غارة أميركية قرب العاصمة الليبية تخلف أكثر من 40 قتيلاً.. بينهم أحد قياديي «داعش»

سلطات طرابلس ومبعوث الأمم المتحدة يلتزمان الصمت حيال الضربة

غارة أميركية قرب العاصمة الليبية تخلف أكثر من 40 قتيلاً.. بينهم أحد قياديي «داعش»
TT

غارة أميركية قرب العاصمة الليبية تخلف أكثر من 40 قتيلاً.. بينهم أحد قياديي «داعش»

غارة أميركية قرب العاصمة الليبية تخلف أكثر من 40 قتيلاً.. بينهم أحد قياديي «داعش»

شنت طائرات حربية أميركية صباح أمس غارة جوية على مدينة صبراتة، الواقعة في غرب ليبيا بالقرب من الحدود التونسية، مما أسفر عن مقتل 41 شخصا وجرح 6 آخرين، معظمهم من تونس، بالإضافة إلى مواطن أردني مسيحي، وسيدتين.
وقال حسين الذوادي، عميد المدينة في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن الغارة وقعت نحو الساعة الثالثة والنصف فجر أمس، حيث قصفت الطائرات منزلا يقع بإحدى ضواحي صبراتة، موضحا أن «عدد القتلى وصل إلى 41 حتى الآن، وقد جرى نقلهم إلى مستشفى صبراتة، لكن ما زال هناك ضحايا تحت الأنقاض».
وتابع الذوادي موضحا أن عدد الجرحى الذين وصلوا إلى المستشفى بلغ ستة جرحى، «بينهم مواطنان تونسيان، ومواطن أردني مسيحي كان يعمل معهم، لكن لا وجود لجنسيات أخرى، وقد كانت هناك امرأتان، وقد رأيت إحداهما، ويبدو أنها في نهاية الثلاثينات من عمرها».
وبخصوص المنزل الذي تم استهدافه، أوضح الذوادي أنه مملوك لمواطن من المنطقة يدعى عبد المجيد المشوط، كان يؤجره لعدد من الأشخاص، وأنه ينتمي للجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة، لكنه انعزل في فترة من الفترات عن الجماعة، وانشغل بالتجارة، ويبدو أنه كان يخدم في الخفاء، حسب رأي الذوادي، مشيرا إلى أنه ليس من الواضح أن القصف أميركي المصدر، لكنه لم يستبعد قيام جيوش أميركية أو قوات التحالف بالعملية، لأن الضربة كانت دقيقة جدا ومركزة للغاية، مضيفا أن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن الضحايا دخلوا المنزل مؤخرا وكانوا قادمين للتو من تونس.
وبخصوص جنسيات القتلى أوضح الذوادي أنه «لا أسماء واضحة لأن الضحايا لا يحملون أوراقهم الثبوتية، لكن كانت هناك أسلحة بالمنزل الذي تحول إلى ركام نتيجة الضربة المحكمة والدقيقة».
وحول ماذا كانت الطائرات الأميركية قد حصلت على معلومات استخباراتية على الأرض قبل القصف، قال عميد صبراتة «لا نستبعد هذا الكلام، لكن وجود هذه المجموعة وتجمعها في مكان واحد يبدو أنه مستدرج ومتتبع، ويطرح تساؤلات حول الضربة».
من جانبها نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أمني في ليبيا قوله إن «الغارة كانت دقيقة جدا وأصابت المنزل المستهدف وحده، كما أن آثار القصف لم تخرج ولو لمتر واحد عن هدفها»، مضيفا أن السلطات «أجرت تحقيقا مع أحد الجرحى الستة الذين أصيبوا في الغارة أيضا، وقال إنه جاء مع آخرين بهدف التدرب على القتال، وإن الجماعة التي أقلته إلى صبراتة عصبت عينيه طوال مدة الطريق».
من جهته، كشف الكولونيل مارك تشيدل، المتحدث باسم القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، أن من بين أهداف الغارات الجوية ضرب المتشدد التونسي نور الدين شوشان، المشتبه بأنه وراء تنفيذ هجومين كبيرين في تونس. وقال بهذا الخصوص: «نحن نقيم نتائج العملية، وسنوفر معلومات إضافية حين يكون هذا ملائما وبالطريقة المناسبة».
وأكد هذه المعلومات نفسها مسؤول أميركي آخر لشبكة CNN الأميركية، حيث تحدث عن تنفيذ مقاتلات أميركية لضربة جوية على هدف تابع لتنظيم داعش في ليبيا، لافتا النظر إلى أن شوشان المستهدف يعتقد أنه مسؤول عن تنفيذ الهجومين اللذين شهدتهما تونس العام الماضي، واللذين استهدفا متحف باردو وشاطئ سياحي في منطقة سوسة. فيما قال مسؤول الإعلام بالمجلس المحلي لمدينة صبراتة، إن المجلس كان علم مسبق بالغارات الأميركية، وقال إن هناك تنسيقا بين الجانبين الأميركي والليبي بخصوص محاربة تنظيم داعش.
