آرثر شوبنهاور سعى إلى الخلاص بإفناء الذات

مهما ابتسمت لنا الحياة فعلينا الاستعداد لقبول الشقاء الذي تحضره لنا

شوبنهاور
شوبنهاور
TT

آرثر شوبنهاور سعى إلى الخلاص بإفناء الذات

شوبنهاور
شوبنهاور

ولد الفيلسوف آرثر شوبنهاور، سنة 1788. وكان محظوظا بوالده التاجر الذي سيقضي معه طفولته وشبابه، في سفر دائم. ويتمكن من زيارة هولندا، وفرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وسويسرا، وغيرها. ما ساهم في تكوينه العميق، ليس انطلاقا من الورق وحسب، بل من خلال المعاينة الواقعية للأشياء، إذ سيحضر للعروض المسرحية وحفلات الموسيقي والرقص، ويلعب الورق، ويزور المتاحف، والمقابر الملكية، وأماكن الأبطال والشعراء. والأهم أنه سيتمكن من ضبط كثير من اللغات. كان يتكلم الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية ويكتب بها بإتقان، بل سيتعلم إلى جانبها اللغات القديمة كاللاتينية والإغريقية، ما سيجعله يستغني، طيلة حياته، عن الترجمة، إذ سيخترق المتون في لغاتها الأصلية من دون وساطة.
والجميل في رحلات شوبنهاور أنه كان يدونها في يوميات، جمعها في كتاب بعنوان «يوميات السفر»، جمع فيها كل ما رأته عيناه وما انطبع في ذهنه من أحداث. لكن ما كان يثير آرثر أكثر، ليس فقط ملامح الفرح والمتعة في السفر، بل أيضا مشاهد التعاسة والمعاناة. ومما يظهر أهمية سؤال الشقاء في فلسفة شوبنهاور، ما دونه حول زيارته لأحد السجون، الذي كان يقبع فيه 6 آلاف سجين لا أمل لهم في الخروج منه. وقد قال عنهم: «أعتبر مصير هؤلاء السجناء أشد سوءا من الموت. لقد كانت قاعات النوم قذرة للغاية، تمرح فيها الجرذان والصراصير. ينام السجين على المصطبة التي يربط بها بالسلاسل، ولا يحصل إلا على الخبز والماء. هل يمكن تصور شعور المسكين، المثبت بالسلاسل على مصطبة لا يمكن أن يتخلص منها إلا بالموت؟ أو ما سيكون عليه المستقبل الذي سيواجهه عندما يكمل مدة عقوبته، أي بعد عشر سنوات أو عشرين؟ لا أحد يريد أن يعمل لديه سجين سابق. لذا يعود السجين إلى إجرامه وإلى السجن مجددا». من خلال هذا الوصف يظهر أن ما كان يدهش شوبنهاور في رحلاته، آنذاك، سيحدد خط تفكيره الفلسفي، إذ كتب يقول «غمرني وعمري لم يتجاوز السابعة عشرة، ولم أكن قد تلقيت سوى تعليم متوسط، الشعور بتعاسة الحياة، كما شعر بذلك بوذا في صباه، عندما اكتشف وجود المرض والشيخوخة والموت. بدت لي الحياة مشكلة عويصة، فقررت أن أكرس كل حياتي في التفكير بحلول لها». وذلك ما سيكون مستقبلا، بحيث سيجند شوبنهاور نفسه ليجيب عن سؤال: كيف نخفف من معاناة الحياة؟ أو بعبارة أخرى، ما الوصفة التي من خلالها نجابه ضجر عالمنا وملله وبؤسه؟
