصحافيون في أمسّ الحاجة إليه. إلى جانب ذلك، فقد انتشرت مؤخرا في أفغانستان الرقابة الذاتية، فقد تعرَّض الصحافيون في أفغانستان في الأعوام العشرة الماضية، بحسب معلومات منظمة «مراسلون بلا حدود»، لمئات من أعمال العنف، وقتل منهم في هذه الفترة ما لا يقل عن ستة عشر صحافيا. الصحافيون الأفغان يعملون في الخط الأمامي في جبهات القتال، وتحاول القنوات المحلية الوليدة الوصول إلى المعلومة وإلى السبق الصحافي، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إلحاق الأذى بالصحافيين والمراسلين الأفغان الذين ينقلون الحقيقة من الميدان إلى المشاهد، من قبل أطراف الصراع.



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.