سلمان ناطور رحل خائفًا من فقدان الذاكرة

الوسط الثقافي الفلسطيني ينعي «ابن دالية الكرمل»

سلمان ناطور
سلمان ناطور
TT

سلمان ناطور رحل خائفًا من فقدان الذاكرة

سلمان ناطور
سلمان ناطور

لعلها كانت الوصية الدائمة للراحل سلمان ناطور «راحت البلد وراحت الأرض وراح الزعتر وراحت المرة وراح الولد وما بقي لي غير هالحطة (الكوفية).. قبل ما يعملوا منها فساتين للسهرة أو حفاظات للأولاد، خذوها.. خذوها»، وقد قال لي يومًا: «من المؤلم أننا أصبحنا نؤرخ لأحداثنا، ونذكر تواريخنا حسب هذه الأحداث المأساوية». ورحل ناطور أول من أمس إثر أزمة قلبية حادة، مخلفًا وراءه نحو ثلاثين كتابا بينها كتاب باللغة العبرية، وأربعة كتب للأطفال، وخمس ترجمات عن العبرية.
وتوالت ردود الفعل على الرحيل المفجع لصاحب «الذاكرة»، إذ نعى وزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو، الأديب الفلسطيني الكبير سلمان ناطور الذي رحل أول من أمس، بعد عطاء حافل وكبير في حقل الثقافة الفلسطينية، معتبرًا إياه «أحد أبرز القامات الأدبية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي، وبرحيله تفقد الحركة الثقافية الفلسطينية علمًا من أعلام الفكر والثقافة والأدب، حيث نقش ناطور فعله الإبداعي على صفحات العالم ورسّخ الأدب الفلسطيني الذي سجّل من خلاله الدور الأبرز في نشر الحكاية الفلسطينية، سواء من خلال أعماله الروائية أو القصصية أو المسرحية».
وكان اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، أصدر بيانًا، نعى فيه ناطور، وجاء فيه: «ينعي الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين الكاتب سلمان ناطور الذي رحل عن عمر ناهز 68 عاما قضاها ملتزمًا بثابت فلسطين موقفا وقضية، مشتغلاً بهموم الثقافة الفلسطينية من أوسع أبوابها وفي شتى مجالاتها انحيازا للحق الفلسطيني في استرداد ما سلب منه من آلة البطش الاحتلالية ومدافعًا عن شقائق نعمان البلاد التي تأخذ لونها من دم الشهداء وقاتل لتوحيد الثقافة في فلسطين المحتلة عام 1948، لتعود إلى عمقها وبوصلتها الحقّة في مواجهة سياسات التدجين والمحو من سلطات الاحتلال».
وأضاف الاتحاد في بيانه: «برحيله تخسر الثقافة الفلسطينية والعربية والإنسانية واحدًا من الأسماء الوازنة والفاعلة في المشهد الثقافي الذي طرق أبواب الإبداع وتقديم كل ما هو مختلف وأصيل وباق.. إن الاتحاد ومعه جمهرة الكتاب والمبدعين وهو يقدم هذا النعي ليستشعر حجم الفقدان ومرارة الخسران وجلل المصاب برحيل هذه القامة التي واصلت العمل بصبر على مدى أكثر من أربعة عقود».
ونعت مؤسسة محمود درويش ومقرها مدينة رام الله، ناطور، في بيان مقتضب «تنعي المؤسسة الأديب والمؤرخ الكبير سلمان ناطور، الذي وافته المنية الاثنين في حيفا»، واصفة رحيله بالخسارة الكبيرة والمؤلمة.
وكتب الروائي الفلسطيني يحيى يخلف: «خبر رحيل الكاتب والمبدع الفلسطيني الصديق سلمان ناطور صدمني هذا الصباح (صباح أمس).. قامة كبيرة ذات تاريخ إبداعي ونضالي ترحل اليوم، حياة حافلة عاشها ابن دالية الكرمل مدافعًا عن هويته وحقوق شعبه وعن حرية الإنسان وحقوقه في التحرر والديمقراطية والكرامة الإنسانية.. يرحل الحبيب سلمان لكن إبداعه باق، وتاريخه باق، ويرحل الاحتلال ووطنه باق».
وقال الروائي الفلسطيني أنور حامد: «رحيل الكاتب سلمان ناطور، خسارة للوطن والذاكرة. جمعتني به ندوتان شارك بهما كلانا في السنتين الأخيرتين، في رام الله ومن ثم في الدار البيضاء. كلماته تحمل عبق الأرض ودفء الحب المعمد بالألم والصمود العنيد. من الجيل الثاني لحراس ذاكرة الوطن وهويته».