وجاءت الغارة الأميركية بعد ساعات فقط على تحذير المبعوث الأممي لدى ليبيا مارتن كوبلر من أن الوقت ربما لا يكون مناسبا للقيام بعمليات جوية دولية ضد أهداف تنظيم داعش في ليبيا، معتبرا أنها ربما ستعرقل جهود تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على القيام بمهامها. وعد كوبلر في تصريحات أول من أمس أنه «من المهم عدم وضع العربة أمام الحصان» بشن غارات في هذه الفترة الدقيقة، لافتا النظر إلى أن هناك حاجة لوجود قوات على الأرض، وأن الغارات الجوية بمفردها لن تكون كافية.
لكنه في المقابل لفت النظر إلى أن محاربة مسلحي «داعش» على المدى الطويل ستتطلب أيضا جهدا بريا لاستعادة السيطرة على البلدات، والقرى الخاضعة حاليا لسيطرة التنظيم حول سرت، وعلى طول جزء من الساحل الليبي على البحر المتوسط.
أما بخصوص الغارة الأميركية، فقد التزم الدبلوماسي الألماني الصمت أمس ولم يدل بأي تعليق، وهو نفس الموقف الذي اتخذته السلطات غير المعترف بها دوليا، التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس منذ نحو عامين.
وتقع صبراتة قرب الحدود التونسية، وهي واحدة من المناطق التي يقول مسؤولون غربيون إن متشددي تنظيم داعش يوجدون بها في إطار توسعهم داخل ليبيا، بينما تعتقد مصادر أمن تونسية أن متشددي التنظيم يتدربون في معسكرات قريبة من صبراتة، علما بأن مسلحين نفذوا هجمات على متحف تونسي وفندق ساحلي العام الماضي، أدت إلى مقتل عشرات الأشخاص، داخل معسكرات متشددين في ليبيا قبل العودة إلى وطنهم. وهذه أول غارة من نوعها تستهدف مدينة صبراتة، الواقعة على بعد 70 كيلومترا غرب العاصمة طرابلس، والخاضعة لسيطرة تحالف «فجر ليبيا» المسلح، الذي يخوض نزاعا على السلطة مع قوات السلطات المعترف بها دوليا، والتي تتخذ من شرق ليبيا مقرا لها.
إلى ذلك، يفترض أن يقدم اليوم فائز السراج، رئيس الحكومة المكلف برنامج حكومته، المؤلفة من 18 وزيرا، ويناقش السير الذاتية للوزراء اليوم السبت أمام البرلمان المعترف به دوليا في شرق البلاد، على أن يتم التصويت على الحكومة الثلاثاء المقبل.
لكن قبل جلسة اليوم مارست الدول الكبرى ضغطها الرسمي على البرلمان الليبي، ودعته إلى منح ثقته لحكومة السراج، حيث دعا بيان مشترك صادر عن حكومات فرنسا والولايات المتحدة، والإمارات وألمانيا، وإسبانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، مجلس النواب إلى تحمل مسؤولياته باعتماد قائمة أعضاء الحكومة بالكامل. وأكد أن الاعتماد النهائي لهذه الحكومة يمثل مرحلة أساسية لتمكين الشعب الليبي من إعادة بناء بلاده، ومواجهة التهديد الذي يمثله «داعش»، معتبرا أن طريق المصالحة وتشكيل حكومة وفاق وطني يمثلان للشعب الليبي مخرجا إيجابيا ويسمح بالمضي قدما. كما شدد البيان على الدعم الكامل للشعب الليبي وحكومة الوفاق الوطني في مهمته الصعبة لاستعادة الوحدة والاستقرار، محذرا من أن استمرار الانقسامات سيستفيد منه «داعش» والمجموعات المتطرفة الأخرى التي تسعى لتقسيم ليبيا.
من جهة أخرى، ندد رئيس بلدية بنغازي في شرق ليبيا، ونائب رئيس بلدية طرابلس بالأوضاع الإنسانية الصعبة للغاية في المدينتين، على هامش مشاركتهما في روما كضيوف، وذلك في جلسة للجمعية البرلمانية للاتحاد المتوسطي، إذ قال عمر عبد الله محمد البرعصي، رئيس بلدية بنغازي، إن «الوضع أصبح كارثيا في بنغازي»، مضيفا أن «ميليشيات إرهابية تهاجم المدينة من الضواحي، وتم إغلاق المطار والميناء». وتابع البرعصي موضحا أن «الوضع الإنساني دقيق جدا، فهناك نقص في الغذاء والدواء، ونأمل أن يقدم الاتحاد الأوروبي دعما لجيشنا»، لكي يستطيع القضاء على الميليشيات.
من جهته، قال عبد الرحمن الجيلالي، نائب رئيس بلدية طرابلس، إن الكثير من المواطنين يفرون من المناطق الشرقية والغربية في المدينة بسبب تعرضها لهجمات تشنها جماعات مسلحة، موضحا أن الأزمة في ليبيا «أدت إلى رفع معدلات البطالة في طرابلس. كما أن الأطفال لا يذهبون إلى المدارس، في حين ارتفعت نسبة التضخم كثيرا، وأصبح الغلاء يشمل الإيجار والغذاء. وكل شيء أصبح أكثر تكلفة».
ومن جانبه، قال المبعوث الإيطالي الخاص لليبيا الدبلوماسي جورجيو ستاراتشي إن روما تعتمد كثيرا على التعاون مع رؤساء البلديات وغيرهم من المسؤولين المحليين لأن ذلك يسمح بحل المشاكل اليومية للسكان الذين تشكل البلدية في نهاية المطاف محاورهم الوحيد، في ظل عدم وجود حكومة وحدة وطنية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.