وقد يزيد من تعميق سؤال المعاناة لدى شوبنهاور موت أبيه سقوطا من على سطح المنزل. وقد وظل شوبنهاور معتقدا، على الدوام، بأن والده لم يسقط خطأ، بل منتحرا. فقد كان يدرك أن والده مر بلحظات اكتئاب شديدة، تمثلت في كثرة مخاوفه وقلقه وأفكاره السوداوية وإرادة انتحاره. لكن ما سيزعج شوبنهاور أكثر، هو سلوكيات أمه «جوهانا» اللامبالية. وسيحكي ذلك وبحرقة ويقول: «كان والدي مسمرا على سرير المرض، حزينا وعاجزا، يسهر على راحته خادم عجوز بدلا من أن تخدمه والدتي. كانت والدتي مشغولة بإقامة السهرات، حين كان والدي ينطفئ في عزلته. وكانت تتسلى مع مجموعة معارفها حين كان والدي يعاني آلاما مبرحة. هذا هو حب النساء». كان شوبنهاور يحب والده كثيرا، وينعته بأفضل الآباء. وظل يحافظ على ذكرياته الجميلة مع أبيه الحنون.
وقد كتبت جوهانا، وهي المثقفة والأديبة، مذكراتها، وأظهرت فيها أنها لم تكن تحب زوجها، وأنها قبلت الزواج به لثرائه ولرغبتها في الرفاهية. وما سيزيد الأمور تعقيدا، بين شوبنهاور ووالدته، هو تصرفاتها بعد ممات والده، ومغامراتها العاطفية التي كان يرى فيها شوبنهور خيانة عظمى لوالده، الذي وهب حياته لجمع الثروة. وقد خلق هذا الأمر عنده كراهية للنساء، توجها بكتاب بعنوان «بحث حول النساء»، كمحاولة ثأرية لعذاب والده وخذلان أمه. وأظهر في الكتاب تصوره للمرأة ككائن تافه وسطحي، ولا يهتم إلا بظواهر الأشياء وإنفاق المال حيثما اتفق. إن كرهه للمرأة مجسدة في أمه انعكس على حياته الشخصية، فهو لم يقم علاقة مع المرأة إلا لدواعٍ جنسية. وذات يوم عندما تعرف على خادمة فندق وحملت منه، هرب، وطلب من شقيقته أن تحل له المشكلة بتقديم تعويض مادي، وقد رزق بفتاة توفيت بعد أشهر فقط.
عموما، كانت حياة شوبنهاور متوترة ومليئة بالمخاوف. فقد كان شبقيا جدا، إلى درجة أن تحول الجنس لديه إلى مشكلة خاصة. كان ينام وإلى جانبه مسدسه خشية من اعتداء. وكان لا يشرب إلا من كأس خاصة يحملها معه على الدوام، خشية العدوى، بل كان لا يقطن إلا بالغرف السفلى خوفا من اندلاع حريق. كما كان يخفي أوراقه الشخصية وحساباته البنكية بعناية فائقة، وفي أماكن سرية. فهو لا يثق في أحد أبدا.
هذه السلوكيات التي طبعت حياة شوبنهاور هي التي دفعت إلى القول بأنه رجل متشائم، بل إن فلسفته راحت تقدم على أنها هي كذلك، لكن كثيرا من الباحثين يرفضون ذلك، وهذا ما سنتعرف عليه.