أما الروائي أسامة العيسة فكتب تحت عنوان «وصيّة سلمان ناطور»: في السادسة مساء الثالث من الشهر الحالي، وصلت، جامعة بيت لحم، مُسرعا، آتيا من لقاء ثقافي أول في مؤسسة إبداع الدهيشة. انطلقت بعد عرض ساميّة بكري المسرحي، مع سلمان ناطور، والصديق الكاتب إبراهيم مهنا، إلى شوارع بيت لحم.. كان سلمان يستعد للعودة إلى حيفا ليلا، وكنا نعلم بأنه سيغير رأيه ويقضي ليلة إضافية في بيت لحم المدهشة، التي يُحبها، بعكس رام الله التي يشعر فيها بالغربة. دعوته لتجربة (الكُشَرّي المصري) بأيدٍ فلسطينية، وخبرة راهبة قبطية، في ساحة المهد، وتحدثنا في الثقافة وفلسطين، ولاحقا، انضم إلينا الكاتب صالح أبو لبن، لتناول كنافة بيت لحم النابلسية، وبرمنا لساعات، حتى لاحظ صالح، بأننا آخر زبائن ذلك الليل!
وأضاف العيسة، الذي فاز بجائزة الشيخ زايد العام الماضي عن روايته «مجانين بيت لحم»: «ركز سلمان، على ضرورة محاربة التجزئة الفلسطينية، وطلب أن تكون الاتحادات الأدبية والمسرحية جامعة لجميع الأدباء والفنانين، بغض النظر عن أماكن وجودهم، وهي قضية تشغلني منذ فترة طويلة.. يا عيبنا عندما نقول هذا كاتب مقدسي، وذاك ضفاوي، وثالث عربي 48، ورابع غزي.. ساعات لا تُنسى، مع العزيز سلمان، الذي آخر ما توقعته أن لا يفِ بموعدنا المقبل الذي حددناه في الشهر المقبل».
وكتب الفنان الفلسطيني هلال الهندي: «سلمان ناطور لم يغب عن فلسطين إلا لأربعة أيام بسبب سكتة دماغية، لكنه لم يعد إليها وآثر العودة إلى المكان الذي أتى منه، عاد إلى الكرمل.. رحل الشيخ مشقق الوجه.. رحل معلمي ورفيقي سلمان ناطور.. لن أستطيع أن أنسى أول رواية وأول خريف في حيفا مع سلمان ناطور، لن أنسى أول مقال كتبته، لن أنسى أول قصيدة، وأول مسرحية، أول رحلة في الستين عامًا، لن أنسى الرواية التي كان يكتبها، ويخبرني أنه يشعر بعدم قدرته على إكمالها..» مشيرًا إلى أن هذا من وحي عمله وناطور وبقية الرفاق على مسرحية ذاكرة.
وكان ناطور قال في ذاكرته وقدمها على المسرح بطريقة الـ«موندراما»، التي كتبها وجسد الدور الوحيد فيها: «ستخونني الذّاكرة وأفقدها يومًا بعد يوم، وقد يأتي يوم أسود فأجد نفسي بلا ذاكرة. مجرد جسد يتحرك إلى لا مكان. أهيم في الشّوارع المزدحمة أو في الوعور الخالية أبحث عن أرنب أسأله: أين أسكن؟ ويخاف مني الأرنب فأركض خلفه، أهيم إلى أن يعثر علي صياد، كان يومًا ما رفيق طفولة أخذ الحياة على علّاتها واستقى منها فرحتها فصان ذاكرته.. ويمسك بيدي، أنا الذي ناطح طواحين الهوا، ففقد ذاكرته وصار لا شيء. تمامًا لا شيء. ويأخذني إلى البيت الذي وُلدت فيه ويسلمني إلى أهلي ثم يعود هو إلى بيته ليحدث أهله عن شيخ فقد الذاكرة، ويقول متفاخرًا أمامهم: لولاي لأكلته الضباع.. ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة.. ستأكلنا الضباع».
ويبقى أن نشير إلى أن سلطات الاحتلال اعتقلت ناطور أكثر من مرة، وأدخلته زنازينها، إثر صدور روايته التي منعت بطبيعة الحال بأمر احتلالي، وأعني رواية «أنت القاتل يا شيخ»، بل إنه وبعد مغادرته السجن حكم عليه بالإقامة الجبرية بسببها، كما لم تتوان سلطات الاحتلال وقوات جيشها بمنع عروض مسرحياته عنوة، ومنها تلك الموجهة للأطفال عنوة، وصل حد اقتحام المسارح التي تقدم فيها.



