كتاب إسرائيلي يفجر أزمة {تطبيع} في القاهرة

جدل ترجمة الكتب العبرية إلى العربية يعود مرة أخرى

غلاف الكتاب الإسرائيلي
غلاف الكتاب الإسرائيلي
TT

كتاب إسرائيلي يفجر أزمة {تطبيع} في القاهرة

غلاف الكتاب الإسرائيلي
غلاف الكتاب الإسرائيلي

أثارت النسخة العربية من كتاب «ألف ليلة دوت كوم» المترجم عن العبرية للصحافي الإسرائيلي من أصل عراقي جاكي حوجي، ضجة بين المثقفين والإعلاميين في مصر وإسرائيل بعد طرحه في معرض «القاهرة للكتاب» في دورته الـ47، وصلت أصداؤها إلى البرلمان المصري الذي طالب أحد نوابه، النائب محمد المسعود بمصادرة الكتاب وفتح تحقيق عن كيفية تداوله بالمعرض. الكتاب الصادر عام 2011 عن دار نشر معاريف الإسرائيلية، وتصدى لترجمته على نفقته الخاصة الباحث المصري المتخصص في اللغة العبرية عمرو زكريا، عن دار «إمدكو برس» للنشر والتوزيع وأكاديمية «آفاق»، أصبح خلال الأيام الماضية حديث وسائل الإعلام المصرية والإسرائيلية تحت عنوان «عاصفة الكتاب الإسرائيلي في القاهرة».
يتكون الكتاب من عشرة فصول، هي: «الإنترنت.. المعارضة الجديدة، الإعلام والديمقراطية خطوة للأمام وخطوتان إلى الخلف، النساء، إسرائيل واليهود اعرف عدوك، الجهاد والإرهاب بن لادن لم يعد يسكن هنا، الشيعة، الشرق والغرب، شرق أوسط قديم، الدين والشريعة قال أحد الحكماء، وأخيرا الجنس والحياة الزوجية». يستند الكتاب على مقالات وتحقيقات نشرت في الصحف المصرية والعربية تمس نواحي الحياة اليومية كافة في العالم العربي بهدف نقل صورة كاملة للمواطن الإسرائيلي عن العالم العربي وما يجري فيه وتأثير وسائل الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة على مجريات الحياة اليومية والسياسية.
ويحاول الصحافي المتخصص في الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي جاكي حوجي تحليل شخصية المواطن العربي ورؤيته للمواطن الإسرائيلي، وكيف تحولت نظرة العرب لإسرائيل خلال الأعوام الماضية، محاولا استشراف مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية. كما ألقى الكتاب الضوء على تأجج ثورات الربيع العربي وتنبأ بسقوط الأنظمة السياسية في بعض الدول.
ورغم أن المترجم المصري قد وضع عنوانا فرعيا للكتاب: «كيف يرانا الإسرائيليون؟» يوجه القراء إلى أهمية التعرف على رؤية الإسرائيليين للمجتمعات العربية في المنطقة، فإن الكتاب ومترجمه واجها هجوما عنيفا في معظم الصحف المصرية، يقول عمرو زكريا لـ«الشرق الأوسط»: «لدي 14 كتابا مترجما عن العبرية وكل عام أشارك بكتاب أو أكثر في معرض الكتاب، للأسف كل الضجة بسبب أنني أعرف جاكي حوجي شخصيا وأنه يعمل في إذاعة الجيش الإسرائيلي، كما أن مقال (يديعوت أحرونوت) تسبب في كل تلك الضجة».
جاء في تقرير الصحيفة الإسرائيلية أن «عرض الكتاب للمرة الأولى في معرض (القاهرة الدولي للكتاب) يُعد خطوة جريئة من المترجم المصري، الذي يتحدث العبرية بطلاقة تدهش الجميع». وأضافت الصحيفة أن حوجي وزكريا تربطهما صداقة قوية «عابرة للحدود» عمرها يصل لنحو 15 عامًا، وأن الصداقة تطورت لتصبح صداقة عائلية بين الأسرتين وأولادهما.
يوضح زكريا: «رغم اختلاف وجهات نظرنا في كثير من القضايا وأنني أهاجمه في كثير من الأحيان وفي برنامجه الإذاعي حول الشأن المصري والعربي وتحديدا حول القضية الفلسطينية، فإن الخلاف في الرأي بيننا لا يعني أن النقاش ينقطع بل مستمر، ودوما ما أطرح وجهة نظري في الإعلام الإسرائيلي وأقوم بمداخلات في برامجهم لتصحيح بعض المعلومات عن مصر والدول العربية، فهل كوني مدافعا عن مجتمعي يعد جريمة؟!». واستنكر زكريا تهمة التطبيع التي وصمته بها بعض المنابر الإعلامية المصرية، متسائلا: «هل تعد الترجمة تطبيعا؟!..أليس من المفترض أن تكون الترجمة عن العبرية أهم التراجم حتى من مبدأ (اعرف عدوك)؟! ولماذا إذا توجد علاقات تجارية واقتصادية وسياسية إسرائيلية ولا يتم وصفها بالتطبيع؟!». وأضاف: «بالمناسبة الكتاب حائز على رقم إيداع بدار الكتب والوثائق المصرية، وهم من طلبوا مني تصريح كتابي من المترجم الإسرائيلي، أي أن الدولة هي التي توجه بالتواصل مع المؤلف الإسرائيلي رغم أنه أمر غير ضروري، أي أن الدولة لم تمانع من الأساس ترجمة الكتاب».