شوبنهاور بين التشاؤم والتفاؤل

يقدم شوبنهاور كفيلسوف متشائم من الدرجة الأولى. والحقيقة ليست كذلك. وهذا مثلا ما حاول الفيلسوف الفرنسي المعاصر، لوك فيري، إظهاره. فهو يرى أن تشاؤم شوبنهاور ليس صادرا عن إحساس نفسي، ولكن عن موقف فلسفي. فهو لم يكن مصابا بالاكتئاب أو الوهن العصبي. فكل ما كان يود إبرازه هو أن العالم عبثي ولا معنى له وبحجج عقلية. إضافة إلى ذلك، كيف يمكن لفيلسوف أن يكون متشائما وقد وضع كتابا اسمه «فن السعادة»؟ إن تشاؤم شوبنهاور شبيه بعمل ديكارت. فإذا كان هذا الأخير قد قام بعملية الشك عنوة، وكقرار منهجي يريد من خلاله البحث عن أرض صلبة، وعن يقين يستند إليه، فإن تشاؤم شوبنهاور نفسه لم يكن تشاؤما نفسيا، بل بدأ بالتشاؤم كخطوة منهجية ليجد شروطا جديدة للتفاؤل. وقد كان يبحث عن حكمة صلدة وخالية من الوهم لتحقيق السعادة. وهذا ما حاول أيضا أن يبرزه لنا مترجم كتاب شوبنهاور الأساس، «العالم إرادة وتمثلا» إلى العربية، وهو سعيد توفيق، الذي أطال مع هذا الفيلسوف العشرة، إذ يقول: «إننا مطالبون ونحن نقرأ شوبنهاور بالابتعاد عن كثير من الشائعات حوله، وأهمها أن تشاؤم شوبنهاور سيكولوجي». فسعيد توفيق يؤكد أن تشاؤم شوبنهاور ميتافيزيقي، ولفهم ذلك علينا بداية تحديد ما المقصود بالإرادة عنده.
يقسم شوبنهاور العالم إلى قسمين: عالم التمثل وعالم الإرادة. ويقصد بالتمثل ذلك العالم السطحي والواضح، المليء بالمعنى والمعقولية. لكن الحفر تحت السطح المنظم لعالم التمثل، سيشق لنا عن حقل من القوى والغرائز العمياء، وهي دوافع بمثابة سراديب لا واعية، تظهر في الطبيعة الخام كقوة الجاذبية مثلا. وتظهر كقوة حيوية لدى النباتات والحيوانات، وتظهر عند الإنسان في إرادة بقائه. فنحن لا نريد شيئا لأننا وجدنا له أسبابا، بل نحن نجد أسبابا له لأننا نريده. فالعقل مجرد مخطط ومبرمج وباحث عن الاستراتيجيات لبلوغ الرغبة. فهو خادم طيع في يد إرادة البقاء.
لكن كيف يمكن فهم أن الإرادة أي الرغبة الخفية المحركة هي سبب التعاسة؟ إننا نحن البشر نعطي المعنى لحياتنا ببذل الجهد في تلبية الرغبات، والرغبة هي شعور بالنقص تجاه شيء معين. وهذا النقص يحدث لنا توترا وقلقا، بل ألما يحركنا نحو الإشباع وسد الفراغ. لكن بمجرد تلبية الرغبة نسقط في الملل والضجر. وبهذا يكون المرء متأرجحا على الدوام بين الألم والضجر، وهو ما يسقطنا في اللامعنى. إن قدر الرغبة هو أن لا تنطفئ، لأنها غير متعينة وهلامية كتيار دافق لا محدود وتحركنا دون وعي منا. وإشباعها يولد رغبة أخرى، وهكذا دون قرار. فالأمر مثل دون جوان (Don Juan) الذي يبحث دوما عن الفتيات، وبمجرد استهلاك واحدة منهن يتخلى عنها مباشرة.
إن الإنسان حينما ينساق وراء حركية الاستهلاك وتحقيق الرغبات، يصبح غير محب لما عنده وما بحوزته، فيتوق إلى ما لا يملك. فضلا عن أننا وللحصول على ما نشتهي نبذل جهدا ونهدر طاقة في التخطيط ورسم الحيل، ما يجعلنا في قلق دائم، بل في تنافس مع الآخرين، الأمر الذي يزيد من ألم الفراق مثلا، وأحيانا الفشل والمهانة وخطر الموت. كل هذا يجعلنا نفهم لماذا يؤكد شوبنهاور على أن الأصل في الحياة هو المعاناة.
إن هذه القبضة المستبدة للإرادة والباعثة على اليأس، والتي تجر الإنسان نحو دوامة الألم والملل، دفعت شوبنهاور إلى البحث عن مخرج، وعن سبيل للإفلات من سطوتها، أو ما يسميه بفن السعادة. فاقترح ثلاث طرق وهي:
أولا: السلوى عن طريق الفن، باعتباره لحظة خالصة نزيهة تفصل الذات عن جبروت الإرادة.
ثانيا: الخلاص عن طريق التحلي بأخلاق الرأفة تجاه كل أشكال الحياة، بما فيها النباتات والحيوانات. وبالفعل، أورث شوبنهاور ثروته لكلبه.
ثالثا: التحرر من عبودية الإرادة عن طريق الزهد، ووأد الرغبات والاتجاه نحو السكينة «النيرفانا». وهذا الحل الأخير، يعتبره مترجم كتابه، سعيد توفيق، حلا هروبيا، وفيه استسلام وانسحاب من الحياة.
إجمالا، نتعلم من فلسفة شوبنهاور أن الحياة ليست هانئة دوما، فمهما ابتسمت لنا فيجب أن نكون على استعداد لقبول الشقاء الذي تحضره لنا. كما تعلمنا أيضا أن نقرأ الناس انطلاقا من دوافعهم، وإذا أردنا إقناعهم فلنخاطب فيهم رغباتهم قبل عقولهم.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».