سمر نور: أُجرِّب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي


سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
TT

سمر نور: أُجرِّب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي


سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
سمر نور وغلاف روايتها «آشا»

تتعامل الكاتبة والروائية المصرية سمر نور مع الكتابة بوصفها أفقاً للتجريب واكتشاف الذات والعالم، متنقلةً بين القصة القصيرة والرواية، وبين الواقعية والفانتازيا، وعبر أزمنة وبيئات اجتماعية متباينة، دون أن تتخلى عن هواجس تتصل بالذاكرة والهوية، والعلاقة الملتبسة بين الحقيقة وما يصنعه الخيال الفردي والجمعي من تصورات عنها.

ومن «محلك سر» إلى «تماثيل الجان» و«الست»، تتعدد عوالمها السردية وأساليب بنائها، بينما تظل أسئلة السلطة والقيود الاجتماعية، خصوصاً في علاقتها بالمرأة، حاضرةً في تجاربها، إلى جانب انشغالها بقدرة الذاكرة على إعادة تشكيل الماضي، وبالحدود المتحركة بين الواقع والوهم.

في روايتها «آشا»، التي فازت بجائزة كتارا، تعود إلى جذورها النوبية، مستلهمةً حكاية عائلية قديمة لبناء عالم تتداخل فيه الأسطورة والتاريخ والموروث الشعبي، بعيداً عن اختزال النوبة في ثيمات الحنين والفقد والتهجير. وعبر جزأي الرواية الآخرين، «الجعران والقمر» و«يوم وصول الرجل الأحمر»، تخوض تجربة سردية تقوم على بناء الحكاية ثم مراجعتها من زوايا رؤية مختلفة.

هنا حوار معها:

> في «آشا» تبدو النوبة عالماً متكاملاً من الحكايات والأساطير والطقوس، وليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث. ما الذي دفعكِ إلى استعادة هذا العالم، وكيف اشتغلتِ على تفاصيله التاريخية والتراثية، خاصة أنكِ عدتِ إلى فترة بعيدة نسبياً من تاريخ النوبة؟

- أنا نوبية الأصل، تنتمي جذوري لقرية الشباك النوبية، لكنى ولدت في القاهرة حيث استقرت عائلتي منذ ثلاثينات القرن الماضي، لكنى لم أجد الدافع للكتابة عن النوبة قبل «آشا»، وكنت أرى نفسى ابنة القاهرة بكل تفاصيلها، لكن العالم الذي وُلد من استعادة حكاية عائلية من طفولتي عن أصول عائلتي، هذا العالم اكتشفت بعد سنوات من البحث بين الكتب والتسجيل مع كبار من العائلة أنه لم يغادرنى أبداً، بل كنت أستعيد أشياءً من ذاكرة طفولتي عن سيدات من القرية كن يأتين لزيارة جدتي، فوجدتني مسكونة بهذا العالم، حتى وإن لم أعِ ذلك إلا بفعل الكتابة، أما عن الاشتغال على التفاصيل التاريخية والتراثية، فقد كان أمراً ضرورياً ليس فقط لاستعادة وعيي بالنوبة الكامن بداخلي، بل أيضاً لفهم الشخصيات ودوافعها وزاوية رؤيتها للحياة، فربما تكون الحكاية واحدة في كل مكان وزمان، فالكل يولد ويموت، يفرح ويحزن، لكن المعرفة بتفاصيل العالم هي التي تخلق الاختلاف وفهم طبيعة الصراع.