من جانبه خرج خوجي معلقا على تعامل المصريين مع كل ما يتعلق بالمنتج الثقافي الإسرائيلي قائلا: «إن منع المواطن المصري من قراءة كتاب عبري أو مشاهدة فيلم إسرائيلي فإن المقاطعة تطاله هو وليس الجانب الإسرائيلي».
يقول خوجي في الفصل الرابع من الكتاب: «لقد ولَّت الأيام التي كانت تعتبر فيها إسرائيل المتهمة الوحيدة المسؤولة عن كل مشكلات الأمة العربية. فمنذ ذلك الحين، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، مال العرب نحو الانطواء الداخلي وطرح أسئلة محددة تخص قضاياهم الداخلية. ولقد حركهم هذا الاتجاه نحو التخلي عن فكرة أن دولة اليهود هي سبب ضعفهم، حيث زعم كثير منهم أنهم لا يعارضون وجود إسرائيل، ولو أنها أنهت الاحتلال لفتحوا لها حدود بلادهم. فشعار (اعرف عدوك) الذي كان في الماضي الدافع الرئيسي من أجل معرفة إسرائيل واليهود، تغير الآن إلى الحاجة إلى معرفة الجار».
وعلى خلفية أزمة كتابه، اعتبر زكريا أن «ما يثار من أزمات مفتعلة حول التراجم العربية للكتب العبرية سوف تحطم أي جهود فردية من قبل المترجمين العبريين في مصر على رغم من أهميتها وخطورتها». لافتا أن «اللغة العبرية تدرس في مصر منذ تأسيس جامعة القاهرة عام 1932، وهناك نحو ألفي خريج كل عام يتخرجون من أقسام لتدريس العبرية في 10 جامعات مصرية، وتلك الأزمات سوف تضر بمستقبل هؤلاء». وروى زكريا «طه حسين حينما كان وزيرا للمعارف المصرية أوفد أحمد لطفي السيد لحضور افتتاح الجامعة العبرية في القدس عام 1925».
وأمام الضجة الإعلامية الكبيرة في مصر وإسرائيل، وقرار دار الكتب التحقيق في أمر الكتاب، رفع الباحث عمرو زكريا الراية البيضاء وقرر رفع كتابه من المعرض. وحول السبب قال: «لا أرغب في أن أتسبب في أي أذى للمكتبة التي تقوم بتوزيع الكتاب، كما أن لدي كتابين آخرين عن العبرية وصدرا هذا العام أيضا هما: (قاموس العامية العسكرية)، وهو قاموس يساعد الجنود المصريين في التعرف على اللغة المتداولة بين جنود الجيش الإسرائيلي، وكتاب (معجم الحياة) وهو معجم يتناول المصطلحات العامية العبرية من المأكل والمشرب والملبس والسينما والموضة والتهكم حتى الشتائم، وهما معروضان بالمعرض أيضا». وأكد المترجم المصري بثقة كبيرة «هذه الضجة قدمت لي دعاية لم أكن أتخيلها، رغم اعتقادي أنه أضعف الكتب التي ترجمتها عن العبرية، فإنني على يقين بأن الكتاب سيتم بيعه بمئات الجنيهات فيما بعد». والمترجم عمرو زكريا من مواليد عام 1971 بمحافظة الجيزة، التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغات الشرقية عام 1989، والتحق بالشعبة السامية وبدأ مشواره مع اللغة العبرية، تركزت معظم اهتماماته في الترجمة بالموضوعات الدينية، وأول كتبه «الآثار اليهودية في مصر»، الذي يتناول الأماكن الدينية والأثرية لليهود بمصر. «من كتب التوراة؟»، و«الأعياد اليهودية»، وكتاب «اليسار المصري والصراع العربي الإسرائيلي» الذي يتناول موقف اليسار المصري من قضية الصراع العربي الإسرائيلي منذ بدايته حتى عام 1978. إضافة إلى كتاب «أسرار التطبيع بين مصر وإسرائيل» عن تطبيع العلاقات المصرية الإسرائيلية، وهو من تأليف السفير ديفيد سلطان، المصري الأصل الذي شغل منصب سفير إسرائيل في القاهرة بين 1992 - 1996، ويتناول أسرار وخفايا التطبيع في العلاقات بين الدولتين حتى عام 2007، وكيف أن مصر استخدمت التطبيع كسلاح للضغط على إسرائيل للتقدم في العملية السلمية.
وحول الإجراءات التي سوف تتخذها وزارة الثقافة أو الهيئة العامة للكتاب، قال الدكتور محمود الضبع، نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب، لـ«الشرق الأوسط»: «النائب الذي قام بعمل هذه الضجة لم يتقدم ببلاغ رسمي أو يقدم طلب إحاطة مما يجعلها قضية زائفة لا وجود لها على أرض الواقع ولن يمكننا أخذ إي إجراءات دون حكم قضائي؛ لأن مصادرة أي كتاب لا تتم دون حكم قضائي، ويجب أن تتم بمعايير حيادية، للأسف هذا يشغلنا عن الموضوعات والقضايا الهامة التي تمس الثقافة، وللأسف المجتمع المصري أصبح يلهث وراء الضجة الإعلامية الزائفة التي تروج لها بعض وسائل الإعلام».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.