تتعرض المثل الأوروبية المعترف بها لأوروبا الحرة والمنفتحة والمتسامحة، إلى هجوم غير مسبوق، في ظل وجود طفرة في عدد نقاط التفتيش الشرطية، والمداهمات المنزلية، تمهد الطريق لما يصفه البعض بأنه عصر جديد من التمييز العنصري.
في فرنسا، بلد الحرية والمساواة والإخاء، يشعر المسلمون تحديدًا بالقلق، ويحذرون من مناخ جديد من الخوف، في أعقاب هجمات نوفمبر (تشرين الثاني) التي أدت لمقتل 130 شخصًا في باريس. كما تتعمق الشكوك حول طالبي اللجوء والتهديدات الإرهابية في بلدان تشمل ألمانيا والدنمرك، فضلاً عن الإجراءات الشرطية المحتدمة التي تستهدف الأقليات، والتمييز العنصري في الملاهي الليلية وأحواض السباحة العامة.
منذ سنوات ونشطاء حقوق الأقليات يدينون التمييز العنصري المزعوم في أوروبا. لكنهم يقولون إن أعمال التمييز هذه لم تكن بمثل التكرار والوضوح كما هي اليوم. وعلى سبيل المثال، وفي ظل حالة طوارئ في فرنسا، أصبح لدى الشرطة صلاحيات واسعة الآن لاعتقال المشتبه بهم، وتنفيذ مداهمات من دون إذن قضائي. وقد نفذت السلطات حتى الآن 3200 مداهمة، ووضعت ما يقرب من 400 شخص رهن الإقامة الجبرية.
ومع هذا فقد أسفرت هذه المداهمات عن 5 تحقيقات على صلة بالإرهاب، بينما تركت الكثير من منازل المسلمين محطمة الأبواب. وفي أمة معروف عن سلطاتها عدم التمييز بين الأعراق والأجناس المختلفة، ولا يسأل فيه حتى جامعو بيانات الإحصاءات السكانية عن العرق، تؤدي عمليات مكافحة الإرهاب كذلك إلى عمليات اعتقال غير سليمة.
وقد توصل قاضٍ فرنسي في أواخر يناير (كانون الثاني) إلى أن صاحب مشروع تجاري صغير، يدعى حليم عبد الملك تعرض إلى الاحتجاز على سبيل الخطأ من قبل موظفي إنفاذ القانون المتعصبين، وذلك بعد مرور 9 أسابيع من وضع رهن الإقامة الجبرية. أخلي سبيل الرجل المسلم، البالغ من العمر 33 عاما، في نهاية الأمر، ولكن ليس قبل تعرضه إلى الاحتجاز، بحسب قوله، وبعد أن تسببت السلطات في القضاء تقريبًا على نشاطه التجاري القائم على إصلاح الدراجات البخارية، وإجباره على فصل اثنين من الموظفين.
«لم أقل شيئًا لأبنائي. قلت لهم: (والدكم يشعر بألم في الظهر، ولهذا يلازم البيت)»، همس عبد الملك، الذي كان يجلس في حجرة المعيشة في منزله الواقع على تخوم باريس، بهذه الكلمات، بينما كان طفلاه الصغيران ينظران من وراء أحد الأبواب في الردهة.
وأضاف: «أنا مرعوب. لم نعد في دولة قانون هنا، بل نحن في دولة تمييز. لقد صرنا جميعًا مشتبهًا بنا الآن».
يصف نشطاء مستوى مرتفعًا من التمييز، يستهدف مجموعة متنوعة ممن ليسوا من البيض، بمن في ذلك الجنوب آسيويون والسود، وهو ما يثير نقاشًا على غرار ما تشهده الولايات المتحدة بشأن المعاملة التي تلقاها الأقليات العرقية من قبل أجهزة إنفاذ القانون. غير أنه في أوروبا يبدو مثل ذلك التمييز موجها بالأساس ضد الأشخاص الذين «يبدون مسلمين».
من الناحية القانونية، تحظر قوانين الاتحاد الأوروبي التمييز العرقي، وعادة لا تحتفظ الكثير من البلدان الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، بسجلات للتوقيف والتفتيش. لكن من برشلونة إلى وارسو، ومن ميونيخ إلى باريس، بات من الشائع رؤية أشخاص ينتمون لأقليات عرقية محتجزين عند نقاط تفتيش تابعة للشرطة، بينما يمر الأوروبيون والسائحون من ذوي البشرة البيضاء من دون أن يستوقفهم أحد.
في إحدى الوقائع، كان الفنان الكوميدي الفرنسي يس بلعطار يستقل أحد القطارات من بروكسيل إلى باريس الشهر الماضي، مع شريكه التجاري. غادرا القطار ولم يكادا يسيران بضع خطوات حتى أوقفت الشرطة بلعطار، صاحب البشرة النحاسية، بينما مر رفيقه الأبيض بسلام.
قال بلعطار (33 عامًا): «قلت: (ماذا؟ إنه يسافر معي! لماذا لا تقومون بتفتيشه كذلك؟)، لكنهم كانوا فقط يتركون كل شخص أبيض يمر». وأضاف: «فتحوا حقيبتي وأخرجوا ملابسي قطعة.. قطعة. شعرت بالغضب والإذلال».
ينكر المسؤولون الأوروبيون بشدة قيامهم بأي تمييز عنصري. لكن الكثير من مسؤولي الأمن أقروا سرًا بأنه بسبب أن الكثيرين من المشتبهين بالإرهاب والمهاجرين يحملون صفات عرقية مشتركة معينة، يكون من غير المرجح بالنسبة لهم إلى حد بعيد توقيف وتفتيش جدة فرنسية، على سبيل المثال، أو مسؤول تنفيذي ألماني بملابس مهندمة. لكنهم يشددون على أن العرق ليس هو العامل الرئيسي، وهم يشيرون كذلك إلى السلوك والزي عندما يقررون استهداف شخص لإخضاعه للتفتيش.
وقال إيفو بريب، متحدث باسم الشرطة الفيدرالية الألمانية: «نتعرض على نحو متزايد لاتهامات بالعنصرية. أنا أرفض هذا الاتهام. ونحن نقوم بتنفيذ ضوابط بناء على المعلومات الشرطية الحالية، وليس على أساس لون البشرة».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}
التمييز العنصري يبدو كسلاح في الحرب الأوروبية على الإرهاب
صلاحيات واسعة لدى الشرطة الفرنسية لاعتقال المشتبه بهم وتنفيذ مداهمات من دون إذن قضائي
حليم عبد الملك (واشنطن بوست)
التمييز العنصري يبدو كسلاح في الحرب الأوروبية على الإرهاب
حليم عبد الملك (واشنطن بوست)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