> كثيراً ما ارتبط حضور النوبة في الأدب المصري بثيمات الحنين والفقد والتهجير، بينما تقدمين في «آشا» مجتمعاً حياً بتناقضاته وصراعاته. هل كنتِ معنية بتجاوز هذه الصورة التقليدية؟ وكيف تنظرين إلى موقع الأدب النوبي في المشهد الروائي المصري والعربي؟

- يسبقني منجز كبير وضعه النقاد تحت إطار مصطلح الأدب النوبي بدءاً من رواية «الشمندورة» لمحمد خليل قاسم ثم أعمال ليحيى مختار وإدريس علي وحجاج أدول وحسن نور، ارتبطت بالنوبة وثيمات الحنين والفقد والتهجير، ربما تجاوز إدريس علي ذلك إلى نقد المجتمع أحياناً، أو تنوعات أعمال حجاج أدول في أمكنة أخرى غير النوبة مثل الإسكندرية مقر ميلاده، لكن في النهاية تم تأطير أعماله في هذه الثيمات من قبل النقاد، ولم يُنظر للجانب الفني في تجربتهم بما تستحقه تلك التجارب، بل تم التركيز دائماً على الثيمات المذكورة، وحين بدأت الكتابة كان هناك اعتقاد أنى سأكمل تلك المسيرة لكنى لم أكن أشعر بقدرتي على ذلك، وتمسكت بكوني ابنة المدينة وهواجسها ومخاوفها في كل الأعمال السابقة لـ«آشا»، وأعتقد أنى لم أكن لأكتب عن النوبة لو لم يتملكني عالم يحمل رؤيتي الجمالية الخاصة.

> تتداخل الأسطورة والتاريخ في عالم «آشا»، وتبدو الحكايات الشعبية أحياناً وسيلة لفهم العالم، وأحياناً أخرى سلطة تتحكم في مصائر الشخصيات. إلى أي مدى يشغلكِ هذا التداخل بين الحقيقة وما يصنعه الخيال الجمعي من حقائق بديلة؟

- إلى حد كبير، وربما كان امتداداً لانشغالي بألاعيب الذاكرة وقدرتها على خلق واقع مشوه وتاريخ مشوه، وما يمكن أن نعتقد أنه حقيقة لمجرد أنه ما تعودنا على حضوره باعتباره حقيقة دون مراجعة فعلية، ويتجلى ذلك في أعمال سابقة لى مثل رواية «محلك سر» ومراجعة الذاكرة الشخصية، أو رواية «تماثيل الجان»، حيث يبدو الذهان والخرافة ثنائياً حاكماً للذاكرة الشخصية والجماعية، أما في «آشا» بجزأيها فأمارس لعبة نسج حكاية بيقين الراوي الشعبي في جزء «الجعران والقمر» ثم هدمها وبناء حكاية جديدة على لسان شخصيات مختلفة في رؤيتهم للعالم في «يوم وصول الرجل الأحمر».

> تمتد تجربتكِ في الكتابة من القصة القصيرة إلى الرواية، وعبر سنوات تنقلتِ بين عوالم وأساليب سردية مختلفة. كيف ترين تطور مشروعكِ الأدبي منذ بداياته؟ وهل هناك أسئلة أو هواجس ظلت ترافقكِ رغم اختلاف الأشكال والموضوعات؟

- لا أعرف، أنا أجرب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي، ولا أرى نفسي سوى تلك الطفلة التي كانت تهوى تفكيك لعبتها الجديدة حتى تكتشف كيف صنعت، لذلك أبني الآن ألعاباً كتابية جديدة عوضاً عن كل الألعاب التي فككتها وفشلت في تركيبها من جديد. اللعب بالخيال هو كل ما أجيده في الحياة، والتطور لا يأتي بشكل مقصود لكنه يأتي خلال محاولات فهم الذات والعالم، وربما الفشل في ذلك هو الذي يدفعنا إلى الاستمرار في اللعب.

> تبدو شخصياتكِ النسائية، من بطلة «الست» إلى «آشا»، في مواجهة مستمرة مع القيود الاجتماعية والسلطات المختلفة. هل تنطلقين من انشغال واعٍ بأسئلة المرأة وحريتها، أم أن هذه الشخصيات تفرض تمردها الخاص أثناء الكتابة؟

- أنشغل بأسئلة المرأة وحريتها لكنى أيضاً أعي طبيعة الفن الذي أقدمه، ولا أحب أن تحركني آيديولوجية من أي نوع أثناء الكتابة، ولكنى أعي أيضاً أن تكويني وهواجسي وأفكاري تفرض نفسها في مراحل سابقة وتؤثر على اختيار الفكرة وبناء العالم وزاوية الرؤية، غير أن الشخصيات تفرض تمردها أثناء الكتابة وتفاجئني أحياناً بمسارات لم تكن في حسباني.

> حققت «آشا» بجزأيها حضوراً لافتاً بين القراء، وتُوِّج الجزء الأول بجائزة كتارا. وكنتِ قد أشرتِ إلى أنكِ لم تحسمي فكرة تحويل العمل إلى ثلاثية. هل يمكن لهذا النجاح أن يدفعكِ إلى إعادة التفكير في كتابة جزء ثالث؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتحول نجاح العمل نفسه إلى عامل يؤثر في اختيارات الكاتب، وربما يدفعه إلى استثمار عالم روائي لم يكن ينوي العودة إليه؟

- لا أحب أن يحركني أمر ما في كتابتي سوى الكتابة ذاتها، ولا أجد أن استثمار النجاح أمر يمكنه أن يشغل كاتباً يدعي أن لديه مشروعاً كتابياً، النجاح أمر جيد ودافع لمواصلة الكتابة، لكن لدي الكثير لأقدمه بعد «آشا»، بالتأكيد سأعود لعالم النوبة، وربما أعود لآشا نفسها إذا شغلني عالمها من جديد، وسيطرت علي شخوصه، ووجدت جديداً لأقدمه من خلاله.

> تتنقلين بين أزمنة وبيئات وعوالم شديدة الاختلاف، من المجتمع المعاصر إلى النوبة التاريخية، ومن الواقعية إلى الفانتازيا. ما التحديات التي يفرضها عليكِ الانتقال بين هذه العوالم؟ وهل يتطلب كل عالم منها أدوات سردية مختلفة؟

- جزء كبير من متعة الكتابة في مواجهة التحديات والانتقال بين عوالم مختلفة، وإيجاد حلول للصعوبات التي تواجهك، ولغة مناسبة لعالمك لكنها لغة تحمل بصمتك الخاصة في الوقت نفسه، وبناء يتوافق مع طبيعة نصك، فكل عالم تجربة مغايرة وتحدٍّ جديد يواجه الكاتب.

> بعد فوز «آشا» بجائزة «كتارا»، وما يتيحه ذلك من وصول الرواية إلى قراء جدد وترجمتها إلى الإنجليزية، كيف تنظرين إلى المرحلة المقبلة من مشروعكِ الأدبي؟

- يبدو أن لـ«آشا» حظاً أفضل من أعمالي السابقة ويمكنها استكمال طريقها وأتمنى أن تحظى بالتوفيق وتلقي الضوء على مشروعي الأدبي، أتمنى أن أحظى بفرصة لإعادة نشر رواياتي ومجموعاتي القصصية السابقة، وأتمنى أيضاً ألا أقف على عتبة «آشا» وأعبر نحو عالم جديد وكتابة جديدة.

> ما الموضوع الذي يشغلكِ الآن وتستعدين للكتابة عنه؟

- يشغلني عالم مختلف على صعيد المكان والزمان، رواية معاصرة لكنها متصلة بتاريخ طويل من السحر والاختفاء، أعود إلى القاهرة التي أعرفها بكل تحولاتها وتغيراتها المفاجئة في السنين الماضية.

أنشغل بأسئلة المرأة وحريتها لكني أيضاً أعي طبيعة الفن الذي أقدمه ولا أحب أن تحركني آيديولوجية من أي نوع أثناء الكتابة


رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر
TT

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

وصفتها «واشنطن بوست» بأنها «مغامرة فكرية آسرة مليئة بالأسرار والدهشة»، أما مجلة «تايم» فرأت فيها «مزيجاً عبقرياً من ألف فكرة وألف قصة ليصوغ لنا المؤلف بمهارة سبيكة من الجنون والحكمة ليجد القارئ ملاذه الخاص».

تلك هى رواية «بندول فوكو» للروائي الإيطالي البارز أومبرتو إيكو التي باعت أكثر من 3 ملايين نسخة وتُرجمت إلى أكثر من 40 لغة، كما صدرت طبعة جديدة منها عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة الراحلة أماني فوزي حبشي.

تدور الأحداث في قلب ميلانو وبين جدران دار نشر صغيرة، حيث يقرر ثلاثة محررين مواجهة ملل المخطوطات الغامضة بابتكار لعبة على الحاسوب سرعان ما تتحول إلى مؤامرة متشابكة مستوحاة من حكاية كولونيل غريب الأطوار عن خطة سرية حيكت عبر العصور الوسطى للسيطرة على العالم.

وحين تبدأ اللعبة بالتحكم في الواقع ويُقتل الكولونيل، وآخرون بعده، يجد المحررون أنفسهم في سباق محموم مع الزمن لكشف الحقيقة قبل أن تبتلعهم المؤامرة، عبر نص بالغ التشويق والإثارة يتضمن رحلة مذهلة عبر التاريخ والفكر والثقافة، ينتقل فيها المتلقي من المخطوطات السرية إلى أجهزة الحاسوب ومن ديكارت إلى النازيين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لابد أن أكون في سلام الآن فقد فهمت، ألم يقل أحدهم إن الخلاص يأتي عندما يصل المرء إلى كمال المعرفة؟ من قال إن السلام ينبع من التأمل في النظام المفهوم الممتع المتحقق بلا رواسب، في الفرح والانتصار، في انتهاء السعي؟

كل شيء واضح جلي والعين ترى الجزء والكل وترى كيف أن الجزء تواطأ مع الكل وتدرك المركز الذي تدفقت منه الدماء الأنفاس وجذر الدوافع.

لابد أن أكون في سلام تام. من نافذة مكتب العم كارلو، أنظر إلى الهضبة وذلك الجزء الصغير من القمر الذي يوشك على الظهور المنحنى المتسع والنتوءات الأكثر بروزاً للتلال خلفه والتي تحكي قصة التقلبات البطيئة والناعسة للأرض الأم والتي من خلال تمددها وتثاؤبها تخلق وتمحو أسطحاً زرقاء.

في الوميض المفزع لمئات البراكين تتحرك الأرض في أثناء نومها وتبدل سطحاً بآخر. وحل الألماس حيث ترعى الأصداف والكروم حيث يكبر الألماس، إنه منطق الركام وانهيار الصخور وانهيار الكتل الثلجية.

إذا نزعت حصى من مكانه بالمصادفة، فإنه يبدأ في الحركة يتدحرج إلى أسفل ويترك فراغاً في أثناء الهبوط ويقع آخر فوقه ثم يليه آخر، أسطح فوق أسطح. إنها حكمة الأرض.

أين قرأت أنه في اللحظة النهائية عندما تصبح الحياة سطحاً وراء سطح، محشوة بالخبرات، يعرف المرء كل شيء: السر القدرة والمجد، لماذا ولد ولماذا يموت وكيف يمكن لكل شيء أن يسير بطريقة مختلفة ؟ يصبح حكيماً ولكن الحكمة الكبرى في تلك اللحظة هي معرفة أنه عرف كل هذا متأخراً جداً. يفهم المرء كل شيء عندما لا يعود هناك شيء آخر يحتاج إلى الفهم».


«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات
TT

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

تضع مجلة «القافلة»، التي تصدرها «أرامكو السعودية»، قارئها في عددها الجديد أمام أسئلة تتجاوز حدود الثقافة والأدب، إلى مستقبل الإنسان وعلاقته بالمعرفة والتكنولوجيا والطبيعة. ومن خلال موضوعات تتوزع بين الفكر، والفنون، والعلوم، والبيئة، ينشغل العدد بسؤال يتردد بصيغ مختلفة: ماذا يبقى من خصوصية الإنسان في ظل تسارع التحولات التقنية وتغير أنماط المعرفة والتجربة الإنسانية؟

العلوم الإنسانية... أزمة المكانة وغياب النقد

تحتل قضية «العلوم الإنسانية.. حقائق منسية» موقعاً محورياً في العدد؛ إذ تناقش تراجع مكانة العلوم الإنسانية أمام صعود التخصصات التقنية والتطبيقية، وما يرافق ذلك من تشكيك في جدوى تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع والآداب، وعلاقة هذه التخصصات بسوق العمل ومتطلبات التنمية.

ويشارك في القضية، الدكاترة: عبد السلام الوايل، وسماهر الضامن، وعبد السلام بنعبد العالي، من خلال 3 مقاربات تتناول القيمة الاجتماعية للعلوم الإنسانية، وأزمة تدريسها في الجامعات العربية، ومدى احتفاظها بوظيفتها النقدية.

يرفض الدكتور عبد السلام الوايل اختزال قيمة العلوم الإنسانية في فرص التوظيف والعائد الاقتصادي، ويرى أنها تسهم في بناء الهوية والقيم والثقة والتماسك الاجتماعي، وأنها عناصر يقوم عليها الاقتصاد نفسه. ويؤكد أن انتشار الذكاء الاصطناعي سيزيد الحاجة إلى التفكير النقدي والحكم الأخلاقي وفهم السياقات الإنسانية، «وهي قدرات يصعب اختزالها في الأتمتة».

«العلوم الإنسانية»

وتتناول الدكتورة سماهر الضامن أزمة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعات، مشيرة إلى النظرة التي تضع التخصصات العلمية في مرتبة أعلى من التخصصات الأدبية. وتلفت إلى أن «بعض الطلاب يلتحقون بالعلوم الإنسانية اضطراراً، بوصف ذلك محطة للانتقال إلى تخصصات أخرى». وترى أن «تحديث المناهج وحده لا يكفي ما لم يتغير النظام التعليمي وأساليب التدريس، ويستعد الأستاذُ الجامعي دورَه في إثارة الفضول والتفكير».

أما الدكتور عبد السلام بنعبد العالي، فيقدم مقاربة نقدية لأزمة العلوم الإنسانية العربية، عادّاً أنها استوردت النظريات والمناهج الغربية دون الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها... «ونتيجة لذلك؛ تحولت في حالات كثيرة إلى مقررات جامعية تعيد إنتاج المفاهيم، بدلاً من أن تصبح أدوات لفهم المجتمع ونقده».

ويربط بنعبد العالي هذه الأزمة بـ«غياب الروح الفلسفية، وضعف المجال العام، وانفصال الجامعة عن المجتمع، وهي عوامل حدّت من قدرة العلوم الإنسانية على التأثير وإنتاج فكر نقدي».

وتخلص القضية إلى أن أزمة العلوم الإنسانية ليست أزمة جدوى أو توظيف فقط؛ «بل تتصل ببنية التعليم والمؤسسات والمناهج وعلاقة الجامعة بالمجتمع». وأن استعادة مكانتها تتطلب «الانتقال من استهلاك النظريات إلى إنتاج المعرفة، ومن الدفاع عن قيمتها إلى إثبات دورها في فهم التحولات الاجتماعية والثقافية».

حمد الجاسر... المعلم والباحث

في باب «أدب وفنون»، يستعرض عبد العزيز بن سلمة المسيرة العلمية والثقافية للعلامة السعودي حمد الجاسر، وإسهاماته في تطوير التعليم والصحافة والبحث التاريخي والجغرافي في المملكة.

ويتوقف عند رحلته مع المخطوطات والمكتبات العربية والعالمية، ودوره في تطوير التعليم بالمنطقة الشرقية ونجد، وتشجيع النشاط الأدبي بين الطلاب، فضلاً عن ريادته الصحافية من خلال إصدار مجلة «اليمامة» عام 1953، وإسهاماته في حركة النشر بالرياض.

وتقدم المادةُ الجاسرَ بوصفه «نموذجاً للمثقف الذي لم يكتف بإنتاج المعرفة، بل أسهم في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية التي تحفظها وتنشرها، وترك إرثاً من المؤلفات والتحقيقات التي تناولت تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وسكانها».

وفي الباب نفسه، يتناول أحمد عبد اللطيف ظاهرةَ «رواية الضواحي» في الأدب الإسباني، بينما تقرأ لمياء شمت التجربةَ الروائية للسوداني عبد العزيز بركة ساكن، وعلاقتَها بالموروث الشعبي. ويناقش زياد الدريس شهرة ابن خلدون، متسائلاً عما إذا كانت تعكس قراءةً فعلية لأعماله أم حضوراً رمزياً لاسمه.

كما يعرّف الباب بتجربة الكاتب الصيني نينغ كن، ويناقش جدوى كتب تعليم الكتابة الروائية، ويقارن بين فيلمَي السيرة «الست» و«مايكل» واختلاف معالجتهما السينمائية. ويضم أيضاً قصيدة للشاعر السعودي علي الحازمي، وقراءة في تجربة الفنان التشكيلي عبد الله العثمان.

حمد الجاسر

من يصنع عقل المستقبل؟

في باب «آفاق»، يناقش موضوع «القلم أم التابلت.. أيهما يبني عقل الطالب؟» أثرَ الأدوات الرقمية في التعلم والذاكرة والكتابة، مستعرضة تجارب تعليمية اندفعت نحو استخدام الشاشات قبل أن تعيد النظر في بعض نتائجها.

ويتصل بذلك موضوع «هكذا تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تعريف الشهرة»، الذي يفحص انتقال الشهرة من الاعتراف بالإنجاز إلى الانتشار الذي تصنعه المنصات وخوارزمياتها.

ويطرح الموضوعان أسئلة عن أثر التكنولوجيا في تشكيل الوعي والسلوك، وليس في تسهيل الحياة وحدها.

وفي قسم «علوم»، يناقش خالد كرم دور البحوث العلمية والطب الرياضي في تطوير أداء الرياضيين وتحطيم الأرقام القياسية. في حين يتناول سعد القحطاني فرضية اختفاء النحل من العالم وتداعياتها على الإنتاج الغذائي والتنوع الحيوي. وتنسجم صورة الغلاف، التي التقطها محمد آل ابن الشيخ لنحلة على زهرة الخزامى، مع موضوع «ماذا لو اختفى النحل؟»، الذي يوضح أن اختفاء هذه الحشرات لن يؤدي إلى اختفاء الغذاء كله، لكنه سيؤثر في تلقيح محاصيل ونباتات كثيرة، ويهدد التوازن البيئي.

وفي زاوية «العلم خيال»، يتساءل حسن الخاطر عن إمكانية استغناء الإنسان عن الطعام واستمداد طاقته من ضوء الشمس، والصعوبات التي تحول دون تحقيق ذلك. كما يستكشف القسم نزعتنا إلى إضفاء الصفات البشرية على الذكاء الاصطناعي، ويتناول شبكات التواصل في الغابات؛ من نداءات الطيور، إلى الإشارات الكيميائية للنباتات.

وتكشف هذه الموضوعات عن اهتمام المجلة بالعلاقة بين التقدم العلمي وحياة الإنسان، وبالأسئلة التي تثيرها التكنولوجيا بشأن مستقبل التعليم والغذاء والبيئة.

الكرسي... تاريخ السلطة والحياة اليومية

يخصص العدد ملفَّه لموضوع «الكرسي»، في معالجة تتجاوز تاريخ الأثاث إلى دلالاته الاجتماعية والسياسية والفنية، وتستعرض تحولاته من رمز للسلطة والهيمنة إلى أداة يومية للراحة والعمل.

ويتتبع الملف تطور تصاميم الكراسي عبر الحضارات، وتأثيرها في صحة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية، مستكشفاً دلالاتها في الثقافة العربية والأساطير القديمة والنص القرآني، وحضورها في الأدب والمسرح والسينما والفن التشكيلي.

وفي إحدى مواد الملف، تتناول مهى قمر الدين تاريخ الكرسي؛ من العروش القديمة إلى المقاعد البلاستيكية، وتكشف عن كيف تحول عبر العصور علامةً على السلطة والمكانة والذاكرة، وعن كيف يمكن قراءة جوانب من تاريخ المجتمعات من خلال الأشياء التي صنعتها واستخدمتها.